وفد العدو إلى واشنطن: جهاز فرض لا وفد تفاوض

تكشف بنية الوفد الإسرائيلي إلى مفاوضات واشنطن مع السلطة اللبنانية عن تكاملٍ مؤسّسي صارم، لا يترك هامشاً لمناورة فردية أو تباين في الأدوار.

تكشف بنية الوفد الإسرائيلي إلى مفاوضات واشنطن مع السلطة اللبنانية عن تكاملٍ مؤسّسي صارم، لا يترك هامشاً لمناورة فردية أو تباين في الأدوار. يضع يحيئيل ليتر السقف العقائدي والسياسي للمفاوضات، رافضاً الاعتراف بأي رواية خارج رواية الكيان؛ ويترجم أميخاي ليفين هذا السقف إلى معادلة استباحة جوية دائمة؛ فيما يتولى يوسف درازنين حراسة الإطار السياسي عبر فلتر «مكافحة الإرهاب» وربط أي مسار بشرط التعاون الإقليمي؛ ثم يأتي أريك بن دوف ليقفل الحلقة، موصلاً مخرجات التفاوض مباشرة بالآلة اللوجستية للبنتاغون. ليس بينهم من يكتب جملة مستقلة، بل إن كلاً منهم يضيف فقرة إلى وثيقة واحدة متماسكة.

والمقصود هنا ليس مجرد تنسيق تفاوضي بين أعضاء وفد، بل إطار لغوي وسياسي وأمني كامل يحاول ليتر فرضه على طاولة التفاوض قبل الدخول في أي تفصيل تقني. هذا الإطار يبدأ أولاً من نزع شرعية الخصم؛ إذ لا يتعامل مع حزب الله كطرف سياسي لبناني، بل كامتداد لعقيدة عدائية يجب تفكيكها وإزالتها. ثم ينتقل إلى إعادة تأطير النزاع نفسه: فلا يكون عنوان التفاوض «الانسحاب من أراضٍ لبنانية محتلة»، بل «أمن الحدود»، و«تحرير لبنان من الهيمنة»، و«مكافحة الإرهاب». أي إن المعركة الأساسية بالنسبة إليه ليست فقط على النتائج، بل على تعريف المشكلة ومفردات النقاش وحدوده السياسية.

أمّا الأخطر، فهو خلطه المتعمّد بين الأمن والاعتراف. فبالنسبة إلى ليتر، لا يُقرأ أي انسحاب أو ترتيب ميداني بوصفه إجراءً تقنياً أو أمنياً فحسب، بل باعتباره اعترافاً لبنانياً ضمنياً بشرعية رواية الكيان ومقاربتِه للصراع. ومن هنا، فإن «الجملة الأيديولوجية» التي يصوغها ليتر ليست مجرّد خطاب سياسي مرافق للتفاوض، بل الأطروحة الكاملة التي تسبق الخرائط وتحدّد معناها مُسبقاً. هو يفرض المفردات والمفاهيم والسقف الذي يجب أن تُقرأ داخله أي تفاهمات لاحقة.

وفي هذا السياق، يصبح دور بقية أعضاء الوفد ترجمة هذه «الجملة» إلى آليات تنفيذية متعدّدة المستويات: أميخاي ليفين يكتبها على شكل خرائط عسكرية وترتيبات ميدانية؛ يوسف درازنين يصوغها كشروط سياسية تحت عنوان «مكافحة الإرهاب» والتعاون الإقليمي؛ وأريك بن دوف يحوّلها إلى التزامات لوجستية مرتبطة بالبنتاغون والبنية الأمنية الأميركية في المنطقة. وهنا يظهر الرابط العضوي بين ليتر بوصفه صاحب الأطروحة، وبنية الوفد باعتبارها الجهاز التنفيذي لترجمتها.

ولا تكمن خطورة هذا الطاقم في تماسكه فحسب، بل في كونه لا يتحرّك بعقلية البحث عن تسويات أو حلول وسط. نحن أمام جهاز تفاوضي هدفه انتزاع وثيقة تُكرِّس التفوّق العملياتي والاستخباري للكيان تحت عنوان «ترتيبات تقنية»، وتربط أي تفاهم بشبكة من الالتزامات الأميركية.

يحيئيل ليتر: مفاوض عقائدي لا يؤمن بمنطق التسوية

سفير الكيان في واشنطن يحيئيل ليتر، ليس موظّفاً دبلوماسياً يمكن اختصار شخصيته بمنصبه الرسمي أو لغته البروتوكولية. فخلف صورة السفير الهادئ يقف مُنظِّر أيديولوجي يرى التفاوض امتحاناً للهوية والسيادة والحق التاريخي، لا مجرّد إدارة تقنية للنزاعات.

في كتابه Crisis in Israel: A Peace Plan to Resist الصادر عام 1994، وفي غيره، تتضح البنية الفكرية للرجل: عقلٌ مُشبع بعقيدة قومية – دينية. وهو لا يكتب من موقع الباحث المحايد أو الدبلوماسي البراغماتي، بل من داخل عالم المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية وغزة. يعرّف نفسه سياسياً وفكرياً من خلال «يشع»؛ أي يهودا والسامرة وغزة، ويظهر في كتابه بصفته المدير التنفيذي للمكتب الخارجي لـ«مجلس يشع» ورئيساً سابقاً للجالية اليهودية المتجدّدة في الخليل.

هذه التفاصيل مفتاح لفهم شخصيته التفاوضية. فمقدّمة الكتاب تعلن بوضوح أن هدفه هو «تعليم» يهود العالم وغيرهم «حقيقة حقوق إسرائيل في يشع» والتحذير من مخاطر التخلّي عنها. هنا يظهر ليتر بوصفه ابناً كاملاً للعقيدة الاستيطانية التي لا ترى الضفة الغربية وغزة والجولان والقدس أراضيَ قابلة للتفاوض، بل أجزاءً عضوية من «أرض إسرائيل» وفق الرواية التوراتية – القومية.

من هذه الزاوية تتشكّل عقيدته السياسية الأولى: الأرض ليست ملفاً أمنياً فحسب، بل هي هوية وحقّ ديني – تاريخي. لذلك هاجم حكومة إسحق رابين لأنها، برأيه، قبلت ضمنياً الرواية التي تصف «يشع» بأنها أرض عربية تحتلها إسرائيل، بينما يعتبرها «قلب إسرائيل» الحاضر في الحلم الصهيوني والصلوات اليهودية منذ الأزمنة التوراتية.

هذه الفكرة وحدها تكشف الكثير عن طريقته في التفاوض. فالرجل لا يتعامل مع الأرض باعتبارها مساحة يمكن مقايضتها ضمن تسوية سياسية، بل باعتبارها مصدراً للشرعية الوجودية. ولهذا فإن أيّ مطلب لبناني أو عربي يقوم فقط على مبدأ الانسحاب سيصطدم، في ذهنه، بسؤال أعمق: هل يعني الانسحاب اعترافاً بأن الوجود الإسرائيلي كان غير شرعي أصلاً؟ بالنسبة إلى ليتر، هذا هو جوهر المعركة، وهو يرفض هذا الإطار من أساسه.

العقيدة الثانية لدى ليتر تقوم على أن الخصم المسلّح لا يمكن قراءته كشريك سياسي طبيعي، بل كامتداد لعقيدة عدائية يجب احتواؤها أو تفكيكها. ففي نقده لاتفاق أوسلو، لا يتعامل مع منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها حركة وطنية انتقلت إلى الواقعية السياسية، بل يصف التفاوض معها بأنه خطأ أخلاقي وسياسي، لأن الاعتراف بالمنظمة رسالة مفادها أن «الإرهاب يؤتي ثماره».

هذه النظرة أساسية لفهم مقاربته للملف اللبناني. ففي منطقه السياسي، لا تبدو القضية مجرد نزاع حدودي، بل ترتبط بحزب الله بوصفه قوة مسلّحة خارج الدولة. لذلك يُرجّح أن يحاول دفع أي تفاوض نحو نقطة مركزية واحدة: لا سلام من دون احتكار الدولة اللبنانية للسلاح، ولا انسحاب أو ترتيبات حدودية نهائية من دون ضمانات أمنية عميقة ومباشرة. ومن هنا يصبح مطلب نزع سلاح الحزب، في الرؤية الإسرائيلية، ليس تفصيلاً تفاوضياً بل جوهر العملية السياسية كلها.

تنبع عقيدته التفاوضية من إيمانه بأن أي تسوية تُضعِف الردع ليست تسوية بل بداية خسارة استراتيجية

أمّا عقيدته الثالثة، فتنبع من إيمانه بأن أي تسوية تُضعِف الردع ليست تسوية، بل بداية خسارة استراتيجية. في قراءته لأوسلو، يرفض ليتر الفكرة التقليدية التي تفترض أن الاتفاقات المرحلية تقود تلقائياً إلى السلام. منطقه معاكس تماماً: التنازل المرحلي قد يتحوّل إلى منصة لضغط أكبر أو لعنف لاحق. ولهذا يقرأ الاتفاقات من زاوية نتائجها الميدانية لا من زاوية نصوصها الدبلوماسية فقط؛ يسأل عمّا قد ينتجه الانسحاب من فراغ أمني، أو خسارة استخبارية، أو تهديد للمستوطنات والمياه، أو تراجع في القدرة على إحباط العمليات المسلّحة.

وفي أحد مقاطع كتابه، يربط تقليص وجود جيش الاحتلال مباشرة بتراجع القدرة الاستخبارية، معتبراً أن جزءاً أساسياً من منع الهجمات يعتمد على السيطرة الميدانية وتدفّق المعلومات. وهذه الذهنية يمكن إسقاطها بسهولة على مقاربته للبنان اليوم. فبالنسبة إليه، الترتيبات الأمنية تتقدّم على اللغة السياسية نفسها. قد يقبل نصوصاً دبلوماسية عن السلام، لكنه سيسعى دائماً إلى طلب خرائط تفصيلية، وآليات رقابة، ومناطق عازلة، وضمانات أميركية، وربما حتى الاحتفاظ بحق التدخّل العسكري عند أي إخلال بالتفاهمات.

كتاب ليتر عن جون لوك والكتاب العبري يضيف طبقة أعمق إلى شخصيته الفكرية والسياسية. فهو لا يقرأ الليبرالية الحديثة بوصفها قطيعة مع الدين أو خروجاً من المرجعية التوراتية، بل امتداداً معاصراً لها بلغة سياسية وفلسفية جديدة. أطروحته الأساسية أن لوك لم يؤسّس مفاهيم الحرية والمساواة والملكية والحكومة التعاقدية من فراغ عقلاني محض، بل استند، بصورة مباشرة أو ضمنية، إلى الخلفية الأخلاقية والسياسية للكتاب العبري.

بالنسبة إلى ليتر، حضور النص التوراتي في «رسالتين في الحكم» ليس مجرّد استشهاد ثقافي أو زينة فكرية، بل قاعدة مفهومية تقوم عليها الفلسفة السياسية الحديثة نفسها. وفي دراسته عن مفهوم الصدقة عند لوك، يذهب إلى أن الملكية الفردية ليست حقاً مطلقاً، لأن الله يبقى المالك النهائي للعالم، وأن حق الإنسان في الحياة يفرض قيوداً أخلاقية على فائض ملكية الآخرين. هنا تظهر ملامح ليتر كمفكّر محافظ من نوع خاص؛ فهو ليس ليبرالياً علمانياً، ولا قومياً أمنياً فقط، بل صاحب تصوّر يرى السياسة امتداداً للأخلاق التوراتية، حيث الحرية والملكية والسيادة لا تنفصل عن التكليف الديني والتاريخي.

كيف ينعكس ذلك على أسلوبه التفاوضي؟

أولًا، هو مفاوض تأطيري. قبل الدخول في التفاصيل التقنية، سيحاول فرض الإطار اللغوي والسياسي للنقاش. لن يقبل بسهولة أن يكون عنوان المفاوضات «انسحاب إسرائيل من أراضٍ لبنانية»، بل سيعيد صياغته إلى مفردات من نوع «أمن الحدود»، و«سيادة الدولة اللبنانية»، و«تحرير لبنان من هيمنة حزب الله»، و«منع الإرهاب»، و«السلام بين شعبين». وقد ظهر هذا المنحى بوضوح في تصريحاته عشية محادثات واشنطن الأخيرة ، حين تحدّث عن أن الكيان الإسرائيلي ولبنان «متحدان لتحرير لبنان من حزب الله»، بالتوازي مع رفضه أي دور فرنسي في الوساطة، انعكاساً لأسلوب محدّد: حصر الوساطة بالراعي الأميركي، إقصاء الوسطاء غير المرغوب فيهم، وتحويل لبنان من خصم تفاوضي إلى طرف ينبغي «إنقاذه» من قوة داخلية.

ثانياً، هو مفاوض لا يثق بالضمانات اللفظية. من يقرأ نقده لاتفاق أوسلو يلاحظ هاجساً دائماً من الخداع والمرحلية والاتفاقات التي تخفي نوايا لاحقة. لذلك لن يكتفي بتعهّدات عامة حول احترام القرارات الدولية أو ضبط الحدود، وسيناقش دائماً في البنية التنفيذية الفعلية: من ينتشر ميدانياً؟ من يراقب؟ من يملك صلاحية الرد؟ ماذا يحدث عند أي خرق؟ ما دور الجيش اللبناني؟ وما حدود دور الأميركيين وقوات الأمم المتحدة؟ وما الثمن العملي لأي إخلال؟

ثالثًا، هو مفاوض يخلط بين الأمن والشرعية. فبينما يمكن لمفاوض براغماتي أن يقول: أعطني أمناً وخذ اعترافاً أو انسحاباً، يبدو ليتر أقرب إلى نمط يرى أن الأمن الحقيقي يبدأ من الاعتراف بشرعية رواية الكيان نفسه. لذلك لا يكتفي بالحصول على ترتيبات ميدانية، بل يسعى أيضاً إلى تغيير اللغة السياسية للطرف المقابل: كيف يتحدّث عن الكيان، وعن المقاومة، وعن الحدود، وعن مفهوم السيادة، وكأنه لا يريد اتفاقاً فقط، بل تحوّلاً في الوعي السياسي للخصم.

رابعاً، هو مفاوض تعبوي. كتابه عن أوسلو لا يقتصر على التحليل النظري، بل يدعو إلى مقاومة الاتفاق سياسياً، عبر الضغط الشعبي والعمل داخل أوساط يهود الشتات وحتى العصيان المدني غير العنيف. خاتمة الكتاب تدعو الإسرائيليين ويهود الخارج إلى «أخذ المستقبل بأيديهم» والعودة إلى «القيم اليهودية» ورفض «القرارات غير الشرعية». بالنسبة إليه، التفاوض جزء من معركة تعبئة سياسية وأخلاقية أوسع، لا مجرد نقاش تقني مُغلق بين دبلوماسيين.

خامساً، هو يميني لكنه ليس فوضوياً. في نصوصه ميل واضح إلى رفض التنازل، والتشكيك بالخصوم، وتقديس الارتباط بالأرض، لكنه في الوقت نفسه يمنح أهمية كبيرة لفكرة الشرعية القانونية والديمقراطية. حتى هجومه على أوسلو لم يبدأ من الاعتبارات الأمنية وحدها، بل من اعتبار الاتفاق عملية غير ديمقراطية أُنجزت عبر محادثات سرية ومن دون نقاش عام كافٍ داخل المجتمع الإسرائيلي. ولهذا يحاول دائماً تقديم موقف الكيان الإسرائيلي لا كقوة عارية فحسب، بل كقوة تمتلك حجة قانونية وأخلاقية وتاريخية.

في الحالة اللبنانية، يصبح هذا النمط خطيراً ومهماً في آن. خطورته أنه يدفع نحو تصلّب شديد: لا انسحاب بلا أمن، ولا أمن بلا نزع سلاح، ولا نزع سلاح بلا تغيير داخلي لبناني، ولا ثقة بأي صيغة لا تمنح الكيان الإسرائيلي حق التحقّق والرد. لكنه مهم أيضاً لأنه قابل للقراءة؛ فهو ليس مفاوض «صفقات» سريعة، بل مفاوض عقيدة. يعرف ما يريد، ويملك لغة تاريخية وأخلاقية لتبرير مطالبه. غير أن نقطة ضعفه قد تكمن في ميله إلى قراءة الخصم عبر قوالب ثابتة: «إرهاب»، «خداع»، «مرحلية»، «تهديد وجودي»، بما قد يحدّ من قدرته على فهم تعقيدات لبنان الداخلية، أو رؤية مصالح الدولة اللبنانية المستقلة عن كلٍّ من حزب الله والكيان الإسرائيلي.

يحيئيل ليتر ليس دبلوماسياً تقليدياً يبحث عن منطقة وسط بين روايتين متناقضتين. بل يحمل، في خلفيته الفكرية، ثلاثة نصوص مؤسّسة تتحكّم بمنطقه السياسي أكثر مما تتحكم به حسابات اللحظة: أوسلو درساً في انعدام الثقة، والكتاب العبري بوصفه مصدر الشرعية التاريخية والأخلاقية، وقراءة جون لوك بوصفه دليلاً على أن مفاهيم الليبرالية الحديثة نفسها يمكن أن تُفهم كامتداد لجذر توراتي.

على طاولة التفاوض مع لبنان، سيظهر هذا كله في أسلوب واحد: تفاوضٌ يُقدَّم بلغة دبلوماسية ناعمة في الظاهر، لكنه ينطلق من عقيدة ترى أن التسوية لا تبدأ بالتنازل المتبادل، بل بتثبيت ميزان القوة أولاً، ثم فرض تعريف محدّد للأمن، ثم انتزاع اعتراف ضمني بأن رواية الكيان ليست موضوع محاكمة، بل نقطة انطلاق مُفترضة لأي تفاوض. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية على لبنان. فالإشكال ليس فقط في خرائط الانسحاب أو ترتيبات الحدود، بل في «خريطة الاعتراف» التي ترافق أي صيغة سياسية.

مايك هاكابي «وسيط» صهيوني

شارك السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي في قيادة الوساطة الأميركية في الجولة الثالثة من مفاوضات واشنطن بين السلطة اللبنانية والكيان الإسرائيلي، من موقع تأثير مباشر في صياغة مسار التفاوض ومخرجاته، بما ينسجم مع خلفيته الفكرية والسياسية.

لم يكن تعيين هاكابي سفيراً للولايات المتحدة في تل أبيب، في نيسان 2025، خطوة دبلوماسية تقليدية، بل إعلاناً فجّاً عن اندماج الراديكالية الإنجيلية الأميركية مع العقيدة التوسعية لليمين الصهيوني. هاكابي (المولود عام 1955)، حاكم أركنساس السابق والواعظ المعمداني، لا يتحرك بوصفه ممثلاً للمصالح الاستراتيجية الباردة لواشنطن، بل مدفوعاً بـ«صهيونية مسيحية» ترى في الاحتلال واجباً نبوئياً، وفي الجغرافيا السياسية امتداداً لنص ديني غير قابل للتأويل.

وهو يتبنّى بصورة شبه كاملة الرواية الصهيونية الأكثر تطرفاً؛ إذ أعلن في حزيران 2025 إنكاره الصريح لوجود «شعب فلسطيني» بالمعنى القومي، ودعا إلى إلغاء «حل الدولتين» من قاموس الخارجية الأميركية، مقترحاً إقامة كيان فلسطيني في «دولة مسلمة أخرى» بدل الضفة الغربية التي يصر على تسميتها التوراتية «يهودا والسامرة». وفي شباط 2026، صرّح بأن استيلاء إسرائيل على «كل الأرض» سيكون «أمراً جيداً».

قبل دخوله السياسة، وظّف هاكابي خلفيته كقسّ معمداني في قيادة حملات دعم للمشاريع الاستيطانية في الضفة المحتلة، مستنداً إلى قراءة حرفية للنصوص التوراتية التي يعتبرها مرجعية سياسية وروحية، ويربطها بنبوءات «أرض إسرائيل الكاملة».

النتيجة التي خرجت بها رعايته للجولة التفاوضية الأخيرة مع السلطة اللبنانية كانت تمديد وقف إطلاق النار 45 يوماً، مع ربط أي انسحاب إسرائيلي بشرط «تفكيك حزب الله»، أي تبنٍّ كامل للشرط الإسرائيلي المسبق.

هنا تتضح الكارثة الكاملة: من يرى الاحتلال «فضيلة» و«الضم الكامل» أمراً جيداً، لن يضغط لإطلاق الأسرى اللبنانيين، ولا لضمان عودة النازحين، ولا لتأمين حقوق لبنان في مياهه وتعويضاته.

إذا كان يحيئيل ليتر هو الذي يصوغ الجملة الأيديولوجية التي يريد الكيان فرضها على لبنان في واشنطن، فإن من يجلسون خلفه ليسوا «مكمّلين دبلوماسيين» بأي معنى. هم ثلاث وظائف مؤسّسية محدّدة داخل تلك الجملة: من يرسم معالمها ميدانياً، ومن يضبط نحوها السياسي، ومن يربط مخرجاتها بقناة البنتاغون. وقراءة هؤلاء الثلاثة لا تستقيم إلا في ضوء مسارات كلّ منهم العملياتية والبيروقراطية، لأن تلك المسارات هي التي تفسّر لماذا اختيروا لهذه المهمة

أميخاي ليفين: من قيادة الهجمات الجوية إلى الطاولة

العميد أميخاي ليفين لا يأتي إلى واشنطن كمخطّط استراتيجي نظري، بل كضابط عمليات قادم مباشرة من قلب الذراع الجوية الضاربة للكيان. تولّى رئاسة قسم الهجوم في قيادة سلاح الجو، أي المسؤول المباشر عن التخطيط العملياتي على الجبهة الشمالية. وشغل حتى وقت قريب قيادة قاعدة «حتسريم» الجوية، التي انطلقت منها مقاتلات F-15I لتنفيذ أكبر الضربات الإسرائيلية، بما فيها اغتيال الشهيد السيد حسن نصرالله. وقد لخّص بنفسه دوره بعد اغتيال نصرالله حين قال: «كنت مشاركاً في معظم التخطيط».

تعيينه، أواخر كانون الأول 2025، رئيساً للواء الاستراتيجية في مديرية التخطيط، ثم حصوله على إذن خاص من وزير الحرب يسرائيل كاتس للمشاركة في مفاوضات واشنطن، يكشفان أن حضوره ليس تمثيلاً تقنياً للجيش، بل هو قرار سياسي بإدخال العقل العملياتي إلى داخل غرفة التفاوض. الرجل الذي أشرف على القصف الجوي لبنك الأهداف، يجلس اليوم لمحاولة تحويل نتائجه إلى مكاسب على طاولة التفاوض.

ليفين يحمل عقيدة مختلفة عن مفهوم «المنطقة العازلة» التقليدي. بالنسبة إليه، المطلوب ليس إبعاد الخصم إلى ما وراء خط جغرافي، بل إبقاؤه مرئياً دائماً وقابلاً للاستهداف. لذلك تتمحور مقاربته حول آليات التحقّق، والرقابة الجوية المستمرة، ومنظومات الرصد، وانتزاع «حق الرد الوقائي»، وأي «حق رد». بهذا المعنى، لا يضع ليفين صيغاً لوقف إطلاق النار؛ بل يصوغ شروط شرعنة إعادة فتح النار متى شاء الكيان الإسرائيلي.

يوسي درازنين: عين نتنياهو و«الحارس الأيديولوجي»

يمثّل يوسف درازنين الثقل البيروقراطي والسياسي الأعمق داخل الوفد. يحمل دكتوراه من جامعة ميريلاند حول العلاقة بين وسائل الإعلام والإرهاب ودور الإعلام في زمن الحرب والنزاعات. وهو تخصّص ليس أكاديمياً محضاً، بل ينعكس مباشرة على مقاربته لأي تفاوض مع طرف عربي مسلّح. الصراع، بالنسبة إليه، يُقرأ ضمن إطار «مكافحة الإرهاب»، مع كل ما يستتبعه من سرديات أمنية وتصنيفات قسرية، لا ضمن نزاع سيادي بين دولتين.

أمضى درازنين عقداً كاملاً داخل غرف التنسيق الدفاعي والاستخباري بين الكيان وواشنطن: عمل مساعداً للملحق الاستخباري في السفارة الإسرائيلية في واشنطن بين عامي 1984 و1989، ثم وزيراً مفوّضاً بين عامي 1999 و2004 ومسؤولاً عن ملفات التعاون الدفاعي والأمن الداخلي. يعرف رجال البنتاغون ومجلس الأمن القومي الأميركي وممراتهم وعقدهم أكثر مما يعرفهم كثيرون داخل الكيان الإسرائيلي نفسه.

ثم انتقل إلى الإدارة العامة لوزارة «التعاون الإقليمي»، حيث تولّى إدارة الملفات الاقتصادية والدبلوماسية مع الأردن ومصر والسلطة الفلسطينية ودول الخليج. وهذا الجانب تحديداً من سيرته يفسّر طبيعة «السلّة» التي يُراد التلويح بها للبنان: سلّة تعاون إقليمي تُصاغ بنودها بعناية، وتُربط بشروط ومسارات أمنية مُلزِمة.

بصفته نائباً لمستشار الأمن القومي، يمثّل درازنين عين مكتب رئيس وزراء الكيان داخل الغرفة. وهو لا يعمل كمحرّر نصوص، بل كـ«فلتر سياسي» تمر عبره كل صياغة قبل وصولها إلى مكتب بنيامين نتنياهو. مهمته منع أي مبادرة فردية من ليتر أو ليفين تخرج عن السقف السياسي المرسوم، وربط أي ترتيبات أمنية بمسار إقليمي أوسع، وضمان ألّا يمر أي بند تقني يبدو مقبولاً للعسكر، لكنه يربك الائتلاف الحاكم. بهذا المعنى، هو الحارس الأيديولوجي للوفد.

أريك بن دوف: مهندس تحويل التفاهمات إلى التزامات أميركية

مهمة العميد أريك بن دوف تحويل ما يُطرح على الطاولة إلى التزامات عسكرية أميركية قابلة للتنفيذ.

يشغل بن دوف منصب الملحق العسكري الإسرائيلي بالإنابة في واشنطن منذ كانون الأول 2025، بعدما فشلت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في التوافق على اسم يخلف اللواء هدي زيلبرمان. وبينما كان رئيس الأركان إيال زامير يدفع باسم ضابط، ويفضّل كاتس اسماً آخر، تولّى بن دوف، الآتي أصلاً من سلاح الجو ويشغل منصب الملحق الجوي، ملء الفراغ.

يمتلك بن دوف، بحكم موقعه، شبكة اتصال يومية مباشرة مع البنتاغون ووكالات الأمن الأميركية، ودوره في الوفد تنفيذي بحت: ربط ما يطرحه ليفين ودرازنين بآليات التنسيق العسكري الأميركية، وصوغ الآليات التي تجعل الولايات المتحدة الجهة الضامنة والمموّلة والمراقبة لمنظومات الرصد على الحدود. هو من يحوّل البند المكتوب إلى التزام لوجستي محدّد في وزارة الدفاع الأميركية، فيصبح ما يُتّفق عليه في واشنطن جزءاً من البنية المعيارية للعلاقة العسكرية الأميركية – الإسرائيلية، لا مجرّد نصّ ثنائي مع لبنان.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

ثلاثة مسارات لنسف الاتفاق: حرب إسرائيلية صامتة في غزة

تُظهر المعطيات أن الاحتلال الإسرائيلي يمضي في حرب منخفضة الوتيرة في غزة، تُفرغ اتفاق وقف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *