المبادرة العسكرية نحو إيران مُعطَّلة: العدو الإسرائيلي ينتظر قرار ترامب

يعيش الاحتلال الإسرائيلي حالة ترقّب حذر لمسار المواجهة مع إيران، بانتظار ما سيقرّره دونالد ترامب عقب زيارته إلى الصين، وسط ضبابية استراتيجية تدفع تل أبيب إلى الاستعداد لكلّ السيناريوات، من التفاوض إلى الحرب الشاملة.

العدو الإسرائيلي يجد نفسه أمام مفترق طرق لا يملك فيه زمام المبادرة الاستراتيجية

مع انتهاء الزيارة الرسمية للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى الصين، تنتظر إسرائيل ما سيقرّره الأخير بشأن المسار الإيراني، في حين تجد نفسها مجدّداً أمام مفترق طرق لا تملك فيه زمام المبادرة الاستراتيجية، التي تبقى رهن إرادة شخص واحد، ليست لدى حتى من حوله فكرة عمّا يمكن أن يُقدِم عليه. وهكذا، تستمرّ إسرائيل في وضعية الطرف المتلقّي الذي يراقب التوجّهات من بعيد، في وقت تتشابك فيه الحسابات المحلّية مع المعطيات الخارجية، بشكل يزيد الأمور تعقيداً أمام صانع القرارات فيها. ويطرح هذا الواقع تساؤلاً محورياً حول قدرة المؤسسات الإسرائيلية على التعامل مع مُعطيات تفرضها قوى خارجية، وتشييد استراتيجيتها العسكرية على أساس من الترقّب وعدم اليقين، خاصة عندما يتعلّق الأمر بخيارات تمسّ الأمن القومي بشكل مباشر.

وبحسب المعلومات الاستخبارية المُسرَّبة إلى وسائل الإعلام العبرية، والتي تداولتها هذه الأخيرة تحت عنوان «الاستعدادات للحرب وبنك الأهداف» في إيران، تتحدّث المصادر الأمنية عن عدّة سيناريوات تستعدّ لها تل أبيب، من دون ترجيح أيّ منها، لعلّ أبرزها ما يلي:

-العودة أميركياً إلى المسار التفاوضي مع إيران، والسعي للتوصل إلى «اتفاق مؤقّت» يجمّد التصعيد لفترة زمنية محددة.

-العودة إلى خيار الضغط العسكري غير المباشر عبر تجديد العمليات في مضيق هرمز في إطار «مشروع الحرية»، مع التركيز على عمليات تحرير السفن وفتح الممر.

-رفع سقف الضغط العسكري من دون الدخول في حرب شاملة مباشرة ضدّ الأراضي الإيرانية، وذلك عبر العودة إلى ضربات عسكرية محدودة و«جراحية» تستهدف مواقع نوعية محدّدة، وترمي إلى تحقيق أغراض تكتيكية أو البعث برسالة ردع.

-التصعيد نحو شنّ عمليات عسكرية عالية الكثافة وشاملة، قد يطول أمدها وتتوسّع إلى جبهات متعدّدة، وصولاً إلى السيناريو الذي تفضّله إسرائيل، والمتمثّل في ضربات مركّزة ضدّ منشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية في إيران، انطلاقاً من قناعة بأن استهداف عصب النظام الاقتصادي قد يؤدّي إلى زعزعته وإسقاطه.

-الإبقاء على الوضع الحالي، مع الاستمرار في حصار الموانئ الإيرانية، بما قد يُجبِر طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أكثر ليونة.

الخيار النهائي لم يُبتّ بعد في واشنطن نتيجة تعقيد ساحة العمليات وتشابك الظروف المحيطة وتداعياتها وكلفتها

وفي موازاة هذه السيناريوات، تُطرح تساؤلات حول طبيعة المشاركة الإسرائيلية فيها، والتي تشير التقديرات إلى احتمالَين متعارضَين في خصوصها: إمّا أن يقبل ترامب بمشاركة تل أبيب في أيّ من الخيارات العسكرية، وإمّا أن يمنعها أو لا يُحبّذ انخراطها، خشية أن يحوّل رد طهران الصاروخي المباشر على إسرائيل المواجهة المحدودة إلى حرب واسعة النطاق، وهو ما تسعى واشنطن لتجنّبه. وعلى أيّ حال، تشير هذه التقديرات إلى درجة عالية جداً من عدم الوضوح لدى إسرائيل، في كلّ ما يتعلّق بتقدير وجهة ترامب، الأمر الذي يدفع إلى الاستعاضة عن التقديرات الوازنة بالتخمينات، التي تتنقّل بين التفاؤل الحذر بالعودة إلى الحرب التي ترغب فيها تل أبيب، والقلق الاستراتيجي المتزايد من التسويات التي لا تفضّلها.

إزاء ذلك، وفي ظلّ الاعتماد الكامل على إشارات لم تكتمل دلالاتها بعد، وسيطرة حالة من الضبابية على دوائر صنع القرار، تتعذّر صياغة خطط طويلة الأمد، وتتعقّد من ثمّ الاستعدادات الفعلية، بما سيؤثّر سلباً على مراحل التنفيذ لاحقاً، أيّاً كان الخيار الذي سيعتمده ترامب. وفي خضمّ هذا الفراغ المحفوف بالمخاطر، تنشغل إسرائيل ببثّ رسائل موجّهة في اتّجاهين متوازيَين ومتكاملَين، يعكسان الرغبة في التحكّم في السردية الإعلامية، من دون أن يحجبا حقيقة الاعتماد على الإرادة الخارجية: فهي تروّج داخلياً لفكرة الاستنفار الكامل، مؤكّدة جاهزية بنك الأهداف في إيران، ومطمئنة إلى أن أيّ ضربات مستقبلية ستكون أكثر من مؤثّرة وستحقّق التأثير المطلوب؛ وخارجياً، تبعث بالرسالة ذاتها إلى طهران، مستخدمة أداة الحرب النفسية لتأكيد القدرة والجاهزية للمواجهة الشاملة، وذلك في محاولة لخلق حال من التردّد لدى العدو، وإثبات أن الجاهزية العملياتية لا تزال قائمة، على الرغم من حال الترقّب السياسية.

مع ذلك، يبدو واضحاً أن استشراف مآلات المواجهة مع إيران وانعكاساتها على الساحة اللبنانية، لا يجد له مؤشّرات حاسمة في تل أبيب، بل يبقى رهناً بالقرار في واشنطن، حيث الخيار النهائي لم يُبتّ بعد – ربطاً بتعقيد ساحة العمليات وتشابك الظروف المحيطة وتداعياتها وكلفتها التي لا تستقرّ على وتيرة واحدة -. وفي هذا الإطار، تشير الفرضيات المتداولة في التسريبات الإسرائيلية إلى أن استئناف الحرب مع إيران قد يفتح الباب أمام «تحرير اليد» الإسرائيلية من القيود الأميركية في الساحة اللبنانية، بما يتيح العودة إلى استهداف بيروت والضاحية بكثافة عالية. غير أن من يطرح هذا الاحتمال يحذّر في الوقت نفسه من ثمن هذه المعادلة؛ إذ إن انشغال المنظومة العسكرية باستهداف إيران يعني، من الناحية العملية، سحب الأدوات والموارد من لبنان، ما يحرم تل أبيب القدرة على استغلال التصعيد الإقليمي لتنفيذ عمليات موسّعة ضدّ «حزب الله»، ويترك الساحة اللبنانية من دون غطاء عملياتي لازم لاستثمار تلك الفرصة.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

المدارس مراكز نزوح: طقوس خاصة للأطفال في «منزلنا»

لم تعد المدارس، بعد تحويلها إلى مراكز نزوح على خلفية العدوان الإسرائيلي، ترمز إلى صرح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *