ماذا لو هُزِم حزب الله؟

سقوط وانتهاء حزب الله في أيّ حرب أو مواجهة لا يعني انتهاء حالة المقاومة، بل ستجد القوى المستكبرة في المنطقة نفسها أمام «أحزاب الله» جديدة، ترى في القديم أنّه كان أقل راديكالية.

المقاومة كما تراها بيئة الحزب ليست بنت فائض القوة انما بنت الفراغ والخوف والضعف

«ابحث عن خبزٍ لا يشبه الخوف»، بهذه العبارات كان محمد الماغوط يكتب عن وجع المشرق وغضبه. ومن هنا يمكن الاقتراب من السؤال الذي يخرج من بين الركام والدخان في لبنان: ماذا لو هُزِم حزب الله ما بعد 7 أكتوبر 2023؟

السؤال ليس سهلاً لأن حزب الله في أدبياته وثقافته وبنيته لا يتعامل مع نفسه كأنه حزب سياسي بالمعنى التقليدي للمنظمات الحزبية، إنّما كحالة مقاومة نشأت من واقع وشعور تاريخيين يفيدان بأنّ هذه المنطقة تُترك دائماً وحيدة أمام القوة، وأنّ الضعفاء فيها لا يملكون خيار الحياد. لذلك فإنّ فكرة الهزيمة هنا لا تُقرأ وتُفهم كما هي حال هزيمة الجيوش التقليدية، هذا الأمر إن حصل يمس جوهر الصمود نفسه داخل البيئة التي احتضنت المقاومة طوال أكثر من أربعة عقود.

في الوعي الذي بناه الحزب منذ الثمانينات، المقاومة ضرورة وجودية ولا تمثل خياراً سياسياً بحتاً. أي إنّ السلاح وفق هذا المنطق ليس أمراً سياسياً أو تكتيكاً حزبياً، أو مسألة تقنية يمكن تفكيكها أو نزعها أو التنازل عنها ثم العودة إلى الحياة الطبيعية، لأنّ الحياة الطبيعية نفسها في هذا التصور غير ممكنة في منطقة مفتوحة على التهديد الإسرائيلي وحالة اللايقين الدائمة في كل شيء.

لحزب قد تحول خلال العقود الماضية إلى ما يشبه الدرع الوجودي داخل جزء واسع وحاسم من البيئة الشيعية خصوصاً

ومن هنا فإنّ السؤال عن هزيمة الحزب لا يتعلق فقط بمصير المنظمة أو التنظيم، إنّما بمصير فلسفة كاملة قامت على أنّ القوة وحدها تمنع سحق الجماعات المستضعفة، أليس الشهيد السيد حسن نصر الله هو من قال: «هو عالم لا يفهم إلا بالقوة ولا يستيقظ ضميره إلا بالقوة ولا ينطق كلمة من فهمه إلا بالقوة». ولهذا فإن أي مقاربة تفترض أن هزيمة الحزب ستؤدي تلقائياً إلى نهاية المقاومة، تبدو أنها مقاربة تتعامل مع الظاهرة من سطحها أو قشرتها لا من جذورها أو لُبها.

فالمقاومة كما تراها بيئة الحزب ليست بنت فائض القوة، إنما بنت فائض الفراغ والخوف والضعف داخل هذا الوطن. هي لم تولد لأن الجنوب كان قوياً بل لأنه كان مكشوفاً وحيداً، ولم تتمدد المقاومة وتكبر لأن الدولة كانت قادرة. الدولة يا دعاة السيادة كانت غائبةً، عاجزةً، محكومة بتوازنات وارتباطات تمنعها من خوض مواجهة عسكرية مع هذا الكيان الإسرائيلي.

أقصى ما يمكن أن تنتجه هزيمة حزب الله ليس نهاية المقاومة (هيثم الموسوي)

ومن هنا يمكن فهم العقدة الأساسية في الحرب الحالية، إذا كان الحزب قد تحول خلال العقود الماضية إلى ما يشبه الدرع الوجودي داخل جزء واسع وحاسم من البيئة الشيعية خصوصاً، وكذلك داخل جزء هام من البيئة اللبنانية عموماً، فإن سقوط هذا الدرع لا يُنتج تلقائياً شعوراً بالتحرر كما يعتقد البعض، هذا السقوط قد يُنتج شعوراً وسلوكاً معاكساً تماماً وهو شعور الانكشاف الوجودي والتاريخي.

وفي مثل هذه الحالات لا تتجه الجماعات تاريخياً نحو الهدوء، هذه الجماعات ستبحث عن أدوات حماية جديدة، فكيف بك في البنية الفكرية الشيعية التي تقول بأنّ استبدال قومٍ بآخرين هو أمر حتمي عندما لا تستطيع الفئة السابقة تحقيق الأهداف. فكل بيئة تربط أمنها الوجودي بقوة محددة ثم تفقد هذه القوة من دون أن تجد بديلاً يطمئنها ضد الأخطار وخاصة الخطر الصهيوني السيال دائماً، تتحول بيئتها إلى بيئة مولدة لأشكال جديدة من المقاومة. فينتج أنّ هزيمة الحزب إذا وقعت، لن تؤدي إلى نهاية المقاومة، بل ستؤدي إلى تفككها وانتشارها في أشكال أكثر تعدداً وأقل مركزيةً.

وهنا تكمن المفارقة التي لا يفهمها أو يفقهها الغرب عموماً والأمريكيون والإسرائيليون خصوصاً، أنّ الحزب رغم كل ما يقال عنه، هو إطارٌ ضابط. هو يمسك الغضب داخل بنية منظمة وقد حول فكرة المقاومة إلى مؤسسة لها قرار مركزي وحسابات وقواعد اشتباك، أليس خصومها في الداخل هم من يصفونها بأنها دولة داخل الدولة. أما إذا انهارت هذه المركزية تحت ضغط الحرب فإن المنطقة قد تدخل طوراً وحالة أكثر خطورة وأستطيع أن أسميها «طور المقاومة السيالة»، أي مقاومة بلا مركز واضح، وبلا حدود تنظيمية صارمة. عندها قد لا يبقى حزب الله واحد، بل تتولد حالات متعددة تحمل منطقه وثقافته وذاكرته لكن بأشكال مختلفة، هذه الحالات قد ترى أنّ الحزب هُزِم لأنه انشغل أكثر مما ينبغي بالحسابات السياسية الداخلية. ومن هنا فإنّ منطق المقاومة سيقرأ الهزيمة إذا وقعت ليس بسبب خطأ خيار المقاومة إنما كدليل على أنّ المعركة مع هذا الكيان ما تزال مفتوحة وأنّ أيّ تراجع سببه اختلال موازين القوة لا سقوط المبدأ نفسه.

لا تتجه الجماعات تاريخياً نحو الهدوء، هذه الجماعات ستبحث عن أدوات حماية جديدة، فكيف بك في البنية الفكرية الشيعية التي تقول بأن استبدال قومٍ بآخرين هو أمر حتمي

وهذا جزء عميق من الثقافة الشعبية والتنظيمية التي بناها حزب الله، ولهذا كانت أدبيات واستراتيجيات الحزب تقوم على فكرة التراكم التاريخي بحيث إنّ الصراع لا تُبنى نتائجه على الآنية والظرفية، الصراع مسار طويل تتبدل داخله المراحل والأدوات والأثمان. ولعل هذا ما يجعل هزيمة الحزب إن حصلت حدثاً أكثر تعقيداً مما يتصوره الكثيرون لأنّ إسقاط البنية العسكرية شيء، وإنهاء الوعي والإرادة اللذين راكمتهما المقاومة داخل مجتمع كامل شيء آخر، فالوعي والإرادة لا يقصفان بالطائرات.

ولهذا فإنّ أقصى ما يمكن أن تنتجه هزيمة حزب الله ليس نهاية المقاومة إنما تحولها من بنية مركزية قابلة للضبط إلى حالة ثقافية وأمنية واجتماعية أكثر انتشاراً وأقل قابلية للاحتواء. وعندها قد تكتشف المنطقة والعالم أنّ الحرب التي بدأت بهدف إسقاط حزب الله انتهت بولادة أكثر من حزب الله وبأكثر من شكل وبأكثر من لغة وبأكثر من جبهة. وهكذا يبحث الناس عن الخبز الذي لا يشبه الخوف.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

«يسرائيل هيوم»: تمديد الهدنة هو غطاء أميركي لمواصلة الكيان حربه على لبنان

اتهمت صحيفة «يسرائيل هيوم» العبرية الحكومة الإسرائيلية، بقيادة بنيامين نتنياهو، وبالتنسيق الكامل مع الولايات المتحدة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *