النكبة الفلسطينية لمن لم يفهمها بعد

إنّ ما بين اللاجئين الفلسطينيين بسبب نكبة 1948، والنازحين اللبنانيين بسبب حرب 2026، بحر من الاختلافات والتقاطعات، ومشاعر متباينة ومختلطة، وتتنوع الوجوه والتكتيكات وردود الفعل المحلية والدولية تجاههم.

تسرب فيديو قصير مؤخراً، صوِّر من على دبابة إسرائيلية، ويُظهر البيوت المهدمة في قرية عيتا الشعب الحدودية – تعود حجارة بعض البيوت إلى العصر الروماني. كما يظهر في الفيديو الجرافاتُ الإسرائيلية وهي تمعن في هدم ما تبقى من البيوت. ثم رأيت فيديو آخر لبلدة بنت جبيل لا يقل وحشية وألماً عن ذاك.

في جنوب لبنان، رأيت بعيني كيف تستباح القرى وتغتصب، رأيت كيف تنهب البيوت والقصور، رأيت كيف تحول الجرافات، بإصرار مسبق، البيوت إلى أكوام من الركام. رأيت كيف تقتل الذكريات والأحلام بوحشية داخل جدران تلك البيوت. رأيت عائلات تحمل مفاتيح بيوتها فقط، ولا شيء أكثر، ثم تمضي في المجهول. رأيت أهالي الجنوب يقضون أكثر من ثلاثين ساعة في سياراتهم لقطع المسافة من قراهم إلى صيدا. رأيت كيف تمزقت العائلات. وعاينت أبناء الجنوب ينامون على الشواطئ، ويفترشون الأرصفة.

رأيت الطائرات المسيرة ترصد الصحافيين وطواقم الإسعاف طويلاً قبل أن تستهدفهم. رأيت كيف مُنع النازحون من البقاء في مناطق دون غيرها، خشية أن تتحوّل أماكن نزوحهم إلى مخيمات دائمة. رأيت كل ذلك دون أن أتفاجأ. كنت كمن يشاهد فيلم رعب للمرة الثانية. النكبة تتكرر بأشكال جديدة، وكأني أراها بعدسة لبنانية.أتجول في المدينة المتخمة بالنازحين: ألقاهم في المدارس، في الساحات، على الطرقات، على كورنيش البحر، وحتى في العمارة التي أسكن فيها. لن أسألهم إن كانوا سيعودون إلى بيوتهم، ولن أسأل من يبقى منهم: «لماذا لا تعودون؟».

اليوم فقط، بعد 78 عاماً من النكبة، وأنا أعيش وأرى بأم عيني أهوال ما يجري في جنوب لبنان، أدركت بحق معنى النكبة الفلسطينية. تلك النكبة التي جعلت مني شخصياً نموذجاً حياً لواحدة من تداعياتها المدمرة والمؤلمة. اليوم فقط فهمت لماذا لم يعد أبي إلى قريته «الصفصاف»، واليوم فقط قررت أن أعتذر منه.

أمضيت سنوات عمري عاجزاً عن شرح معنى النكبة، أو عن إقناع بعض أصدقائي من غير الفلسطينيين أن «النكبة لم تكن حرباً أو حدثاً تاريخياً عادياً». وظلت الكلمات تخذلني حتى لوصف أو تصوير أهوال النكبة لهم. لعل فهمي وقناعتي لم يكونا موضوعيين. وتأثراً بظروفي الشخصية، فأنا لم أخذل أبي يوماً وهو يروي لي كيف أجبر على ترك قريته «الصفصاف» تحت وابل الرصاص. وكيف ارتكب الصهاينة مجزرة مروّعة في القرية راح ضحيتها أكثر من 70 شخصاً جلّهم من النساء والأطفال والشيوخ.

