«حزب الحرب» يطلق حملة ضدّ ترامب: إيران تفرض اتفاق «خطوة بخطوة»

بين ضغوط إسرائيلية واعتراضات جمهورية، تقترب واشنطن وطهران من تفاهم مرحلي يكرّس مبدأ «الخطوة بخطوة»، فيما يبقى الاتفاق هشّاً ومهدّداً بالانهيار عند أول اختبار للتنفيذ.

الاتفاق الوشيك يمثّل انتصاراً تكتيكياً لإيران

بعد نحو 50 يوماً على إعلان وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، اقترب الطرفان من التوصّل إلى اتفاق لا يُعدّ شاملاً أو نهائياً، بل يبدو بمثابة تفاهم أوّلي يركّز في المرحلة الأولى على إنهاء الحرب، على أن تُجرى لاحقاً مفاوضات حول تفاصيل القضايا الأساسية خلال مدة زمنية تتراوح بين 30 و60 يوماً. وحتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم يُعلن رسمياً الاتفاق، في وقت استمرّ فيه توالي تأكيدات المسؤولين في إيران والولايات المتحدة وباكستان اقتراب التوصّل إليه، مع استمرار وجود بعض الخلافات حول صياغة نصّه الأولي.

ورغم تباين الروايات بين المصادر الأميركية والإيرانية بشأن التفاصيل، فإن ما يتّضح هو أن الاتفاق المحتمل يقوم على نهج «خطوة بخطوة» وتجزئة الحلّ إلى مراحل؛ إذ يركّز في جوهره على تفاهم أوّلي لإنهاء الحرب، يُنفّذ تدريجياً خلال مدة 30 إلى 60 يوماً. وتشمل هذه المرحلة الحفاظ على وقف إطلاق النار، وإعادة فتح مضيق هرمز من قِبل إيران، بالتزامن مع رفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية، إضافة إلى تحرير جزء من الأموال الإيرانية المجمّدة. وفي خلال هذا الإطار الزمني نفسه، من المقرّر أن يبدأ الطرفان مفاوضات حول القضايا الجوهرية المتعلّقة بسبل تقييد البرنامج النووي الإيراني، مقابل رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران.

وفي أوّل رد فعل رسمي على التقارير عن الاتفاق الوشيك، أكد الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، أمس، أنه «لن يتمّ اتخاذ أيّ قرار خارج إطار المجلس الأعلى للأمن القومي وبدون تنسيق وإذن» من المرشد الأعلی، مجتبى خامنئي. وشدّد على ضرورة وحدة الموقف الوطني، قائلاً: «عندما يُتّخذ قرار في مجال الدبلوماسية، يجب على جميع الأجهزة والمنابر والتيّارات دعمه لكي يصل صوتاً واحداً ومنسجماً من الجمهورية الإسلامية إلى العالم». في الوقت نفسه، عكست تصريحات قائد مقر «خاتم الأنبياء»، علي عبد اللهي، إدراك المؤسسة العسكرية الإيرانية لهشاشة الوضع الراهن وانعدام الثقة في الجانب الأميركي؛ إذ أكد عبد اللهي «أننا في ظروف حرب، وجميع القوات المسلّحة في حال تأهب قصوى لمواجهة أيّ عدو وفي أيّ مستوى كان».

ويبدو أن اعتماد النهج المرحلي في الاتفاق المحتمل، يتماشى بشكل أكبر مع الرؤية الإيرانية؛ فبعد فشل جولة المفاوضات المباشرة التي عُقدت في إسلام آباد مع مرور 3 أيام على إعلان وقف إطلاق النار – وذلك نتيجة طرح جميع الملفات الخلافية دفعة واحدة -، قدّمت طهران مقترحاتها اللاحقة وفق استراتيجية تفكيك القضايا والمسارات. وتقوم هذه الرؤية على أولوية إنهاء الحرب، وإعادة فتح مضيق هرمز، ورفع الحصار البحري، ومن ثمّ الانتقال لاحقاً إلى مناقشة الملفّات الأكثر تعقيداً، كتقييد البرنامج النووي وآليات رفع العقوبات.

ورغم استمرار معارضة واشنطن لهذه المقاربة لأسابيع، وإصرارها على «اتفاق شامل» يتضمّن خروج مخزون اليورانيوم المخصّب من إيران، إلا أنها في النهاية رضخت لمطلب التفکیك، متنازلةً عملياً لصالح النموذج الإيراني. ودفع هذا التحوّل الكثيرين إلى اعتبار الاتفاق انتصاراً تكتيكياً لإيران، التي نجحت عبر سياسة «كسب الوقت» في استنزاف الموقف الأميركي. وفي السياق، بدأ أعضاء في «الحزب الجمهوري» الأميركي توجيه انتقادات حادة إلى المسار الذي تسلكه الإدارة، فيما من المتوقّع أن تتصاعد هذه الانتقادات في الأيام المقبلة، حيث سيواجه ترامب اتهامات متزايدة بالفشل في تحقيق أهدافه الاستراتيجية من الحرب.

قد يؤدي إخفاق أي من الطرفين في الوفاء بالتزاماته عند أي مرحلة إلى تعطيل العملية برمّتها

ورغم أن الطبيعة المرحلية للاتفاق المحتمل تصبّ في مصلحة إيران أولاً- كونها تحميها من سياسة ترامب الرامية إلى إجبارها على الاستسلام وانتزاع تنازلات كبرى منها دفعة واحدة -، إلا أن هذه الميزة نفسها تجعل الاتفاق «هشاً» وعرضة للانهيار. ففي هذا المسار، قد يؤدي إخفاق أيّ من الطرفين في الوفاء بالتزاماته، عند أيّ مرحلة، إلى تعطيل العملية برمّتها.

وتتمثّل العقدة الأكبر في المفاوضات المنتظَرة بين الطرفَين، في أبعاد تقييد البرنامج النووي الإيراني. ففي حال عجز الطرفان عن التوصّل إلى تفاهم محدّد بشأن هذا الملف خلال المدة الانتقالية، فإن الأمور قد تعود إلى «المربّع الأول»، أي إلى الحال التي سبقت الحرب. وتزداد هذه المخاطر حدّة في ظلّ استمرار الدور التحريضي لإسرائيل، التي تواصل ممارسة الضغوط على الولايات المتحدة، وتدفع في اتجاه تجديد الحرب على إيران.

وفي سياق الانتقادات الموجّهة إلى مشروع الاتفاق، وصف وزير الخارجية الأميركي السابق، مايك بومبيو، هذا المشروع بأنه «لا يتماشى بأيّ حال من الأحوال مع شعار أميركا أولاً»، مشبّهاً إياه بالاتفاق النووي لعام 2015 في عهد باراك أوباما. واعتبر أن المشروع مستوحى مباشرة من «كتيّب وندي شيرمان وروبرت مالي وبن رودز»، مدّعياً أن نتيجته ستكون «تمويل الحرس الثوري لبناء برنامج لأسلحة الدمار الشامل وترهيب العالم».

من جانبه، أعرب السيناتور الجمهوري عن ولاية تكساس، تيد كروز، عن «قلقه العميق» من التقارير المتعلّقة بالاتفاق. وكتب، على منصة «إكس»، أن «بقاء النظام الإيراني قادراً على تخصيب اليورانيوم، وتطوير سلاح نووي، والتحكّم الفعلي في مضيق هرمز بعد كلّ هذه العمليات العسكرية، سيُعدّ خطأً كارثياً». أما السيناتور ليندسي غراهام، وهو من أبرز الصقور المؤيدين لإسرائيل، فقد حذّر من أن أيّ اتفاق يسمح للجمهورية الإسلامية بالحفاظ على قوتها الإقليمية، سيشكّل «كابوساً لإسرائيل» على المدى الطويل. واعتبر أن بقاء إيران قادرة على تهديد مضيق هرمز والبنية التحتية النفطية في الخليج، يعني تغيراً جوهرياً في ميزان القوى لصالحها.

أما في إسرائيل، فبدا أن رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، أُسقط في يده نتيجة الاتفاق الوشيك؛ إذ قال إنه اتفق مع ترامب على أن أي اتفاق نهائي مع إيران يجب أن يزيل التهديد النووي، بما يعني تفكيك المنشآت وإخراج المواد المخصّبة من إيران. وزعم أن ترامب جدّد تأكيده له «حقنا في الدفاع عن أنفسنا في مواجهة التهديدات في جميع الساحات بما في ذلك لبنان». وكان نقل موقع «أكسيوس» عن مسؤول إسرائيلي قوله إن رئيس الحكومة أعرب لترامب عن «قلقه» من الشرط الخاص بإنهاء الحرب ضدّ «حزب الله».

وإزاء الانتقادات، الأميركية والإسرائيلية، دافع ترامب عن قراره قبول مذكّرة التفاهم، قائلاً إنه «لن تكون هناك إلّا أخبار جيدة. فأنا لا أبرم صفقات سيئة»، مضيفاً أنه لا يستطيع الحديث عن الصفقة الآن. كما نشر ترامب، على موقع «تروث سوشيال»، صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي لمقاتلة تقصف سفينة، مع كلمة «وداعاً».

وفي ما يتعلّق بالجهود التي قادت إلى مشروع الاتفاق، نقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن مسؤول باكستاني مطّلع قوله إن قائد الجيش الباكستاني، الجنرال عاصم منير، سعى إلى تضييق الفجوات في ما يتعلّق بقضيتَين أساسيتَين مطروحتَين للنقاش في المحادثات، وهما السيطرة على مضيق هرمز، ومستقبل البرنامج النووي الإيراني.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

مسيّرة للمقاومة تقتل جندياً إسرائيلياً… وتصعيد متواصل في جنوب لبنان

قتل جندي في كتيبة الهندسة القتالية 601 التابعة للواء 401 في جيش الاحتلال الإسرائيلي وأصيب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *