«مجلس السلام» يغطّي عودة الحرب: الاحتلال بريئ من تقويض الاتفاق

تكشف الوثيقة المسرّبة الصادرة عن «مجلس السلام» الخاص بغزة انحيازاً للرواية الإسرائيلية، ليتحوّل المجلس، عملياً، من هيئة يُفترض أن تراقب تنفيذ الاتفاق وتضمن احترام بنوده، إلى طرف يسهم في تبرئة الاحتلال الإسرائيلي وتوفير غطاء دولي لتحقيق أهدافه.

ارتقى 111 شهيداً خلال شهر نيسان الماضي وحده

بالتزامن مع تصريحات رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، التي زعم فيها «اقتراب انتهاء المهمّة» في غزة، وفي وقت تتصاعد فيه عمليات القصف والاغتيال وإطلاق النار بشكل يومي – بما يعكس عملياً سقوط آخر ملامح اتفاق وقف إطلاق النار الموقّع في 10 تشرين الأول 2025 -، كشفت وثيقة مسرّبة صادرة عن «مجلس السلام» الخاص بغزة، عن تعثّر تنفيذ خريطة الطريق المتعلّقة بالقطاع، محمِّلةً بصورة غير مباشرة المقاومة الفلسطينية مسؤولية الانهيار المتدرّج للاتفاق.

وفي هذا الإطار، تقول مصادر في فصائل المقاومة اطّلعت على مضمون الوثيقة، في حديثها إلى «الأخبار»، إن «مجلس السلام» أبلغ مجلس الأمن الدولي بوجود جملة من العراقيل التي تحول دون المضيّ في تنفيذ خطّة وقف إطلاق النار، مشيرةً إلى أن المجلس يُظهر في تقريره انحيازاً تاماً إلى الرواية الإسرائيلية. وتضيف المصادر أن الوثيقة تتحدث عن وجود «خروقات يومية» للاتفاق، توصف بعضها بـ«الجسيمة»، من دون تسمية إسرائيل باعتبارها الطرف المسؤول عنها، فيما تزعم أن «العقبة الأساسية» أمام تطبيق البنود العشرين تتمثّل في رفض حركة «حماس» بند تسليم السلاح، داعيةً مجلس الأمن إلى «ممارسة الضغوط» على الحركة والفصائل الفلسطينية للقبول بخارطة الطريق المطروحة.

والجدير ذكره، هنا، أن فصائل المقاومة التزمت، منذ توقيع الاتفاق في شرم الشيخ، بجميع بنوده، من دون تسجيل أيّ خرق واحد لها، فيما واصل الاحتلال اختلاق الذرائع لتنفيذ عمليات القتل والاغتيال اليومية، التي أسفرت عن استشهاد أكثر من 750 فلسطينياً، بينهم 111 شهيداً خلال شهر نيسان الماضي وحده، لم يكلّف العدو نفسه تقديم أيّ ادّعاءات لتبرير لاغتيالهم.

وبحسب المصادر نفسها، تضمّنت اللائحة التي رفعها «مجلس السلام» إلى مجلس الأمن عدداً من الملفات العالقة، أبرزها قضية سلاح «حماس»، وآليات تمكين «المجلس الوطني»، إضافة إلى قضايا المساعدات الإنسانية والتمويل. وإذ أورد، في وثيقته، العقبات التي صنعتها إسرائيل، من مثل منع دخول اللجنة الإدارية إلى القطاع، وعرقلة التمويل، في ذيل أسباب تعثّر الاتفاق، فهو تجاهل بالكامل ملفّ ميليشيات العملاء المسلحة التي شكّلت أحد أبرز أسباب تصلّب موقف المقاومة في ملفّ السلاح. وفي ما يخصّ الوضع الإنساني، أقرّ «مجلس السلام» بأن احتياجات قطاع غزة لا تزال «هائلة» رغم تدفّق المساعدات، مشيراً إلى فجوة كبيرة بين التعهّدات المالية المعلَنة والأموال التي صُرفت فعلياً.

ترتبط الاندفاعة الإسرائيلية نحو استئناف الحرب، بدرجة كبيرة، بحسابات نتنياهو السياسية والانتخابية

وأثارت الوثيقة ردود فعل غاضبة لدى فصائل المقاومة. إذ وصف الناطق باسم حركة «حماس»، حازم قاسم، التقرير بأنه «مضلّل»، معتبراً أنه «يتغافل عن عمد عن الإشارة إلى الاحتلال كمعطّل وحيد لتنفيذ خطّة السلام بارتكابه الخروقات المستمرة من قتل وتدمير وتقييد للمساعدات». وأضاف، في تصريح صحافي، أن «مجلس السلام يتحمل تعثّر تطبيق الاتفاق في ما يتعلّق بموضوع السلاح لأن ممثّله ميلادنوف حمل الرؤية الإسرائيلية ورفض الوصول إلى مقاربات تقبلها الأطراف».

وبدورها، رفضت حركة «الجهاد الإسلامي» التقرير، وعدّته «منحازاً بالكامل إلى الرواية الإسرائيلية، ويتجاهل انتهاكات الاحتلال المستمرة في غزة»، مؤكدة أن الاحتلال هو المسؤول عن تعطيل تنفيذ الاتفاق، وذلك عبر «القتل اليومي، وإغلاق المعابر، ومنع دخول اللجنة الإدارية، الذي تسبّب بتفاقم الكارثة الإنسانية». وأضافت أن التقرير «يتجاهل معاناة السكان في غزة، وحرمان آلاف الحجاج من السفر، وركّز على ملف السلاح، متجاهلاً التزامات الاحتلال وجرائمه المستمرّة».

وفي قراءة لمضمون التقرير، فإنه يعدّ الأخطر منذ تأسيس «مجلس السلام»؛ إذ يمهّد بصورة علنية لاحتمال استئناف العدوان، عبر تحميل الطرف الفلسطيني مسبقاً مسؤولية انهيار الاتفاق، بما من شأنه توفير غطاء سياسي ودولي لأيّ تصعيد مقبل. كما يستدرج، في الوقت نفسه، «مجلس الأمن» ليكون جزءاً من هذا الغطاء، عبر دعوته إياه إلى تبنّي موقف أكثر تشدّداً حيال ملفّ سلاح المقاومة. وفي المقابل، يتعمّد الاحتلال التلاعب في توصيف الخروقات عبر نسبها إلى «فاعل مجهول»، بدلاً من تسمية الاحتلال باعتباره الطرف المسؤول مباشرة عن عدم الالتزام بتعهداته، وعن الجرائم والانتهاكات اليومية المرتكبة بحق المدنيين في قطاع غزة.

الأخطر من ذلك أن التقرير يحوّل «مجلس السلام»، عملياً، من هيئة يُفترض أن تراقب تنفيذ الاتفاق وتضمن احترام بنوده، إلى طرف يسهم في تحقيق الأهداف السياسية والعسكرية للاحتلال الإسرائيلي. والجدير ذكره، هنا، أن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، كان أعلن تشكيل «مجلس السلام» في 15 كانون الثاني الماضي، ضمن خطته لـ«اليوم التالي» في غزة، وإقامة إدارة جديدة هناك بعيداً عن حركة «حماس». ويُفترض بالمجلس، الذي يرأسه الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف، ويضمّ شخصيات فلسطينية وعربية ودولية، الإشراف على إعادة الإعمار وإدارة التمويل والمشاريع المدنية والأمنية، باعتباره واحداً من أربعة أطر لإدارة المرحلة الانتقالية، إلى جانب «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» و«مجلس غزة التنفيذي» و«قوة الاستقرار الدولية».

وفي هذا السياق، يقول المحلل السياسي، أحمد الطناني، إن «الاندفاعة الإسرائيلية نحو استئناف الحرب ترتبط بدرجة كبيرة بحسابات نتنياهو السياسية والانتخابية، فيما يبدو أن مجلس السلام ينخرط، عبر مبعوثيه وممثّليه، في توفير الغطاء اللازم لخدمة هذه الحسابات، حتى لو كان الثمن فتح فصل جديد من الدماء والدمار والتهجير في قطاع غزة».

ويشدد الطناني على أن هناك «حاجة مُلحة إلى تحرك سياسي عاجل من الوسطاء، ومن الدول العربية والإسلامية المنخرطة في «مجلس السلام»، للقيام بدور أكثر فاعلية في وقف هذا الغطاء السياسي، وكشف حقيقة ما يجري أمام الرأي العام الدولي وأعضاء مجلس الأمن، بما في ذلك حجم الخروقات الإسرائيلية، وطبيعة اتفاق وقف إطلاق النار الذي تحوّل، في الواقع، إلى آلية لإدارة العدوان بصورة يومية، وترسيخ واقع القهر والضغط المستمر على سكان قطاع غزة».

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

العفو العام إلى «الخاتمة السعيدة» غداً

يقترب اقتراح قانون العفو العام من الإقرار بعد تسويات سياسية، وسط صراعات نيابية واعتراضات شعبية. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *