لمن نوجه اللوم؟ لمن احتضن المقاومة أم لمن طردها؟

أسقط العرب فلسطين، واليوم يقومون بمحاربة من قام بنصرتها ويطبعون العلاقات مع الكيان الغاصب الذي أصبح بمثابة «ضرورة استراتيجية» لبقائهم.

فلسطين هي القضية المركزية وأي خلاف عربي إيراني يخدم مصالح إسرائيل فقط

قبل أن نلوم حركات المقاومة على أخطائها، علينا أن نسأل السؤال الأكبر: أين كانت الأنظمة العربية الرسمية كل هذه العقود؟ ولماذا تحولت إيران من «جار» إلى «وصيّ» على حركات المقاومة؟ ولماذا أصبح التطبيع مع إسرائيل «ضرورة استراتيجية» بينما نصرة فلسطين أصبحت «رفاهية خطابية»؟

من حوّل إسرائيل إلى «حليف» وإيران إلى «عدو»؟

المفارقة المدمرة أن بعض الأنظمة العربية تتعامل مع إيران كأنها الخطر الوجودي، بينما تفتح ذراعيها لإسرائيل التي تحتل الأرض العربية وتقتل العرب يومياً.

فلسطين ولبنان كانتا أراض عربية محتلة. وكانت حركات المقاومة فيها بحاجة لداعم إقليمي حين تخلى عن قضية الصراع العربي- الاسرائيلي «الأشقاء» العرب. إيران يومها بدافع الحكمة أو الحمية أو حتى المصلحة السياسية ملأت الفراغ. ليس لأنها «خيّرة مطلقة»، بل لأن النظام العربي الرسمي اختار طواعية أن يكتفي بما قدّمه سابقا وأن يتفرج على النكبة بدلاً من أن يتحمل تبعات النصرة.

لمن نوجه اللوم الحقيقي؟ لمن احتضن المقاومة بعد أن أهملها النظام العربي أم لمن طردها وتركها تتسول النصرة من أي جهة تأتي تحت ذرائع التمييز المذهبي تارة وبين الفرق الاسلامية طوراً آخر؟

«الإسلام الصهيوني»: عندما يبارك الواعظ التطبيع

لم تعد المؤامرة مقتصرة على سياسيين يوقّعون اتفاقات سرية. اليوم، ثمة من يجاهر على الشاشات بأن «إسرائيل دولة حق» وأن «فلسطين ليست قضية عربية». يستخدمون آيات القرآن لتبرير التخلي عن الأقصى، ويبيعون الدين بأبخس الأثمان خدمة لأجندات سياسية ومالية.

فلسطين ولبنان كانتا أراض عربية محتلة وكانت حركات المقاومة فيها بحاجة لداعم إقليمي حين تخلى عن قضية الصراع العربي- الاسرائيلي الأشقاء العرب

هذا ليس إسلاماً. هذا هو الإسلام الصهيوني، وهو أنكى من المسيحية الصهيونية لأنه يضرب المجتمعات من الداخل. يلبس جلباب الدعوة ليصرف الأمة عن قضيتها الأولى، ويزرع السموم المذهبية ليبرر التطبيع تحت عنوان «محور الشر الإيراني».

كامب ديفيد ووادي عربة و17 أيار: دروس لم تُقرأ

نصادف اليوم موجة دفع نحو التطبيع في العالم العربي لم يشهد لها التاريخ مثيلاً. الإمارات والبحرين والسودان والمغرب… وربما آخرون قريباً.

نتساءل بمرارة: هل كان أنور السادات «سابقاً لعصره» حين راهن على إسرائيل بدلاً من فلسطين وفاوض مباشرة ووقع اتفاقية كامب دايفد؟ وهل أحسن الأردنيون حين وقعوا وادي عربة مقابل فتات ماء واعتراف باهت؟ وهل كان الرئيس أمين الجميل حكيماً حين وقّع اتفاق 17 أيار وهو الاتفاق الذي أسقطه الشارع اللبناني العروبي يومها؟

نحن اليوم ندفع ثمن اختيارات خاطئة تراكمت منذ نصف قرن. كل صفقة تطبيع كانت بمثابة خنجر في ظهر المقاومة. وكلما ازداد التطبيع، ازدادت إسرائيل جرأة على القتل والتهجير والضم.

هل نحن بحاجة لحوار عربي إيراني؟

بكل وضوح «نعم». ليس لأننا نتبنى ولاية الفقيه، بل لأن العدو واحد والمصلحة تقتضي ذلك.

ففلسطين هي القضية المركزية، وأي خلاف عربي إيراني يخدم مصالح إسرائيل فقط.

إيران أصبحت لاعباً إقليمياً لا يمكن تجاوزه، والصراع معها مكلف عربياً دون مردود استراتيجي.

حركات المقاومة التي تدعمها إيران لن تتخلى عنها طالما البديل العربي هو التطبيع والخيانة.

هذا ليس إسلاماً هذا هو الإسلام الصهيوني وهو أنكى من المسيحية الصهيونية لأنه يضرب المجتمعات من الداخل

ليس مطلوباً منا أن نتفق مع إيران في كل شيء. المطلوب هو ترميم المشهد، وعزل الخلافات الثانوية، والعودة إلى احتضان القضية الفلسطينية كهدف استراتيجي واحد.

الألم الذي لا يطاق

شاهدنا بالأمس غزة تُسحَق، ونشاهد اليوم لبنان يُدمّر، وسوريا باتت تدور في الفلك التركي والأميركي. في المقابل، الأنظمة العربية لا تزال مصرة على مد يدها إلى القاتل، وتعلن أن «السلام مع إسرائيل هو المستقبل».

أي مستقبل هذا؟ مستقبل تهجير الفلسطينيين؟ مستقبل جدار فصل وسيادة إسرائيلية على القدس؟ مستقبل عربي بلا كرامة ولا قرار سيادي؟

نحن أمام لحظة فارقة في منطقة الشرق الأوسط. إما أن نصحح مسارنا، ونعلنها صراحة: «لا تطبيع مع عدو يمارس الإبادة بحق أهلنا في فلسطين ولبنان». وإما أن نستمر في إذلال أنفسنا، ونضع أيدينا بأيدٍ ملطخة بدماء الأطفال، فقط لكي لا تغضب الإدارة في البيت الأبيض.

فلسطين ليست «قضية إيران» ولا «خطاب المنابر»

فلسطين أرض عربية محتلة، وقضية كل عربي شريف. إيران دخلت الفراغ، والإسلام الصهيوني تلبس ثوب الدين، والأنظمة تهرول نحو التطبيع.

من نلوم أولاً؟ نلوم أنفسنا على صمتنا، ونلوم أنظمتنا على خذلانها، ونلوم من يبيع الدين والوطن خدمة لكرسي أو حصانة أميركية.

نعم نحن بحاجة لحوار عربي إيراني. لا للحب، بل للضرورة. لا للنفوذ، بل لفك الحصار عن المقاومة. لا للمناكفة، بل لأن العدو واحد، والمصير مشترك، والعار واحد إن بقينا متفرجين.

المقاومة التي ننتقد بعض أدائها تبقى خيراً ألف مرة من التطبيع الذي يغسل جرائم الاحتلال باسم «السلام».

لن نطلب من أحد أن يبكي على فلسطين وهو يهرول لوضع يده في يد قاتلها.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

امتحانات «البكالوريا» بثلاث دورات وإلغاء «البريفيه»

أعلنت كرامي إلغاء الشهادة المتوسطة هذا العام، واعتماد العلامات المدرسية إلى جانب امتحان يُجرى داخل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *