السويداء بين الحصار والانفصال استثمار إسرائيلي رابح
موقع ميادين المقاومة
19 ساعة مضت
أخبار هامّة, الرئيسية, النشرة الدولية, منوّعات
تتفاقم أزمة السويداء وسط طرح الانفصال الذي يقوده حكمت الهجري بدعم إسرائيلي. وفي ظلّ غياب حلول داخلية ودولية، وواقع المحافظة الذي يكشف عن جملة من الأزمات الجيوسياسية المعقّدة التي تحيط بها، يبدو العدو الإسرائيلي المستفيد الأكبر، من تعقيدات المشهد.

لا تحظى مساعي الهجري الانفصالية بأيّ تأييد من قوى دولية فاعلة
مرّة جديدة، ظهر المرجع الدرزي، حكمت الهجري، الذي يقود السويداء حالياً، ليؤكد «ثبات موقفه المعلن» حول الانفصال عن سوريا، وإنشاء دولة «جبل باشان»، بدعم من إسرائيل، مطالباً، في الوقت ذاته، بمحاكمة السلطات الانتقالية في دمشق، والتي ارتكبت قواتها مجازر راح ضحيتها أكثر من 1600 مواطن في المحافظة الواقعة جنوبي البلاد، في شهر تموز الفائت، وتفرض مذّاك حصاراً مطبقاً على المدينة، بعد أن اضطرّت للانسحاب، إثر تدخّل إسرائيلي، إلى تخومها. وتأتي التصريحات الجديدة للهجري في وقت يزداد فيه تردّي الأوضاع المعيشية والصحية في السويداء جرّاء الحصار المفروض على المدينة، ما يكشف عن استمرار حال الجمود في ملفّها، برغم محاولة الولايات المتحدة والسلطات الانتقالية فتح عدد من الخطوط، بالتعاون مع الأردن ومع بعض الشخصيات المحلية، للوصول إلى حلّ. وفي المقابل، تواصل إسرائيل استثمار مكاسبها الكبيرة في الجنوب السوري لفرض واقع جغرافي جديد، سواء عبر دعم انفصال السويداء، أو عبر احتلال مناطق واسعة على الشريط الفاصل، ومحاولة تهجير سكان تلك المناطق عبر الاعتقالات والتضييق المستمرّ عليهم.
وفي كلمته، خصّ الهجري إسرائيل «شعباً وحكومة» بالشكر، في محاولة لترسيخ ارتباط مستقبل السويداء بتل أبيب، معتبراً أن «مطالب الدروز غير قابلة للتفاوض»، وأن «مسار تطبيق حق تقرير المصير يمضي بخطوات ثابتة». وتابع أن الوقائع أثبتت «استحالة التعايش مع الجماعات المتسلّطة» في دمشق، والتي وصفها بـ«الإرهابية». ورغم استناد الهجري إلى المجازر التي ارتكبتها السلطات الانتقالية، والحصار الذي تفرضه الأخيرة، لتبرير مشروعه الانفصالي، فإن طرحه يفتح الباب أمام تساؤلات حول مدى إمكانية بناء دولة، أو دويلة، مستقلّة في السويداء، ومدى توافر مقوّمات حقيقية يمكن الاعتماد عليها للوصول إلى ذلك «الاستقلال».
وتكفي نظرة على واقع المحافظة للكشف عن جملة من الأزمات الجيوسياسية المعقّدة التي تحيط بها؛ إذ برغم أن السويداء محافظة حدودية مع الأردن، فهي لا تملك أيّ معبر رسمي، فيما تنظر إليها عمّان باعتبارها إحدى أبرز المناطق الخطرة المرتبطة بتهريب المخدرات، وذلك بسبب استمرار نشاط عصابات التهريب التي تستثمر حال الفوضى الأمنية. أيضاً، ينظر الأردن إلى المحافظة بوصفها خطراً إسرائيلياً لا يمكن تجاهله، الأمر الذي يفسّر مسارعته إلى احتضان مسار سياسي أملاً في حلحلة هذا الملف، وهو ما لم يحدث حتى الآن.
من شأن تحقّق مشروع الانفصال أن يفتح الباب أمام تغول إسرائيلي جديد بذريعة «دعم الأقلية الدرزية»
غير أن تمسّك الهجري بخيار الانفصال، بعد تمكّنه من توحيد معظم الفصائل المحلية ضمن بنية إدارية وعسكرية يغلب عليها الطابع الفصائلي، يمنح إسرائيل ذريعة إضافية للبحث عن طرق برية في اتجاه «حليفها» في السويداء. وفي هذا السياق، تبدو الخيارات الإسرائيلية مفتوحة بين فرض مسار لوجستي عبر الأردن، أو توسيع نطاق سيطرتها انطلاقاً من درعا وصولاً إلى تخوم السويداء، ما يعني فعلياً زيادة الضغوط الإسرائيلية على عمّان، التي لا تملك فعلياً أيّ وسائل دفاع حقيقية لمواجهتها.
أمّا على الصعيد الاقتصادي، فتُعتبر السويداء إحدى أفقر المحافظات السورية، إذ يعتمد معظم سكانها على الزراعة، وهي لا تضمّ أيّ صناعات كبيرة، أو مواقع نفطية يمكن الاعتماد عليها، ما يعني فعلياً أنها ستكون تابعة بشكل مطلق لإسرائيل، التي ينظر إليها الهجري باعتبارها «الركيزة الوحيدة» لبناء دولته المنشودة. إلى جانب ذلك، لا تحظى مساعي الهجري الانفصالية بأيّ تأييد من قوى دولية فاعلة؛ فالولايات المتحدة مستمرة في دعم السلطات الانتقالية، فيما تتمسّك روسيا بموقفها الرافض لأيّ تقسيم لسوريا. وفي «الاتحاد الأوروبي»، لا يختلف المشهد كثيراً؛ إذ تأمل دول الاتحاد أن تستتبَّ الأوضاع في سوريا بشكل فعلي بما يسمح بإعادة اللاجئين، الذين شكلوا إحدى أكبر موجات اللجوء نحو القارة العجوز خلال العقد الماضي.
أمّا داخل السويداء نفسها، فالمشهد يبدو أكثر تعقيداً. إذ يتفق جزء واسع من السكان على وجود تهديد مستمر من جانب السلطات الانتقالية، وعلى ضرورة محاسبة مرتكبي المجازر، لكن الموقف من إسرائيل لا يزال محل انقسام واضح. فالكيان، بالنسبة إلى قطاع واسع من السوريين، يبقى العدو التاريخي؛ ولم تنجح الحملات الإعلامية المستمرّة لتبييض صفحته ومحاولات تقديمه كـ«حامٍ للأقليات»، كما لم تؤدِّ الضغوط التي تمارسها السلطات الانتقالية على سكان السويداء – بما في ذلك حرمان الطلاب من التقدّم إلى الامتحانات الرسمية -، في خلق مزاج عام موحّد يؤيد ربط المحافظة بإسرائيل.
مع ذلك، تظهر إسرائيل بشكل واضح باعتبارها الرابح الوحيد في ظلّ ضيق الخيارات المطروحة، أياً كانت النتائج التي سيؤول إليها هذا الملف. فمن جهة، هي تستمرّ في ترسيخ حضورها وسيطرتها كونها تمثل «الحاجز الوحيد» أمام السلطات الانتقالية وفصائلها، ومن جهة أخرى، تقدّم نفسها «الداعم المنفرد» للانفصال الذي يأمله الهجري. وفي حال تحقّق المشروع الانفصالي، من شأنه أن يفتح الباب على مصراعيه أمام تغول إسرائيلي جديد في المنطقة، بذريعة «دعم الأقلية الدرزية».
مرتبط