كما وصف لي مراراً مرارة اللجوء الأولى في القرى الحدودية، ثم في المخيمات. وبقيت أسمعه حتى آخر يوم في عمره. لكن ظلّ السؤال الأثقل الذي لم أستوعب أو أتقبل إجابته هو: «لماذا لم يعد إلى فلسطين؟ هل أغراه جمال لبنان وكرم أهله؟ أو قرب الجبل من الساحل؟». علماً أنّه لم يرَ شيئاً من كل ذلك، لذا كنت ألحّ عليه دائماً بالسؤال: لماذا لم يعد هو وأهالي القرية إلى بيوتهم؟

لم أستطع تصور أن الدول العربية مجتمعة وهبّة شعوبها من المحيط إلى الخليج فشلت في إعادتهم إلى قراهم. كانت إجابات أبي مزيجاً من اللوم للأنظمة العربية، وهرباً من الإجابة، وحرقة الذكرى. تارةً يقول لي المؤامرة أخرجتنا، وأحياناً دون مقاربة السؤال يروي لي قصصاً عن مطاردة العصابات الصهيونية لهم وإطلاق النار عليهم حين كانوا يتسللون لإخراج بعض الحاجات من بيوتهم. ثم تكررت على مسامعي فيما بعد مئات الروايات من أشخاص غيره عاشوا في قرى أخرى، تؤكد أنّ دوريات جيش الاحتلال كانت تمسح الحدود، وتطلق الرصاص على كل من تسول له نفسه بالعودة. ثم سمعت قصصاً عما فعله الصهاينة في القرى المهجرة من تلف للمحاصيل وسلب وهدم للبيوت، وتسميم للآبار لقتل كل مقومات الحياة في تلك القرى ومنع أهلها من العودة إليها. ولم تكن «الصفصاف» استثناءً فقد نهب الصهاينة مقتنيات البيوت بعد المجزرة، ثم ألقوا جثث ضحايا المجزرة في بئر القرية.

(وكالة وفا)

وقد صور الروائي اللبناني الراحل إلياس خوري سياسة التطهير العرقي تلك في رواية «باب الشمس»، حيث كانت قوات الاحتلال تلاحق بطل الرواية يونس وزوجته نهيلة. ومنعته من العودة للعيش مع زوجته في قريته بالجليل مما اضطره للعيش في لبنان والتهرب من الاعتقال أو القتل. وقد مارست قوات الاحتلال سياسة تطهير عرقي منظمة في كثير من القرى، إذ كانت تجمّع الرجال في ساحات القرى ليتم بعد ذلك ترحيلهم أو إعدامهم.

وصف أبي مراراً مرارة اللجوء الأولى في القرى الحدودية، ثم في المخيمات. وبقيت أسمعه حتى آخر يوم في عمره. لكن ظلّ السؤال الأثقل الذي لم أستوعب أو أتقبل إجابته هو: «لماذا لم يعد إلى فلسطين؟

في 15 أيار 1948، لم تكن رحلة اللاجئين الفلسطينيين إلى لبنان مجرد لجوء عابر. كانت عملية تهجير قسري محفوفة بالموت. فقد نفذت العصابات الصهيونية أكثر من 20 مجزرة مروعة في القرى والمدن الفلسطينية. أولها وأفظعها كانت مجزرة دير ياسين (9 نيسان 1948)، حيث قُتل أكثر من 100 فلسطيني بينهم نساء وأطفال. قامت عصابات «الأرغون وشتيرن والهاغاناه» الصهيونية – التي شكلت فيما بعد الجيش الإسرائيلي – بقتل الرجال والأطفال وبقر بطون النساء ونهب حليهن. ثم عرضوا جثث الضحايا بطريقة همجية لبث الرعب والذعر بين الفلسطينيين في القرى الأخرى لدفعهم على الهرب. في ما بعد تتابعت المجازر في أكثر من منطقة مثل قرية الطنطورة (22 أيار 1948) وفي مدينتي اللد والرملة (11 و 12 تموز 1948)، وفي قرية الصفصاف (29 تشرين الأول 1948)، وفي قرية صلحة (30 تشرين الأول 1948)، وتطول اللائحة في أكثر من قرية. لم تكن تلك المجازر عشوائية أو نتيجة للحرب، بل كانت جزءاً من الخطة «دالت» التي وضعتها قيادة «الهاغاناه» لتهجير القرى الفلسطينية من المناطق الحدودية والطرق الاستراتيجية التي تصل المستوطنات ببعضها.

واجه الفلاحون الفلسطينيون العصابات الصهيونية ببسالة، لكن بعتاد بدائي وإمكانيات بسيطة، وتطوع كثير من اللبنانيين والعرب لمساندة الفلسطينيين في حماية أرضهم، لكن تفوق العصابات الصهيونية تسلحاً وتنظيماً ودعماً من الدول الغربية، رافقه انسحاب الجيوش العربية ونفاد ذخائر الأسلحة الفردية، كلّها عوامل سرّعت في حسم المعارك لصالح الصهاينة. فدخلت عصاباتهم ونفذت تلك المجازر كأدوات للتطهير العرقي.

(وكالة وفا)

فر الأهالي على الأقدام، حفاة عبر الجبال والأودية، ومنهم من ركب البحر حاملين مفاتيح بيوتهم. بعضهم احتضن الوسائد بدل أطفالهم تحت وطأة الذعر، وبعضهم أرسل عائلته وبقي هناك يقاوم. في النتيجة تمزقت العائلات كما تتناثر أوراق الشجر. ولم يكد يخلو بيت من شهيد أو جريح أو مفقود. واستقبلت السلطات اللبنانية من وصل من اللاجئين الفلسطينيين بحذر. ثم وزعتهم في مناطق لم يكونوا قد سمعوا بها من قبل. في صيدا، وبيروت، والبقاع، والشمال.

تحمّل اللاجئون الفلسطينيون قساوة اللجوء التي ذاقوها من سياسات السلطة، وقلة وشح المساعدات، وجفاء بعض الأهالي وحالات الاستغلال، لكن الأقسى من البؤس والحرمان الذي عاشوه ولا يزالون يعيشونه اليوم في المخيمات هو ما واجهوه وما يزالون يواجهونه من اتهامات مهينة على شاكلة: «تركوا بيوتهم، وما قاوموا». «باعوا أرضهم»، على الرغم من أنّ الوثائق البريطانية والإسرائيلية تؤكد أنّ معظم عمليات بيع الأراضي تمت بين أثرياء لبنانيين وسوريين من خارج فلسطين. إلا أنّ التهمة لاحقت كلّ اللاجئين. ناهيك عن السردية المغرضة التي لا تزال تطلق حتى اليوم «كان بدهم يعملوا وطن في لبنان».

غذت كل هذه الاتهامات التوتر الطائفي والسياسي وزادت النقمة على اللاجئين الفلسطينيين. وظلّ اللاجئ الفلسطيني يُتهم ويُعامل بدونية على المستوى الرسمي والشعبي في كثير من المناطق. ويُنظر إليه كعبء رغم أن كثيراً منهم ساهموا في إعمار ونهضة لبنان الحديث في أكثر من مجال. لم تتوقف التهم والملامة، وظل الفلسطيني يشعر بالغربة كيفما تحرك. فهو غير مرغوب فيه لأنه يثير المخاوف الأمنية، ويخل بالتوازن الطائفي، وينافس اليد العاملة اللبنانية، الخ.. ولذلك يمنع من العمل والتملك والتنقل في بعض الأماكن. وعليه دوماً أن يثبت قبلُ حسن السلوك وأنّه لا يريد التوطين في لبنان.

فر الأهالي على الأقدام، حفاة عبر الجبال والأودية، ومنهم من ركب البحر حاملين مفاتيح بيوتهم. بعضهم احتضن الوسائد بدل أطفالهم تحت وطأة الذعر

اليوم، عام 2026، تتزامن ذكرى النكبة الثامنة والسبعين اليوم مع الحرب المدمرة والوحشية الدائرة على لبنان. وثمة ما يجمع بين الحدثين. بعد أكثر من شهرين على الحرب دخل لبنان في وقف إطلاق النار غير أن الحقيقة الميدانية نقيض ذلك. لا تزال القرى والبلدات الحدودية تقصف من البر والبحر والجو بشكل يومي. كذلك لم تسلم مدينة صور وبلداتها من القصف، وحتى الضاحية الجنوبية لا تزال تتعرض للقصف، وتتلقى بلدات أخرى في أكثر من مكان تحذيرات إسرائيلية للإخلاء.

أدى كل ذلك إلى نزوح جماعي غير مسبوق من هذه المناطق نحو مناطق شمال الليطاني. بحيث تكاد لا تخلو منطقة في لبنان بين صيدا والجبل وبيروت وحتى طرابلس من وفود النازحين. افترش بعضهم الطرق وتوزع الآخرون بين الشقق المستأجرة والمدارس والتجمعات التي تديرها المؤسسات والجمعيات الأهلية بالتنسيق مع البلديات ووزارة الشؤون الاجتماعية.

لا يبدو أنّ النازحين يواجهون شحاً في المساعدات، إلا أنهم لم يسلموا من الاستغلال أو الإهانات والاتهامات. مُنع النازحون من الإقامة في أكثر من منطقة خوفاً من أن يستقروا فيها وتصبح أماكن إقاماتهم مخيمات دائمة كمخيمات اللاجئين الفلسطينيين. من جهة ثانية تكررت الاتهامات للنازحين اللبنانيين كما للاجئين الفلسطينيين لكن بأشكال أخرى وعبر وسائل أكثر حداثة. لم يُتهموا ببيع أرضهم وبيوتهم، أو بالجبن. لكنهم اتهموا بأنهم تسببوا بمشكلتهم.

فدخول المقاومة في حرب لمساندة غزة وإيران هو السبب في تهجرهم ونزوحهم. وفي مشهد يعكس تصاعد القيود، شرعت بعض البلديات في جمع هويات النازحين للكشف عن هوياتهم وعلاقاتهم، بينما أقدم عدد من مالكي الشقق على تحديد سقف لعدد أفراد الأسرة المسموح بإقامتهم. كما لجأ بعضهم إلى الإبلاغ عن الزوار الذين يقصدون أقاربهم في تلك الشقق أو التجمعات.

إنّ ما بين اللاجئين والنازحين بحر من الاختلافات والتقاطعات، ومشاعر متباينة ومختلطة، وتتنوع الوجوه والتكتيكات وردود الفعل المحلية والدولية تجاههم، لكن القاسم المشترك الأكبر بينهم يظل العدو الذي يشردهم ويستهدفهم.

(وكالة وفا)

في العام 1948 صرح ديفيد بن غوريون وقيادة «الهاغاناه» بوضوح ما تضمنته الخطة «دالت»: «ممنوع وجود قرى عربية قريبة من المستوطنات اليهودية أو على الطرق المؤدية إلى الحدود». وبناءً على ذلك تم تطهير قرى الجليل الأعلى بحيث باتت حدود الكيان الإسرائيلي أبعد من حدود التقسيم الذي حُدد في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 181 عام 1947. وفي العام 1967 احتلت إسرائيل سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية والجولان. رغم انخراط إسرائيل في مفاوضات مدريد عام 1991 تحت شعار «الأرض مقابل السلام»، إلا أن مطامعها الاستيطانية لم تتوقف.

فهي لا تزال تحتل الضفة الغربية، وقد ضمت القدس والجولان فعلياً إلى حدودها. وحتى بعد نحو ثلاثة عقود على توقيع اتفاقية أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية، لم تتوقف إسرائيل عن هدم المنازل، ومصادرة الأراضي، وتوسيع المستوطنات، واعتقال النشطاء. في حين تم تأجيل بحث قضايا القدس واللاجئين والحدود والمياه إلى مرحلة لاحقة لم تُحدد بعد.

ما يجري اليوم في جنوب لبنان هو ذات السيناريو القديم، لكن بأشكال مختلفة. فإسرائيل تواصل تدمير القرى الحدودية بشكل ممنهج، لكنها تستخدم لغة مختلفة: «إبعاد حزب الله إلى شمال الليطاني وحماية مستوطنات الجليل، وسحب سلاح الحزب»، ومطالب أخرى. تعتمد إسرائيل استراتيجية تقوم على تغيير الواقع على الأرض وتهيئة الظروف تجعل من الصعب لاحقاً تغيير ما أحدثته، ليصبح المفاوض اللبناني أمام خيارات من قبيل: «هذا أفضل الممكن».

وما تقوم به إسرائيل في جنوب لبنان ليس سراً، فهي تسعى إلى احتلال مزيد من القرى، وتهدم البيوت بهدف إنشاء منطقة عازلة تضمن أمن مستوطناتها. إن ما بين نكبة 1948 والحرب على لبنان عام 2026 هو سياسة استيطانية ثابتة، قوامها التهجير والتطهير العرقي تحت ذريعة الأمن.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

امتحانات «البكالوريا» بثلاث دورات وإلغاء «البريفيه»

أعلنت كرامي إلغاء الشهادة المتوسطة هذا العام، واعتماد العلامات المدرسية إلى جانب امتحان يُجرى داخل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *