لا نتائج «إيرانية» لقمّة ترامب – شي: بكين ثابتة على دعم طهران

من غير المتوقع أن تسفر قمّة ترامب – شي عن نتائج جوهرية في الملف الإيراني، في ظلّ تمسّك بكين بدعم طهران ورفضها ممارسة ضغوط عليها، رغم محاولات واشنطن توظيف اللقاء لمعالجة تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.

تدأب بكين على نفي أيّ معلومات عن تزويدها طهران بقدرات عسكرية

في العادة، يتجنّب قادة الدول مصافحة خصومهم الرئيسين لدى تورّطهم في حروب خارجية مكلفة ومتعثرة. على أن دونالد ترامب، وإلى جانب كونه رجلاً غير محبّ للتقاليد، رفض تحمّل إهانة تأجيل رحلته إلى بكين للمرّة الثانية، على خلفية استمرار الحرب في الشرق الأوسط. ورغم أن المعطيات الأوّلية تشي بتركيز الطرفين على الصفقات التجارية ومسألة تايوان، جنباً إلى جنب زعم ترامب، قبيل الرحلة، أنه «لا يحتاج إلى تدخّل صيني» لإيجاد مخرج من إيران، إلّا أن العديد من المراقبين كانوا أشاروا إلى أن الملفّ الإيراني سيكون «الفيل في الغرفة» – وهو مصطلح يُستخدم، عادةً، للإشارة إلى مشكلة واضحة يعرفها الجميع، إنّما يتجنبون الخوض في تفاصيلها علناً -، في وقت لا تبدو فيه بكين مستعجلة لممارسة ضغوط على طهران، نزولاً عند رغبات واشنطن.

وفي هذا الإطار، تعتبر مجلّة «تايم» الأميركية أن القمّة لن تسفر عن أيّ «نتائج جوهرية»، مشيرةً إلى أن ذلك «قد يكون مفاجئاً في وقت يجد العالم فيه نفسه محاصَراً بمشاكل خطيرة، ليس أقلّها نقص النفط الناجم عن إغلاق مضيق هرمز المحاصر من جانبَين، والذي يهدّد بالركود العالمي، وفقاً لتحذيرات صندوق النقد الدولي». على أن تواضع نتائج الزيارة، في ما يتّصل بالملف الإيراني تحديداً، يرجع جزئياً إلى أنه ورغم أن نصف نفط الصين ونحو ثلث وارداتها من الغاز الطبيعي المسال تمرّ عبر المضيق، ونحو 13% من وارداتها من النفط تأتي من إيران مباشرة، نجحت بكين حتى الآن في التغلّب على الاضطرابات، مستندةً إلى احتياطياتها الهائلة من النفط، واستراتيجية تطوير مصادر الطاقة الأحفورية وغير الأحفورية، جنباً إلى جنب بناء خطوط أنابيب النفط والغاز البرية. وعليه، يشعر الرئيس الصيني، شي جين بينغ، بالرضى عن وضع بلاده، وخاصة عند مقارنتها بحلفاء الولايات المتحدة المحاصَرين؛ وبالتالي، فمن غير المرجح أن «يصبّ طاقته» على محاولة حل الأزمة. وتنقل المجلة عن درو طومسون، المدير السابق للصين وتايوان ومنغوليا في مكتب وزير الدفاع، تشكيكه في إمكانية الحصول على حلول عبر قمّة ترامب – شي، في موقف ينسحب أيضاً على ألين كارلسون، الخبير في الشؤون الصينية في جامعة كورنيل، والذي أكد أن «فرصة ظهور أيّ شيء ذي قيمة من هذه المحادثات لا تزيد عن الصفر».

ووسط انتشار التقارير التي تقدّر أن الولايات المتحدة باتت تبدو، من منظور «الجمهورية الشعبية»، أشبه بـ«عملاق يعرج» على خلفية الحرب على إيران، تؤكد المجلة أنه من غير المرجّح أن يقدّم شي أيّ تنازلات في ملفّ التجارة، مشيرةً إلى أن «تلك المسألة متجذّرة في صلب النظام الصيني»؛ إذ تؤكد «الخطط الخمسية» كافة المقدّسة بالنسبة إلى الصين، بما فيها أحدثها الصادرة في آذار، إصرار «الحزب الشيوعي الصيني» على تحقيق الاكتفاء الذاتي، فيما تشدّد الاستراتيجيات الاقتصادية الحكومية، من مثل «صنع في الصين 2025»، و«معايير الصين 2035» واستراتيجية «التداول المزدوج»، على تقدّم أولوية النمو على مبدأ «المعاملة بالمثل».

لا توجد ضمانات بأن هذا الضغط الاقتصادي على الصين سيترجم إلى ضغط على إيران

ومن جهته، يلفت «معهد واشنطن»، في تقرير، إلى أن القمّة الأميركية – الصينية تأتي بعدما أعلنت الولايات المتحدة أخطر عقوباتها المتعلّقة بإيران حتى الآن، والتي تستهدف واحدة من أكبر المصافي الصينية وأربعين شركة شحن مرتبطة بها، مستدركاً بأنه «لا توجد ضمانات بأن هذا الضغط الاقتصادي على الصين سيترجَم إلى ضغط على إيران». وفي وقت تريد فيه بكين تقديم نفسها كقوة قوية وموثوقة، فإن وقف مشترياتها من النفط من طهران من شأنه أن يمثّل تحولاً كبيراً، قد تعتبره الجمهورية الإسلامية وحكومات أخرى بمثابة رضوخ من جانب الصين لمصالح الأميركية. وطبقاً لأصحاب الرأي المتقدّم، تدرك الصين، على الأرجح، أن إثارة غضب إيران سيكون أكثر تكلفة على المدى الطويل، لا سيما في الوقت الذي تزداد فيه فرضية أن تسيطر الأخيرة على تدفّقات الشحن المستقبلية عبر الخليج الفارسي، وهو مصدر ما يقرب من 50 في المئة من واردات بكين من النفط ووجهة للعديد من صادراتها.

وعليه، من غير المرجّح أن تَنظر الصين إلى الخطوة الأخيرة المتعلّقة بالعقوبات الأميركية على أنها تتعلّق بإيران فقط، لا سيما وأن القيود الجديدة من شأنها أن تؤثّر على إمدادات الطاقة الصينية، وهو ما يجعلها في نظر بكين أقرب إلى محاولة انتهازية من جانب واشنطن لاستكمال الحرب التجارية المتبادلة التي بدأت قبل عشر سنوات. وانعكس ذلك عبر ردّ الصين غير المسبوق على العقوبات الأميركية، والذي تمثّل في إطلاق قواعد تحظر بشكل أساسي على شركاتها الامتثال للعقوبات الأميركية الجديدة. وإذ ترى الصين في المواجهة القانونية والدبلوماسية الحالية اختباراً مهمّاً لها وللدول الأخرى التي تسعى إلى حماية نفسها من الضغوط الاقتصادية الأميركية في المستقبل، فإن ذلك لا ينفي أن صنّاع السياسة الصينيين، يفضّلون، في نهاية المطاف، العودة إلى العلاقات التجارية التي كانت تربط بلادهم بالولايات المتحدة قبل إدارة ترامب الأولى، وينظرون، بالتالي إلى القمّة الأخيرة باعتبارها فرصة لإعادة بناء المصالح الاقتصادية على أرضية مشتركة. ولعلّ هذا هو ما يسعى إليه ترامب نفسه أيضاً، خصوصاً في ظلّ التحدّيات الداخلية التي تسبّبت بها الحرب مع إيران قبيل الانتخابات النصفية المرتقبة.

في المقابل، وطبقاً لتقديرات «معهد واشنطن»، ففي حال استئناف الأعمال العدائية بين طهران وواشنطن، فإن مواجهة الدعم الصيني المزعوم لإيران بشكل أحادي ستكون مهمّة تستهلك موارد هائلة، وتُعرّض القوات الأميركية المخصّصة لفرض حصار على الموانئ الإيرانية والعمليات المحتملة الأخرى لضغوط شديدة. وحتى اللحظة، تدأب بكين على نفي أيّ معلومات عن تزويدها طهران بقدرات عسكرية، وآخرها تلك التي تحدّث عنها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، خلال إحدى مقابلاته، زاعماً أن «الصين قدمّت الدعم والمكونات الفنية المرتبطة بإنتاج الصواريخ الإيرانية»، مضيفاً أن هذا التطور يُنظر إليه بشكل سلبي من جانب إسرائيل. وتعقيباً على ذلك، نفى المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية قوه جياكون، الثلاثاء، هذه المعلومات، لافتاً إلى أن «الصين كرّرت موقفها في مناسبات متعددة، وباعتبارها دولة كبرى مسؤولة، فقد تمسكت دائماً بالتزاماتها الدولية الواجبة، والتزمت بإنهاء الصراعات وتعزيز السلام، والعمل على تهدئة الوضع». وأضاف قوه: «نحن نرفض الاتهامات التي لا أساس لها من الصحة».

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

النزف الجنوبي: العدو يلاحق المدنيين من القرى إلى طرقات النزوح

كان يوم الأربعاء 13 أيار 2026 يوم مجازر جديد في العدوان الإسرائيلي المستمر على لبنان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *