بكين تخيّب ترامب: لا تخلي عن طهران

أظهرت زيارة دونالد ترامب إلى بكين حدود القدرة الأميركية على فرض شروطها، فيما كرّست الشراكة الصينية – الإيرانية كأحد أبرز تحديات الهيمنة الأميركية والتحولات الدولية.

زيارة ترامب إلى بكين لحظة فارقة في مسار انكشاف التراجع الأميركي دولياً

شكّلت زيارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى بكين، لحظة فارقة في مسار انكشاف حجم التراجع الأميركي على الساحة الدولية. فبينما حاول ترامب تحميل سلفه جو بايدن مسؤولية ذلك التراجع، بدا واضحاً، بحسب مراقبين، أن الإشارات التي حملتها الزيارة لا ترتبط بإدارة بعaينها، بقدر ما تعكس التحوّلات العميقة التي تواجهها الولايات المتحدة نفسها، مع استمرار صعود قوى دولية منافسة لها. وإذ ذهب ترامب إلى الصين باحثاً عن إنجاز سريع يعيد ترميم صورته الداخلية ويمنحه مادة سياسية وإعلامية يوظّفها في الداخل الأميركي، فهو عاد من دون تحقيق أيّ اختراق فعلي في الملف الإيراني، وبحصيلة محدودة في الملفات الاقتصادية والسياسية الأخرى. ذلك أن بكين تعاملت ببراغماتية باردة مع الضغوط الأميركية، ولم تقدّم تنازلات جوهرية تتّصل بموقفها من طهران أو بموقعها في الصراع الدولي القائم، بل حرصت على إبقاء علاقتها بواشنطن ضمن حدود المصالح المتبادلة.

ومن هنا، بدأ الزخم الدعائي الأميركي الذي روّج لفكرة اقتراب الصين من الموقف الأميركي يتراجع تدريجياً أمام وقائع السياسة الدولية؛ وهو ما لا يبدو مُستغرَباً. صحيح أن حجم التبادل التجاري والاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين يقترب من 500 مليار دولار، إلا أن ما تَقدّم لا يُلغِي حقيقة الصراع المفتوح بينهما على تحديد موازين القوى. فواشنطن لا تزال تنظر إلى صعود بكين بوصفه التهديد الاستراتيجي الأكبر لهيمنتها العالمية، وترفض عملياً أيّ صيغة لشراكة متكافئة في إدارة النفوذ الدولي. وفي المقابل، ترى الصين أن ثقلها الاقتصادي المتعاظم، وتوسّع حضورها السياسي والتكنولوجي، يمنحانها حقاً طبيعياً في المشاركة في صياغة النظام العالمي؛ الأمر الذي ينعكس بوضوح في خطابها السياسي، بما في ذلك الرسائل البروتوكولية المدروسة التي رافقت زيارة ترامب، حيث حرصت بكين على إظهار نفسها كقوة عظمى.

في المقابل، تُصنَّف العلاقات بين الصين وإيران ضمن مستوى الشراكة الاستراتيجية البعيدة المدى، وهي لا تقتصر على التعاون الاقتصادي والطاقة والاستثمارات، بل تتجاوز ذلك إلى تقاطع سياسي عميق في النظرة إلى النظام الدولي ورفض الهيمنة الأميركية، ولا سيما في منطقة غرب آسيا التي تشكّل إحدى أبرز ساحات التنافس الدولي. وانطلاقاً من ذلك، يحرص الطرفان على تطوير تنسيق دائم ومتعدّد المستويات في ما بينهما، يهدف إلى إيجاد آليات للالتفاف على أدوات الضغط الأميركية، سواء عبر التبادل التجاري بالعملات المحلية، أو من خلال شبكات النقل والطاقة، أو عبر التعاون السياسي داخل المنظمات والتكتلات الدولية. وعلى الرغم من النفي الصيني العلني والمتكرّر لتزويد إيران بالسلاح، فإن طبيعة العلاقات العسكرية والأمنية بين البلدَين تبقى مُحاطة بالغموض، في ظلّ إدراكهما حساسية هذا الملفّ، وانعكاساته على توازنات المنطقة والصراع المفتوح مع الولايات المتحدة. كما أن المناورات المشتركة وعمليات التنسيق الأمني المتدرّج تعكس مستوى من الثقة الاستراتيجية، يتجاوز حدود العلاقات التقليدية بين دولتَين تجمعهما المصالح الظرفية فقط.

ترامب يفشل في سحب الغطاء الصيني عن طهران

وتبلورت طبيعة العلاقات الإيرانية – الصينية بصورة أوضح خلال العدوان على إيران، حيث كشفت التطورات العملياتية والسياسية أن الشراكة بين البلدَين تلامس مستوى التنسيق الاستراتيجي في مواجهة الضغوط الأميركية ومحاولات إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة. وفي حين استمر تدفّق النفط الإيراني إلى المصافي الصينية بوتيرة مرتفعة، لا بل سُجّلت زيادة فيه على الرغم من التهديدات والعقوبات الأميركية، في إشارة واضحة إلى تمسّك بكين بأمنها الطاقوي ورفضها إخضاع مصالحها الاستراتيجية للإرادة الأميركية، تحدّثت تقارير وتحليلات غربية عن دعم استخباراتي صيني لإيران عبر الأقمار الاصطناعية وتبادل المعلومات المتعلّقة بتحديد الأهداف والتحرّكات العسكرية، إضافة إلى تسريبات عن تزويد بكين طهران بمنظومات دفاع جوي وتقنيات إلكترونية متطوّرة للتشويش. وفي المحافل الدولية، برز الموقف الصيني المنحاز إلى إيران بوضوح داخل مجلس الأمن، حيث استخدمت بكين حق النقض ضدّ مشاريع قرارات اعتبرتها منحازة ومغفلةً لجوهر الأزمة المتمثّل، بحسب توصيفها، بالعدوان الأميركي – الإسرائيلي على إيران.

وعلى الرغم من أن ترامب حاول، خلال زيارته إلى بكين، سحب الغطاء الصيني من تحت قدمَي إيران، فإن المواقف الرسمية الصينية والتطوّرات اللاحقة أظهرت بوضوح فشله في إحداث تحوّل جوهري في العلاقة بين الطرفَين. ويستند هذا التقدير إلى جملة وقائع لافتة، أبرزها عبور نحو 30 سفينة صينية عبر مضيق هرمز بعد تنسيق مباشر بين بكين وطهران لضمان سلامة الملاحة، إلى جانب تعهّد ترامب، عقب عودته إلى واشنطن، بتخفيف أو إزالة العقوبات المفروضة على الشركات الصينية المتعاملة مع إيران في قطاع النفط، في اعتراف ضمني بصعوبة فرض العزل الكامل على الجمهورية الإسلامية، من دون الاصطدام بالمصالح الصينية. أمّا الحديث عن وجود توافق صيني – أميركي حول منع إيران من امتلاك سلاح نووي، فلا يُعدّ تحوّلاً في موقف الصين بقدر ما ينسجم أصلاً مع الموقف الإيراني المُعلن برفض إنتاج السلاح النووي. كذلك، فإن تشديد الصين على ضرورة إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً للملاحة الدولية، لم يأتِ على قاعدة الاصطفاف خلف الولايات المتحدة، بل انطلاقاً من مصالح الأولى الاقتصادية العالمية، ولا سيما مع تشديد الخارجية الصينية في الوقت نفسه على أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تتمّ بالقوة أو الضغوط العسكرية، وإنما عبر الحوار والمفاوضات والتسويات السياسية.

وعلى الرغم من ذلك، لا تزال بكين تمتلك هامشاً واسعاً للعب دور إيجابي في إدارة التوتر بين واشنطن وطهران، سواء بصورة مباشرة أو عبر دعم الوساطات الإقليمية، وفي مقدّمها الوساطة الباكستانية، مستفيدة من شبكة علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف. غير أن نجاح أيّ دور صيني يبقى مرتبطاً أولاً بمدى استعداد الولايات المتحدة للتخلّي عن منطق الإملاء، والقبول بحلّ سياسي متوازن يلبّي الحد الأدنى من مطالب الطرفين.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

المدارس مراكز نزوح: طقوس خاصة للأطفال في «منزلنا»

لم تعد المدارس، بعد تحويلها إلى مراكز نزوح على خلفية العدوان الإسرائيلي، ترمز إلى صرح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *