إعادة صياغة العقيدة الأمنية للعدوّ: إدارة الصراع مع حزب الله بدل حسمه

تكشف التحوّلات في التفكير العسكري الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر عن انتقال عميق في العقيدة الأمنية تجاه حزب الله، حيث لم تعد الإشكالية المركزية هي كيفية تحقيق الحسم العسكري في ساحة المعركة، بل كيفية منع الحزب من إعادة بناء قدراته وإنتاج التهديد بعد كل مواجهة.

تكشف التحوّلات في التفكير العسكري الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر عن انتقال عميق في العقيدة الأمنية تجاه حزب الله، حيث لم تعد الإشكالية المركزية هي كيفية تحقيق الحسم العسكري في ساحة المعركة، بل كيفية منع الحزب من إعادة بناء قدراته وإنتاج التهديد بعد كل مواجهة. هذا التحوّل يعكس أزمة بنيوية في النماذج العسكرية التقليدية، ويدفع باتجاه البحث عن «حسم جديد» يقوم على منع التعافي بدل إنهاء الخصم.

هناك تعدّد للرؤى داخل النخبة العسكرية والفكر الاستراتيجي الإسرائيلي تجاه شكل المعركة مع الحزب، واللافت أنّ عدداً غير قليل من الخبراء الذين قدّموا مساهمات حول الأمر، اشتركوا في نقطة مركزية: الاعتراف بأن حزب الله لم يعد مجرّد تنظيم عسكري يمكن هزيمته بضربة حاسمة، بل منظومة هجينة قادرة على امتصاص الصدمات وإعادة إنتاج نفسها داخل بيئة اجتماعية وسياسية وعقائدية مُعقّدة. هذا الإدراك دفع نحو التحوّل من منطق «الردع والحسم» إلى منطق «المنع البنيوي» وإدارة الصراع على المدى الطويل.

تطرح بعض المقاربات، مثل رؤية عيران أورتال، رفضاً لتوسيع الاحتلال داخل جنوب لبنان أو استهداف الدولة اللبنانية كوسيلة لنزع سلاح الحزب، مع التركيز على هزيمة القوة العسكرية في الجنوب باعتبارها مفتاحاً لتغيير ميزان القوى. غير أن هذا الطرح يفترض أن الهزيمة العسكرية ستُترجم تلقائياً إلى نتائج سياسية، كما يتجاهل قدرة حزب الله على التعافي وإعادة بناء قوته، ويفتقر إلى تعريف واضح لمفهوم «الهزيمة» وحدودها، خصوصاً في ظل طبيعة الحزب المرنة والهجينة.

في المقابل، يدعو مئير بن شبات إلى استراتيجية استنزاف دائم تقوم على كسر قواعد الاشتباك، وتوسيع بنك الأهداف، ومنع أي فترات تهدئة قد تسمح لحزب الله بإعادة بناء قدراته. ويعتبر أن الهدن أو التسويات السياسية دون ضغط عسكري مستمر تمنح الحزب وقتاً مجانياً للتعافي. غير أن هذه المقاربة تواجه إشكاليتين أساسيتين: الأولى أن الاستنزاف سيكون متبادلاً وقد يطول دون حسم، والثانية غياب تصوّر سياسي لما بعد إضعاف الحزب، ما يجعل الاستراتيجية مفتوحة بلا نهاية واضحة.

ويمتد هذا التوجه في رؤية أخرى لدى بن شبات عبر مفهوم «الحرب الوقائية الدائمة»، والذي يقوم على ضربات استباقية مستمرة، واستنزاف طويل، ومنع الخصم من التقاط الأنفاس. ويترافق ذلك مع مقترحات لإعادة تشكيل البيئة في الجنوب عبر الضغط على السكان وإنشاء مناطق أمنية خالية. إلا أن هذه الرؤية تصطدم بإشكالية غياب تعريف واضح للنصر، وافتراض غير محسوم بأن الضغط المستمر سيمنع التعافي، في حين أن الواقع العملياتي يشير إلى قدرة حزب الله على التكيّف وإعادة الانتشار.

أمّا يوسي منشروف فيطرح نموذج «العملية الهجومية الدائمة»، الذي يقوم على منع الزمن نفسه من أن يتحوّل إلى فرصة لإعادة بناء الحزب، عبر رفض الهدن واستمرار الضغط العسكري بشكل مفتوح زمنياً. كما يتضمّن هذا النموذج استهداف البيئة الحاضنة وبناء بدائل اجتماعية وسياسية، مع الاعتماد على التفوّق التكنولوجي والاستخباري. لكنّ هذا التصور يواجه تحدّياً جوهرياً يتمثل في طبيعته المفتوحة زمنياً، إذ إن توقف العمليات يعني تلقائياً منح الحزب فرصة للتعافي، ما يحوّل الاستراتيجية إلى حالة استنزاف دائمة ذات كلفة بشرية وعملياتية عالية، في مواجهة خصم مرن ومتماسك اجتماعياً.

 

خبراء الاحتلال يرون أن حزب الله لم يعد مجرّد قوة عسكرية، بل بنية اجتماعية وسياسية متجذّرة، والعلاج بالحسم البنوي من خلال ضرب شبكته الكاملة، من التمويل، المؤسسات، الشرعية الشعبية، وصولاً إلى البنية الاجتماعية

 

في المقابل، يقدّم معهد «مسغاف» رؤية أكثر تركيباً تعتبر أن حزب الله لم يعد مجرد قوة عسكرية، بل بنية اجتماعية وسياسية متجذّرة، وبالتالي فإن التعامل معه يتطلّب «حسماً بنيوياً» يستهدف الشبكة الكاملة: التمويل، المؤسسات، الشرعية الشعبية، والبنية الاجتماعية. ويترافق ذلك مع تصوّر لوجود أمني إسرائيلي طويل الأمد في جنوب لبنان. إلا أن هذه المقاربة تصطدم بإشكالية أن تحقيق «حسم بنيوي» يتطلّب أدوات سياسية واقتصادية واجتماعية تتجاوز القوة العسكرية، كما أن الضغط البنيوي الطويل قد يؤدي إلى إعادة إنتاج أسباب الصراع بدلاً من إنهائه.

أمّا مئير فينكل فينطلق من نقد تجربة «الردع المتبادل» قبل عام 2023، معتبراً أنها سمحت لحزب الله بتعزيز قوته، لذلك يدعو إلى منع إعادة البناء عبر شريط أمني في الجنوب، وضربات مستمرة، وعمليات وقائية دائمة. ورغم اعترافه بحدود القوة العسكرية، إلا أنه يظل معتمداً عليها كأداة مركزية، ما يخلق تناقضاً بين الاعتراف بعدم قدرة القوة على الحسم النهائي، واستخدامها كوسيلة لإدارة تهديد دائم. وتبقى الإشكالية الأساسية هي إمكانية إدارة تهديد مستمر دون استنزاف طويل الأمد أو فقدان السيطرة على التصعيد.

بالنسبة إلى أساف أوريون فهو يقدّم مقاربة أكثر حذراً، تجمع بين العمل العسكري والترتيبات السياسية والأمنية، عبر إنشاء «حدود أمنية» داخل جنوب لبنان، تشمل مناطق عازلة وسيطرة عملياتية حتى الليطاني. غير أن هذه المقاربة تواجه إشكالية أن التحوّل إلى وجود أمني دائم قد يؤدي إلى احتكاك مستمر ويعيد إنتاج بيئة مقاومة جديدة، كما أنها لا تضمن إنهاء التهديد الصاروخي أو تحقيق استقرار طويل الأمد.

وعلى مستوى الاتجاه العام، يتّضح أن الفكر العسكري الإسرائيلي انتقل من منطق الردع إلى منطق «منع إعادة تشكّل التهديد»، وهو تحوّل يعكس إدراكاً بأن المعركة مع حزب الله لم تعد مواجهة عسكرية محدودة، بل أصبحت صراعاً ممتداً على الزمن والبيئة والشرعية. وقد أدّى ذلك إلى بروز عقيدة جديدة تقوم على الضغط المستمر، والاستنزاف الطويل، والضربات الاستباقية، وإنشاء مناطق أمنية، إلى جانب التعامل مع البيئة المدنية كجزء من بنية التهديد وليس مجرّد محيط له.

كما تراجعت الثقة بالحلول السياسية والوساطة الدولية والجيش اللبناني، مقابل تصاعد الربط بين الساحة اللبنانية وإيران، باعتبار حزب الله جزءاً من منظومة إقليمية أوسع. في هذا الإطار، لم يعد الهدف مجرد إضعاف القدرات العسكرية، بل تفكيك «نموذج حزب الله» كقوة هجينة قادرة على الصمود والتعافي، وتحويله إلى قوة مُستنزفة غير قادرة على إعادة إنتاج التهديد.

تدفع صدمة تعافي حزب الله بعد حربي 2024 و2026 هذا التحوّل بشكل أعمق، إذ أثبتت التجربة أن الضربات العسكرية المُكثّفة، حتى مع اغتيال قيادات وتدمير واسع، لم تمنع إعادة البناء. وهذا ما رسّخ قناعة بأن المشكلة ليست في الضربة نفسها، بل في قدرة البنية على التعافي، ما قاد إلى التركيز على استهداف «البنية المُنتِجة للقوة» بدل القوة ذاتها.

في المقابل، تكشف الإخفاقات الميدانية عن قيود متعدّدة، منها القيود السياسية الدولية، وضعف القدرة على مواجهة تكتيكات الحرب الهجينة، ومحدودية التفوّق الجوي، وغياب استراتيجية شاملة متكاملة. كما يظهر أن الاستنزاف ليس أُحادياً، بل متبادل، وأن أي ضغط طويل الأمد يحمل كلفة عالية على الطرفين.

وتتمثّل الثغرات المركزية في هذا التصوّر في غياب تعريف واضح للنصر، وغياب نقطة نهاية استراتيجية، وتحوّل الاستراتيجيات إلى دائرة مُغلقة من الفعل وردّ الفعل، حيث يؤدّي فشل الحسم إلى مزيد من التصعيد. كما أن الافتراض بأن الضغط على البيئة الاجتماعية سيؤدّي إلى تفكيك الدعم الشعبي يتجاهل الطبيعة العقائدية والهوياتية لهذا الدعم.

إضافة إلى ذلك، هناك تناقض بين أهداف طموحة مثل منع إعادة البناء والسيطرة الأمنية الدائمة، والقدرات الواقعية والكلفة العالية لهذا النمط من الحرب. كما تغيب عن هذه الرؤى استراتيجية خروج واضحة أو تصوّر لما بعد إضعاف حزب الله، سواء على مستوى الدولة اللبنانية أو شكل التوازن الإقليمي.

ختاماً، يمكن القول إن الفكر العسكري الإسرائيلي تجاه حزب الله انتقل من منطق الحسم إلى منطق إدارة تهديد دائم، لكنه لم ينجح حتى الآن في حل الإشكال الأساسي: كيف يمكن تحويل التفوّق العسكري إلى نتيجة سياسية نهائية قابلة للاستدامة، دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة بلا نهاية واضحة أو استنزاف متبادل طويل الأمد؟

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

ثلاثة مسارات لنسف الاتفاق: حرب إسرائيلية صامتة في غزة

تُظهر المعطيات أن الاحتلال الإسرائيلي يمضي في حرب منخفضة الوتيرة في غزة، تُفرغ اتفاق وقف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *