مدرسة رفيق الحريري الثانية: 1600 نازح في انتظار «حكمة الدولة»

يواجه أكثر من 1600 نازح في ثانوية رفيق الحريري الثانية مصيراً مجهولاً وسط وعود رسمية بالحل وغياب خطة تنفيذية واضحة، ما يضع الدولة أمام اختبار موازنة الحق التربوي مع كرامة النازحين.

نازح يقيم في إحدى مدارس العاصمة بيروت

ما مصير النازحين داخل ثانوية رفيق الحريري الثانية؟ وأي تسوية تُطبخ في الكواليس لمعالجة هذا الملف بعد وعود رئيس الحكومة نواف سلام بإيجاد حل سريع؟

حتى الآن، لا تبدو هناك خطة واضحة أو معلنة لإدارة مركز النزوح أو لتحديد مصير أكثر من 1600 نازح ونازحة يقيمون داخل ثانوية رفيق الحريري الثانية. وبين حديث رسمي عن حلول مرتقبة وواقع ميداني يزداد غموضاً، يعيش النازحون حالة من القلق والترقب، وسط مخاوف من نزوح جديد أو انتقال غير منظم قد يفاقم أزمتهم الإنسانية.

يعيش أكثر من 1600 نازح داخل ثانوية رفيق الحريري الثانية حالة من القلق والترقب وسط غموض يحيط بالبدائل وآلية الانتقال.

وبين وعود سياسية بتسريع المعالجة وغياب أي تفاصيل تنفيذية واضحة، تبقى العائلات داخل المدرسة في موقع «مصير معلّق»، لا تعرف كيف أو متى أو إلى أين ستنتقل في حال تم اتخاذ قرار الإخلاء.

مصير معلّق

حتى الآن، لا تزال الصورة العامة داخل ثانوية رفيق الحريري الثانية محكومة بغياب أي خطة تنفيذية واضحة أو جدول زمني معلن لمعالجة ملف النازحين. فبحسب المعطيات المتوافرة، فإن هذا الغياب في المعلومات يدفع أكثر من 1600 نازح ونازحة موزعين على ثمانية مبانٍ فضلاً عن الخيم في الملاعب، إلى حالة من القلق على المصير، وسط غموض يحيط البدائل أو آلية الانتقال إلى مراكز جديدة.

هذا الفراغ في المعطيات لا ينعكس فقط على إدارة الملف، بل يترجم عملياً على شكل حالة ضغط يومي داخل المركز، حيث تعيش العائلات على وقع الترقب وعدم اليقين، في ظل غياب أي تصور رسمي معلن يوضح مسار المرحلة المقبلة.

بين ضغط لجان الأهل وواقع النزوح

في ظاهر المشهد، يبرز ضغط لجنة الأهالي والإدارة لاستعادة المدرسة وعودة الطلاب إلى صفوفهم، في ظل اعتبار أن استمرار استخدامها كمركز إيواء بات ينعكس سلباً على العملية التربوية.

لكن حصر النقاش بواقعة «حفل التكليف» وحدها، وما تلاها من جدل، لا يعكس كامل تعقيدات المشهد داخل المدرسة. فالأزمة اليوم لم تعد تدور حول حدث بعينه، بل حول تداخل وظيفتين متناقضتين داخل المكان نفسه: وظيفة تربوية يفترض أن تعود إلى طبيعتها، مقابل حاجة إنسانية ملحّة للإيواء فرضتها ظروف النزوح.

وبهذا المعنى، لم يعد السؤال متعلقاً بموقف طرف من طرف آخر، بل بتوازن صعب بين حق الطلاب في استئناف تعليمهم داخل مدرسة مخصّصة لذلك، وحق العائلات النازحة في الحصول على مأوى بديل آمن وكريم يمنع تشتيت العائلات أو تعريضها لانتقال غير منظم.

وبالتالي، لا يبدو المشهد مواجهة بين مجتمعين بقدر ما هو أزمة إدارة مزدوجة الوظيفة داخل مساحة واحدة، تتطلب معالجة تتجاوز ردود الفعل الآنية، نحو حلّ منظم يراعي البُعد التربوي والإنساني في آن معاً.

صوت الناس: قلق واحد وتجربة واحدة

داخل ثانوية رفيق الحريري الثانية، تتشابه روايات النازحين حول واقعهم اليومي، حيث يصفون حالة عامة من الضغط النفسي الناتج عن غياب أي وضوح بشأن ما ينتظرهم.

العائلات تقول إنها لم تلجأ إلى المدرسة إلا بعد فقدان أي بديل آخر، وإنها وجدت نفسها في واقع نزوح مفتوح لم يكن محسوباً بهذه المدة أو بهذا التعقيد. ومع غياب معلومات رسمية حول البدائل، تتزايد المخاوف من انتقال غير منظم أو من توزيع قد لا يراعي وحدة العائلات وظروفها.

وفي الوقت نفسه، يشدد النازحون على أنهم لا يضعون أنفسهم في موقع مواجهة مع الأهالي أو إدارة المدرسة، ولا يعترضون على حق استعادة المبنى، بل يعتبرون أن الإشكال الأساسي يكمن في غياب خطة انتقال واضحة تحفظ كرامتهم وتراعي أوضاع الأطفال وكبار السن. كما يعبّرون عن تقديرهم لأهالي المنطقة وإدارة المدرسة التي احتضنتهم خلال فترة النزوح، معتبرين أن علاقتهم بالمكان علاقة اضطرار لا صدام.

نازحات في أحد مراكز النزوح في العاصمة بيروت

في هذا السياق، تقول أم محمد، نازحة من جبشيت، إن العائلات لم تلجأ إلى المدرسة إلا بعد فقدان أي خيار آخر: «كنا على الطريق وما كان عنا مكان. ما كان الهدف أي شي سياسي أو غيره، نحنا بدنا بس مكان آمن مؤقت».

أما أبو علي، فيتحدث عن حالة ضغط مستمرة: «منسمع عن حلول بس ما في شي رسمي. الخوف الأساسي نطلع وما نلاقي مكان مناسب، خصوصاً مع الأولاد». ويضيف أن «الغموض حول المرحلة المقبلة جعل الحياة اليومية داخل المركز مشحونة بالتوتر والترقب».

الحاج حسن يختصر المشهد بالقول إن «المشكلة لم تعد فقط مكان الإقامة، بل كيف سيتم التعامل معنا كعائلات»، مضيفاً أن غياب المعلومات الرسمية يخلق حالة ضغط نفسي مستمرة.

أما الحاجة أم علي، فتقول إن القلق بات مضاعفاً: «ما عنا فكرة لوين بدنا نروح، ولا كيف رح يكون الوضع. في خوف من التفريق بين العائلات أو نقلنا لمراكز ما بتراعي ظروفنا».

وتؤكد أن «النازحين لا يريدون أن يُنظر إليهم كعبء، بل كعائلات فرضت عليها الظروف واقع النزوح، بانتظار حل يحفظ كرامتهم».

اختبار جديد للدولة

في موازاة ذلك، يفتح ملف ثانوية رفيق الحريري الثانية باب سؤال أوسع حول طريقة إدارة الدولة لأزمة النزوح. فبين وعود سياسية أُطلقت على مستوى رئاسة الحكومة بإيجاد حل سريع، وبين الواقع الميداني داخل المركز، يبرز سؤال أساسي:

هل كانت هناك فعلاً خطة متكاملة منذ البداية، أم أن الحلول تُصاغ اليوم تحت ضغط الأزمة؟

الأزمة اليوم ليست مواجهة بين مجتمعين، بل أزمة إدارة مزدوجة الوظيفة بين حق التعليم وحاجة الإيواء الإنسانية.

حتى الآن، لا تبدو هناك معطيات تفيد بوجود تصور تفصيلي معلن يحدد آلية النقل أو البدائل أو جدول التنفيذ، ما يضع إدارة المدرسة والعائلات في موقع انتظار لمصير لم تتضح ملامحه بعد.

ويبقى السؤال المفتوح اليوم: هل تنجح الدولة في الوصول إلى حل منظم يحافظ على كرامة العائلات النازحة، ويمنح في الوقت نفسه أصحاب المدرسة حقهم في استئناف العملية التعليمية؟ أم أن غياب التخطيط أو التعثر في التنفيذ قد يؤدي إلى أزمة جديدة تُضاف إلى أزمة النزوح القائمة، عنوانها نزوح آخر أكثر تعقيداً وارتباكاً؟

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

الحرب تُربِك الموسم: الحجّ على مسؤولية الحاج!

تخيّم الهواجس الأمنية على موسم الحجّ للبنانيين هذا العام بفعل الحرب، فيما تستمر التحضيرات بحذر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *