«500 وديعة» تنتظر مثواها الأخير

نظراً إلى مواصلة احتلال الأراضي الجنوبية، يتعذّر على أهالي الشهداء والمتوفّين دفن موتاهم في مسقط رأسهم، ما يدفعهم إلى دفنهم ودائع مؤقّتة ريثما يتمكنون من نقلهم إلى الجنوب.

رغم الهدنة المزعومة، تواصل آلة القتل الإسرائيلية وحشيتها، ويستمر عدّاد الشهداء في الارتفاع، بينما يواصل العدو احتلال أكثر من 55 قرية جنوبية، في إطار ما يسمّيه «الخط الأصفر»، قاطعاً الطريق على أهالي الشهداء، من المقاومين والمدنيين، للوصول إلى قراهم وإكرام موتاهم بدفنهم. هنا برزت مجدداً «ظاهرة دفن الوديعة»، والمقصود بها لجوء اللبنانيين إلى دفن موتاهم وديعةً في أرض مُتاحة، كخيار مؤقّت فُرض عليهم بسبب تلك الظروف، إلى حين يتمكنون من الوصول إلى قراهم فينقلون الجثمان إلى مرقده الأخير في مسقط رأسه.

ومنذ بدأَ العدوان الإسرائيلي في 2 آذار الماضي، أودعت 500 جثمان كودائع مؤقّتة. ولم يكن قرار ترك الجثث «معلّقة» وخارج مثواها الأخير سهلاً على الأهالي. يتحدّث علي صولي، الذي دفن والدته وشقيقه وشقيقته ودائع بعدما ارتقوا في مجزرة حي السلم يوم «الأربعاء الأسود» في 8 نيسان الماضي، عن صعوبة القرار، ويقول: «عشنا تجارب مؤلمة، أولاها في انتشال الجثمانين والثانية أثناء دفنهم في مكان بعيد عن أرضنا ومسقط رأسنا في الطيبة»، مضيفاً أن «ظروف الحرب فرضت تغيير كل طقوس الوداع والتشييع، ولم يبق لهم سوى التسليم بقضاء الله وقدره».

ولا يقتصر دفن الودائع على شهداء الحرب، بل من توفوا خلال فترة الحرب وتعذّر دفنهم في قراهم، مثل سهام التي توفيت يوم بدأت الحرب وكانت أوصت بدفنها في قريتها بنت جبيل، وهي «وصية يستحيل تنفيذها في الوقت الحالي لذلك قمنا بدفنها كوديعة في بيروت وننتظر تحرير المدينة والعودة لدفن جدتي وتنفيذ وصيتها».

ظاهرة قديمة

دفن الوديعة ليس ظاهرة جديدة في لبنان، وإنما تعود إلى عام 2006، حين أنشئت مقبرة مؤقتة في مدينة صور، دُفن فيها آنذاك 138 وديعة، كذلك في حرب الـ66 يوماً عام 2024 استوعب مدفن الوديعة 191 جثماناً، ثم سلّمت إلى أهاليها ودُفنت بشكل دائم ونهائي بعدما انسحب العدو الإسرائيلي من قرى الشريط الحدودي، وتمكّن الأهالي من دخول قراهم. واليوم، تتكرر التجربة مع تكرار الحاجة إليها في ظل العدوان المستمر، فخُصّصت منطقتان للدفن المؤقت، الأولى في منطقة التيرو مقابل مجمّع الصادق في بيروت، والثانية في بلدة الوردانية، دفن فيهما 500 وديعة حتى كتابة هذه السطور. وتشير مصادر «الأخبار» في هيئة العمل الاجتماعي لحزب الله، إلى أن «هذه الأراضي وُهبت من أملاك خاصة وخُصّصت لدفن الودائع».

آلية الدفن

في ما يخصّ آلية دفن الوديعة، والتي تحيط بها الكثير من التساؤلات، تشرح المصادر نفسها أن «عملية الدفن تجري وفق بروتوكول تنظيمي وترتيبات لوجستية دقيقة تلافياً للوقوع في الأخطاء، عبر وضع شاهدة على كل قبر تضم اسم المُتوفّى وتاريخ الدفن، كما توجد خريطة للموقع مُرقّمة مع الأسماء». ويجري دفن الدويعة وفق مراحل، «تبدأ بتقديم طلب من أهل المُتوفَّى/اة لدفنه وديعة، ثم يُجهّز الجثمان، ويوضع بالكفن داخل تابوت خشبي، مع إرفاق الرقم المتسلسل للوديعة عليه، وهي خطوة تسهّل التعرّف إليه لاحقاً». بعدها، يجري نقل الصندوق كما هو من دون فتحه ثانية ويُدفن في مثواه الأخير. وهذه العملية تقدّر تكلفتها بنحو 200 دولار، تتوزّع بين تكاليف الصندوق الخشبي والنايلون وأجور اليد العاملة.

كيف ينظر الدين إلى دفن الوديعة؟

يثير دفن الودائع مسألة خلافية عند الفقهاء الشيعة، إذ يجيزها المرشد الراحل علي خامنئي وفق شروط محددة، بينما يرفضها السيد علي السيستاني، وآخرون من منطلق أن «إكرام الميت دفنه».

ويعدّد الشيخ خميني ملك لـ«الأخبار» الشروط التي تُجيز دفن الوديعة، من بينها عدم القدرة على الدفن في المكان الذي أوصى به الميت أو الشهيد كالظروف التي نعيشها اليوم.

وتختلف طريقة الدفن بحسب هوية الميت، بمعنى آخر، «تتم إجراءات الدفن وديعة نفسها المعتادة من غسل وتكفين للمتوفّين (مدنيين)، بينما يُدفن الشهيد بدمه وثيابه على الهيئة التي استُشهد بها، وتوجّه مقادم بدنه إلى ناحية القبلة، أي يوضع في صندوق على جانبه الأيمن بحيث يكون وجهه وصدره مستقبليْن لناحية القبلة».

ولا يقتصر دفن الوديعة فقط على الحرب أو الظروف الأمنية، بل هناك ظروف أخرى يجوز فيها هذا الإجراء، بحسب ما يلفت ملك، كـ«أن يكون هناك حصار لسبب ما وتحصل حالة وفاة في أرض ليست مملوكة، فيضطر من يكون مع الميت أن يدفنه فيها وديعة إلى حين يزول السبب الطارئ، ويتم إخراج الوديعة كون الأرض غير مملوكة أو ربما تكون أرضاً مُشاعاً للدولة». وفي الإطار نفسه «لا يجوز الدفن في الأرض المغصوبة أو التي لا يحصل فيها المكلّف على إذن في الدفن».

بالإضافة إلى ما سبق، هناك حالات أخرى خارجة عن القاعدة الفقهية، ترتبط بجوانب اجتماعية ونفسية مثل رغبة أهل المُتوفَّى في دفن أقاربهم في قراهم أو بلداتهم، لتسهيل زيارتهم والاستئناس بقبورهم، فالحكم في هذه الحالة: «لا بأس به، لكنه ليس أمراً فقهياً».

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

30 يوماً على «الأربعاء الأسود»: لا يوجد مكان آمن من القصف

بعد شهر على مجازر 8 نيسان، لا يزال لبنان يعيش آثار «الأربعاء الأسود» بين الغارات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *