محمد توبي الجنوبي الذي قتلته إسرائيل مرتين

قتل العدو الإسرائيلي الراعي محمد توبي على مراحل، في حرب 2024 قتل زوجته وابنته نور، ثمّ في العدوان الحالي قتل محمد ومنع لأيام فرق الإسعاف من انتشال جثمانه من داخل مزرعته.

الراعي الشهيد محمد توبي

لم يكن الشهيد محمد حسين توبي (57 عاماً) سوى ذلك الجنوبي العتيق. لم يكلفنا عناء رثائه، حيث كانت صورته الأخيرة أكثر تعبيراً من أي رثاء. قتلته إسرائيل أمام مزرعته في ميفدون لسبب واحد: لأنّه يشبه أبناء هذه الأرض أكثر مما يحتمل عدو لا يفهم سوى لغة القتل.

بقي المشهد الأخير، فيما كان فريق من الصليب الأحمر يحمل جثمانه الذي تُرك لساعات طويلة بانتظار موافقة القاتل والشاهد على انتشاله، وبينما كانت الماعز تقف خلف البوابة الصغيرة تنظر إلى الرجل الذي أطعمها واعتنى بها سنوات طويلة، كأنها تنتظر أن يعود ويغلق الباب كعادته كل مساء.

في التاسع من أيار، استهدفت غارة إسرائيلية المنطقة الواقعة بين ميفدون والنبطية الفوقا. الهدف كان الراعي محمد توبي، الرجل الذي لم يحمل يوماً أكثر من تعبه اليومي، ولم يعرف من الدنيا سوى أرضه ومزرعته. لكن إسرائيل، التي سبق أن قتلت زوجته سمر وابنته نور في اليوم الأول لعدوان أيلول 2024، عادت لتكمل ما بدأته يومها.

فرق الصليب الأحمر تنتشل جثمان الشهيد محمد توبي من مزرعته (الأخبار)

منذ تلك الغارة الأولى، لم يبقَ للرجل سوى الأرض. تقول ابنته تغريد لـ«الأخبار» إن والدها «ما عاد يشبه نفسه». شيء ما انكسر فيه نهائياً يوم خسر زوجته وابنته. يومها، كانت تغريد قد خرجت لدقائق فقط مع زوجة خالها لتعبئة البنزين خوفاً من تطور الوضع واضطرراهم للنزوح. بقيت الأم وابنتها الصغيرة وأولاد خالها وخالتها داخل المنزل، بعدما ظنوا أن البيت أكثر أماناً من الخارج. «طلعنا دقيقة وصارت الضربات»، تقول تغريد. تتذكر اللحظة التي نظرت فيها نحو الدخان وقالت فوراً: «هيدا بيتنا… راحوا». اتصلت مراراً. بقيت واقفة تنتظر أن يخرج أحد من الركام. أي أحد. «بس ما طلعوا… كان الله كاتبلهن الشهادة».

منذ ذلك اليوم، صار محمد يعيش لأنّ لا خيار آخر له. «دلوعته» نور، ابنة الثالثة عشرة، رحلت مع والدتها، وكأنّ البيت خسر روحه بالكامل. تقول تغريد إن والدها بعدما خسرهما «بطل يفرق شي معو»، وإن العائلة كلها انتهت حياتها منذ ذلك اليوم. لم يعد هناك بيت يشبه البيت، ولا أيام تشبه ما قبل أيلول. كان بيت الحاج محمد، كما تصفه ابنته، «متل المضافة». الناس تدخل وتخرج، السهرات لا تنتهي، والضحك يملأ المكان. فجأة صار كل شيء بارداً وفارغاً. هكذا حوّلت إسرائيل حياة عائلة بكاملها لمأساة لن تنسى يوماً، وفي لحظة واحدة وبصاروخ واحد. هذه هي قيمة حياتنا أمام الوحش.

رحل الحاج محمد وبقيت صورته الأخيرة حكاية تختصر الجنوب كلّه

بقي الحاج محمد في الضيعة. رفض المغادرة. جلس في منزل والديه، محاطاً ببناته فاطمة وزهراء وشقيقته، لكنه لم يكن موجوداً بالكامل. لم يعد يريد أن يترك الأرض، ولا المزرعة التي عاش منها أكثر من أربعة عشر عاماً. ماذا يفعل رجل خسر زوجته وابنته وبيته دفعة واحدة؟ إلى أين يذهب؟ وماذا يبقى له أصلًا غير هذا التراب؟

كان يشبه الأرض التي عاش فيها. رجلاً بسيطاً إلى حدّ أنّ هاتفاً خليوياً لم يكن يوماً جزءاً من حياته. وجهه الأسمر المحروق بالشمس، ويداه الخشنتان المتعبتان من العمل، كانا يكشفان عمراً كاملاً من التعب أكثر مما تفعله الكلمات. لم يعرف من الدنيا إلا هذه الحياة البسيطة: يصحو باكراً إلى مزرعته، يتعب تحت الشمس، ويعود آخر النهار إلى البيت الذي كان، يوماً ما، مليئاً بالمحبة والأمان والضحكات. لم يكن يعرف أنّ هذا البيت نفسه سيتحوّل، في لحظة واحدة، إلى فاجعة تسكنه إلى آخر عمره، وأنّ الركام الذي ابتلع زوجته وابنته سيبتلع معه ما تبقّى من قلبه أيضاً.

الشهيدة نور توبي ابنه محمد استشهدت في حرب 2024 (الأخبار)

كل أهل الجنوب يعرفون الخطر. يدركون وجود المسيّرات قبل أن تظهر، ويعرفون أنّ الموت قد ينزل فجأة على بيت أو شجرة أو حظيرة. لكنهم يبقون. ليس لأنهم لا يخافون، بل لأنّ الأرض هنا ليست مجرد رزق. هي الذاكرة الأخيرة. آخر ما يبقى للإنسان حين يُقتل البيت والعائلة والعمر دفعة واحدة.

الحاج محمد لم يكن مقاتلاً. لم يحمل سلاحاً. كان راعياً يعرف أسماء مواشيه، ويعيش من تعب يديه، مثل كثير من رجال الجنوب. وربما لهذا السبب تحديداً يبدو قتله بهذه الوحشية: لأنّه يشبه الناس الحقيقيين هنا، الناس الذين يريدون فقط أن يعيشوا في أرضهم، غير مبالين بالقصور خارجها.

رحل محمد، وبقيت صورته الأخيرة حكاية تختصر الجنوب كلّه. بمأساته المستمرة، بحزنه الكبير. لا شيء بقي لنا لنردده خلف الحاج محمد سوى جملة من أغنية «يا علي» للشاعر عباس بيضون: «وأنا مثلك يوماً ما، على أرض أقل مجداً، سيقتلني حزني، سيقتلني حبي».

تبكي تغريد من غربتها اليوم والدها ووالدتها وشقيقتها. تبكي العمر والأهل والحب والبيت. تبكي خساراتها الأكبر والتي ستكبر يوماً إثر يوم. أي قلب يحتمل كل ذلك الأسى؟ أيّ عدو يحوّل حياتنا إلى حكاية لم نكن نتخيل وحشيتها يوماً؟ أي عالم يسمع بذلك ويرضى به؟

«كنا 6 صرنا 3»، تقول الإبنة التي تحولت حياتها إلى يتم مؤبد خلال أشهر قليلة. جملة صغيرة، لكنها تكفي لتشرح حرباً كاملة. تكفي لتشرح كيف يمكن للعالم أن يشرع ويصفق لمحو نصف عائتلك متى صدّق القرار.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

استشهاد «بطل معارك غزة»: رهان الاحتلال على الاغتيالات باقٍ

نجح الاحتلال الإسرائيلي في اغتيال القائد العام لـ«كتائب القسام» في قطاع غزة، عزّ الدين الحداد، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *