الحرية قدرُ الجنوب
موقع ميادين المقاومة
22 ساعة مضت
أخبار هامّة, الرئيسية, النشرة اللبنانية, منوّعات
يبدو المشهد اليوم، بالنسبة إلى كثير من أبناء الجنوب، أقرب إلى استعادة زمنٍ اعتقدوا أنه انتهى. فالحرب الأخيرة، وما رافقها من توغّلات إسرائيلية واحتلال لعشرات القرى وتدمير أحياء كاملة، أعادت طرح سؤال التحرير بوصفه قضية حاضرة لا حدثاً من الماضي.

جنود من جيش الاحتلال يقفلون بوابة حدودية عند مغادرتهم الأراضي اللبنانية
يعود الجنوب اللبناني، في عيد المقاومة والتحرير هذا العام، إلى مواجهة المعنى نفسه الذي عاشه قبل ستةٍ وعشرين عاماً، لكن بصورة أكثر قسوة واتساعاً. فمنذ 23 أيلول/سبتمبر 2023، لم يعد التحرير بالنسبة إلى الجنوبيين مجرد ذكرى مرتبطة بانسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي من الجنوب عام 2000، بل تجربة يومية تُعاش تحت النار؛ قرى مُدمّرة، عائلات مُهجّرة، وأجزاء واسعة من البلدات الحدودية تحوّلت مجدّداً إلى ساحات مواجهة مفتوحة مع الاحتلال الإسرائيلي.
ويبدو المشهد اليوم، بالنسبة إلى كثير من أبناء الجنوب، أقرب إلى استعادة زمنٍ اعتقدوا أنه انتهى. فالحرب الأخيرة، وما رافقها من توغّلات إسرائيلية واحتلال لعشرات القرى وتدمير أحياء كاملة، أعادت طرح سؤال التحرير بوصفه قضية حاضرة لا حدثاً من الماضي. هنا، لا يستعيد الناس ذكرى التحرير كحكاية بطولية فقط، بل كفكرة تتصل مباشرة بحياتهم اليومية: كيف تُحمى الأرض؟ وكيف يُمنع الاحتلال من التحوّل إلى قدر دائم؟
ويكتسب هذا السؤال ثقله الأكبر لدى جيلٍ كامل وُلد بعد عام 2000، ولم يعش سنوات الاحتلال المباشر ولا الحواجز العسكرية ولا مشهد «الشريط الحدودي». هذا الجيل الذي كبر في ظل معادلة الردع التي فرضتها المقاومة طوال أكثر من عقدين، وجد نفسه فجأة أمام صور تشبه ما رواه الآباء: دبابات على أطراف القرى، طرق مقطوعة، منازل محروقة، وسماء مفتوحة على الطائرات والقصف. لكنّ الفارق اليوم أن هؤلاء يدخلون الحرب وهم يحملون تجربة سابقة تقول إن الاحتلال الإسرائيلي ليس قدراً ثابتاً، وإن الجنوب الذي تحرّر بالقوة عام 2000 قادر، في نظر كثيرين، على انتزاع حريته مرة أخرى مهما بلغت كلفة المواجهة.
تشهد القرى الجنوبية اليوم، التي يتجاوز عددها الخمسين قرية، عودةً جزئية للاحتلال الإسرائيلي، مع توغّلات في القرى الحدودية تترافق مع عمليات تدمير ونسف وتجريف وتهجير واسعة، في مشهد يعيد فرض سؤال التحرير من جديد. وفي مواجهة هذا الواقع، تعود المقاومة المسلحة إلى واجهة المشهد بوصفها خياراً عملياً قائماً، لكن بأدوات مختلفة عن تلك التي حكمت معركة عام 2000؛ ويتجدد فعل المواجهة بما يشبه «مقاومة العين للمخرز»، حيث يفرض الاختلال الهائل في ميزان القوى أهمية الحق بالمقاومة.
في هذا السياق، لا يمكن فصل اللحظة الراهنة عن سردية التحرير عام 2000، حين انسحب جيش الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان في 25 أيار بعد احتلال استمر نحو 18 عاماً، بدأ مع اجتياح 1982 الذي وصلت خلاله القوات الإسرائيلية إلى بيروت، ثاني عاصمة عربية بعد القدس، ونفّذت مجازر دامية. وبعد انسحاب جزئي عام 1985 من بيروت وصيدا وصور والبقاع، ثبّت الاحتلال ما عُرف بـ«الحزام الأمني» في الجنوب عبر ميليشيا العملاء «جيش لبنان الجنوبي» بقيادة أنطوان لحد، ما جعل المنطقة ساحة مفتوحة لحرب استنزاف طويلة.
وفي تلك المرحلة، صعّدت المقاومة اللبنانية بمختلف فصائلها وعلى رأسها حزب الله عملياتها ضد القوات الإسرائيلية بوتيرة غير مسبوقة، إذ نُفّذت في عام 1993 وحده 423 عملية أسفرت عن مقتل وإصابة مئات الجنود، فيما وصلت الخسائر اليومية في بعض الفترات إلى معدل جندي قتيل تقريباً كل يوم، ما جعل كلفة البقاء الإسرائيلي في الجنوب تتصاعد بشكل غير قابل للاستدامة.
ولم يكن تحرير عام 2000 نتيجة تسوية سياسية أو تفاوض، بل حصيلة حرب استنزاف طويلة اعتمدت على العبوات الناسفة والكمائن والصواريخ المضادة للدروع، لتدخل المقاومة القرن الحادي والعشرين بانتصار غيّر بنية الصراع مع الاحتلال، وجعل من جنوب لبنان أول أرض عربية تنسحب منها إسرائيل تحت ضغط المقاومة المسلحة المباشر.
ومنذ ذلك الحين، تراكمت معادلة ردع امتدت لأكثر من 24 عاماً، بدأت بمرحلة ما بعد التحرير وما رافقها من نمو اقتصادي وعمراني في الجنوب، ثم تعزّزت بعد حرب تموز 2006 التي انتهت بفشل إسرائيل في تحقيق أهدافها العسكرية، رغم حجم الدمار، ما أدّى إلى ترسيخ قواعد اشتباك جديدة استمرت حتى تشرين الأول 2023.
غير أن الحرب الأخيرة، بما حملته من دمار واسع واحتلال وتهجير لعشرات القرى الجنوبية، أعادت فتح نقاش داخلي حادّ في لبنان حول معنى المقاومة وجدواها وحدودها. فبينما يتمسك جمهور واسع بأن تجربة عام 2000 أثبتت أن الاحتلال لا ينسحب إلا تحت ضغط القوة، ترتفع في المقابل أصوات ترى أن الأولوية لم تعد محصورة في إيقاع الخسائر بالعدو، بل في حماية المجتمع من التحوّل إلى فضاء مفتوح للموت والاقتلاع بفعل طبيعة الحرب الإسرائيلية المعاصرة.
ومن هنا يبرز مفهوم «الصمود» بوصفه شكلاً موازياً للمقاومة، يقوم على تثبيت الناس في أرضهم، وحماية دورة الحياة اليومية من تعليم وزراعة واقتصاد ووجود اجتماعي، باعتبار أن بقاء المجتمع نفسه هو الشرط الأول لأي فعل مقاوم طويل الأمد في مواجهة مشروع استعماري قائم على التهجير والمحو. وبين هذا التصور وذاك، يتشكّل نقاش لبناني مفتوح حول معنى المقاومة في زمن الحروب المستمرة، لكن يظل الثابت الوحيد أنه كلما عاد الاحتلال… عاد التحرير، بوصفه حقاً لا يسقط، وخياراً لا ينطفئ.
وبين قرى تُمحى وأخرى تقاوم البقاء تحت النار، يبقى الجنوب شاهداً على حقيقة واحدة: أن الأرض لا تُترك، وأن من وُلد من تحت القصف لا يعرف الانكسار، وأن خاتمة هذه الحكاية تكتبها المقاومة بالتحرير.
الجنوب يقاتل من السماء
في سنوات الاحتلال الـ 18، اعتمدت المقاومة على أدوات توصف اليوم بالبسيطة لكنها فعّالة: عبوات ناسفة، كمائن محكمة، وصواريخ مضادة للدروع، ومجموعات صغيرة تتحرك بين التلال والوديان. كانت العبوة الناسفة هي السلاح الأكثر استنزافاً للاحتلال قبل التحرير، فيما حوّلت عمليات الكمائن وحرب العصابات بقاء جيش الاحتلال وعملائه في الجنوب إلى كلفة يومية عالية.
أمّا اليوم، فقد تغيّر شكل الحرب بالكامل. لم يعد الجنوب يقاتل من الأرض فقط، بل من السماء أيضاً. هنا يظهر «طائر الجنوب الفولاذي»، المُسيّرات التي باتت السلاح الأبرز في المواجهة الحالية، سواء في الاستطلاع أو الاستهداف أو توثيق العمليات. وقد تحوّلت هذه الطائرات الصغيرة إلى أداة ضغط ميدانية وإعلامية على الإسرائليين في آن، إذ تُظهِر استهداف المواقع العسكرية الإسرائيلية وتوثّق لحظة إصابة الدبابات أو تجمعات الجنود، في مشاهد تُعيد تشكيل صورة المواجهة.
وتكشف الحرب الجارية عن تطور كبير في بنية حزب الله العسكرية بين عام 2000 واليوم، إذ انتقل من حرب استنزاف تعتمد على الأرض والجغرافيا إلى منظومة أكثر تعقيداً تشمل المُسيّرات وقدرات رصد متقدّمة. ورغم التفوّق التكنولوجي والعسكري الإسرائيلي، تواصل المقاومة فرض إرباك يومي على طول الجبهة الشمالية، عبر عمليات منخفضة الكلفة عالية التأثير، تعطّل منظومات الرصد وتفرض حالة استنفار دائم.
وبينما كانت صورة التحرير عام 2000 ترتبط بالمقاتل الذي يزرع العبوة وينسحب بصمت، فإن مشهد الحرب اليوم يرتبط بالمقاوم الذي يتحكّم بمُسيّرة تصل إلى أهدافها فوق القواعد والثكنات، وتقصف دبابات وجنود الاحتلال رغم التخفّي والتمويه، لتؤكد أن السماء التي احتكرتها إسرائيل لعقود لم تعد كذلك.
مرتبط