بين الحرب والشهادة الرسمية: امتحانات بلا استثناءات كبرى
موقع ميادين المقاومة
51 دقيقة مضت
أخبار هامّة, الرئيسية, النشرة اللبنانية, منوّعات
بحسب ما أعلنته كرامي، ستُجرى الدورة الأولى في 29 حزيران، والثانية في 27 تموز، ودورة استثنائية في 7 أيلول، مع السماح لكل طالب بالتقدم إلى دورتين فقط.

الامتحانات الرسمية تحسم.. والوزارة تدير الأزمة بأدوات الحد الادنى
في مؤتمر صحافي اتخذ طابع الدفاع عن خيارات الوزارة أكثر منه طابعاً تقنياً، سعت وزيرة التربية ريما كرامي إلى تثبيت خيار إجراء امتحانات الثانوية العامة بفروعها الأربعة: الآداب والإنسانيات، والاجتماع والاقتصاد، والعلوم العامة، وعلوم الحياة، مع الاعتراف الضمني بأن العام الدراسي الحالي كان استثنائياً بكل المقاييس.
بدأت كرامي المؤتمر بدقيقة صمت على أرواح الطلاب والمديرين والمعلمين الذين قضوا خلال الحرب، قبل أن تنتقل إلى خطاب إنساني تحدثت فيه عن الخوف والنزوح وعدم الاستقرار، مستعيدة تجربتها الشخصية بوصفها «ابنة الحرب الأهلية»، في محاولة لإضفاء بُعد وجداني على القرارات التي ستصدر، يتجاوز طابعها الإداري البحت.
لكن الانطباع الأبرز لدى كثير من المتابعين كان أن الوزارة حسمت عملياً خيار إجراء الامتحانات مهما كانت الظروف، مع بعض التعديلات لتخفيف الضغط عن الطلاب، من دون الذهاب إلى مقاربة استثنائية كاملة تعكس حجم الأزمة التربوية والنفسية التي فرضتها الحرب هذا العام.
وفي أكثر من محطة، بدا أن الوزارة تحاول الموازنة بين إدارة الأزمة والحفاظ على «هيبة الشهادة الرسمية». فقد شددت كرامي على أن «أي قرار يتعلق بالامتحانات الرسمية يجب أن ينطلق من فهم حقيقي للواقع الذي يعيشه الطلاب»، لكنها في المقابل اعتبرت أن «الإلغاء الكامل يفقد الشهادة الرسمية قيمتها تدريجياً»، واضعة النقاش عملياً بين خيارين متقابلين: استمرار الامتحانات أو المسّ بصدقية الشهادة الرسمية.
ورغم أن هذا الخطاب طمأن شريحة من الطلاب المتمسكين بإجراء الامتحانات، فإنه أعاد فتح نقاش أوسع داخل الأوساط التربوية حول ما إذا كانت الدولة تتعامل مع الحرب كأزمة وطنية شاملة، أم كأزمة محصورة جغرافياً يمكن احتواؤها عبر إجراءات تنظيمية ومرونة إدارية.

(الأخبار)
وفي عرضها للمعطيات، تحدثت الوزيرة عن تصنيف المدارس بين مناطق «متأثرة مباشرة بالحرب» وأخرى أقل تأثراً، مشيرة إلى أن نحو 25 في المئة من الثانويات تقع ضمن المناطق المتضررة. لكنها، في المقابل، أكدت أن أكثر من 90 في المئة من هذه المدارس تمكنت من متابعة التعليم الحضوري أو عن بُعد، معتبرة أن صورة الانهيار التربوي المتداولة إعلامياً لا تعكس الواقع بالكامل، وأن نسب إنجاز المناهج تراوحت بين 60 و85 في المئة، ووصلت في بعض الحالات إلى 100 في المئة.
غير أن هذه المقاربة نفسها حملت مفارقة لافتة؛ فبينما أكدت الوزارة أن الفوارق التعليمية بقيت محدودة، اضطرت عملياً إلى اعتماد أكبر نسب تقليص للدروس مراعاةً للطلاب في المناطق الأكثر تضرراً من الحرب. كما لجأت إلى تنظيم ثلاث دورات متتالية لامتحانات الثانوية العامة، في خطوة تعكس حجم القلق من تفاوت الجهوزية بين الطلاب واستمرار الضغوط الأمنية.
وبحسب ما أعلنته كرامي، ستُجرى الدورة الأولى في 29 حزيران، والثانية في 27 تموز، ودورة استثنائية في 7 أيلول، مع السماح لكل طالب بالتقدم إلى دورتين فقط. كما جرى إلغاء الشهادة المتوسطة الرسمية والاعتماد على الامتحانات المدرسية. إلى ذلك، أوضحت كرامي أن الطلاب سيتمكنون من إجراء الامتحانات في أماكن نزوحهم، وأن الوزارة ستؤمّن مراكز بديلة في المناطق المتضررة بالتعاون مع المدارس الخاصة.
وخلال النقاش مع الصحافيين، بدت النبرة الدفاعية أكثر حضوراً، خصوصاً في الأسئلة المتعلقة بقدرة الدولة على تنظيم الامتحانات في ظل استمرار استخدام عدد كبير من المدارس الرسمية مراكزَ إيواء للنازحين، إذ ردّت الوزيرة بأن الوزارة «لم تكن لتعقد مؤتمراً صحافياً لو لم تكن متأكدة من قدرتها على تأمين المراكز»، مضيفة أن أي تطورات أمنية لاحقة «لكل حادث حديث».
كما كشفت أن القرارات المتخذة حظيت بـ«مباركة» كل من رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء، في إشارة إلى البعد السياسي الذي يحيط بالملف، والذي يتجاوز الإطار التربوي إلى حسابات أكثر حساسية.
إقرأ أيضاً: فساد إداري يحرم طلاباً من الترشح للامتحانات الرسمية
وفي مقابل تمسك الوزارة بنمط موحد للامتحانات، برزت مقارنة غير معلنة داخل الأوساط التربوية مع البكالوريا الفرنسية والبكالوريا الدولية، اللتين بدتا، في نظر كثيرين، أكثر مرونة وتكيفاً مع الواقع النفسي والأمني للطلاب. وقد انعكس ذلك في أسئلة طُرحت على الوزيرة بشأن طلاب يتابعون البكالوريا الفرنسية في مدارس غير معترف بها رسمياً، فاكتفت بالإشارة إلى متابعة الملف مع السفارة الفرنسية، مؤكدة أنها ستسعى إلى تأمين حقوق هؤلاء الطلاب أسوة بأقرانهم.
أما ملف الطلاب المهددين بالحرمان بسبب مشكلات قانونية وإدارية في مدارسهم السابقة، فتعاملت معه الوزارة بوصفه ملفاً إدارياً لا يُناقش إعلامياً، مع إبقاء باب المعالجات مفتوحاً من دون إعطاء ضمانات واضحة بحلول نهائية.
وفي موازاة ذلك، حاولت كرامي منح القرارات بُعداً معنوياً لافتاً، من خلال خطاب موجّه إلى الطلاب يربط الدراسة بالصمود، معتبرة أن التعلّم «تحت صوت الطائرات» هو شكل من أشكال «البطولة». غير أن هذا الخطاب، على رمزيته، لم يُخفِ واقعاً أكثر تعقيداً: امتحانات تُجرى في ظل حرب مفتوحة، وتفاوت تربوي واسع، وضغط نفسي واجتماعي غير مسبوق، فيما تبدو الدولة وكأنها تدير الأزمة بأدوات الحد الأدنى، تحت عنوان حماية «قيمة الشهادة الرسمية»، إذ لم يُعتمد مثلاً نظام المواد الاختيارية كما جرت المطالبة، أكثر مما تعالج الاختلالات البنيوية التي فرضتها الحرب على القطاع التربوي.
مرتبط