حكومة التكنوقراط في لبنان: أدوات جديدة للمحاصصة والتبعية للخارج
موقع ميادين المقاومة
3 ساعات مضت
أخبار هامّة, الرئيسية, النشرة اللبنانية, منوّعات
تحليل نقدي لتجربة حكومة التكنوقراط في لبنان، يكشف التناقض بين التنظير والواقع، ودور التبعية الخارجية والخلل البنيوي للنظام السياسي في إفشال الحلول التقنية للأزمة الاقتصادية والمالية.

يصح إطلاق وصف «ميليشيا أمريكية» على كتل وزارية لبنانية بعد أن أضحى التمييز بين سفير ووزير صعباً!
روّج لفكرة حكومة التكنوقراط في لبنان على أنّها الحل العقلاني للأزمات المزمنة، وخاصة الأزمة الاجتماعية والاقتصادية وذلك طيلة فترة ما بعد الحرب الاهلية اللبنانية وحتى يومنا هذا. وهي ارتكزت على استبدال الطبقة السياسية المتهمة والممارسة للفساد والمحاصصة بطبقة من الاختصاصيين القادرين على الإدارة العلمية والمُدَعمة بالادلة وبالحيادية لمؤسسات الدولة.
لكن هذه الفكرة التي طبقها لبنان من خلال حكومة نواف سلام، وعند إخضاعها لقواعد المنطق السياسي بالإضافة إلى تحليل البنية العميقة للنظام السياسي اللبناني، تكشف لنا عن تناقض كبير وأساسي بين التصورات النظرية، والممارسات الفعلية للحكومة، ويَظهر أمامنا فشلاً حتمياً وجلياً.
إدخال عنصر تقني لا يغيّر في طبيعة المدخلات، وبالتالي لا يغير في طبيعة المخرجات
القاعدة المنطقية تقول انه لا يمكن معالجة خلل بنيوي جذري بأداة غير بنيوية او جذرية، فإذا ما أردنا إسقاط هذه القاعدة على الواقع الحكومي فإنّ الأزمة الاقتصادية التي ترغب الحكومة في حلها هي في عمقها أزمة نظام سياسي، وليست القشور الإدارية هي السبب الجوهري، واذا كان النظام قائم على توزيع السلطات وفق التوازنات الطائفية والسياسية فإنّ إدخال عنصر تقني، أي وزراء التكنوقراط، لا يغيّر في طبيعة المدخلات، وبالتالي لا يغير في طبيعة المخرجات.
ولتبسيط الفكرة، فكرة وزراء التكنوقراط تشبه وضع سائق محترف خلف مقود سيارة بمحرك مُعَطَّل. وعليه، فإنّ تحسين الأشخاص داخل النظام، على أهميته، لا يكفي إذا كان النظام نفسه يعيقهم، فكيف سيكون الحال إذا كان التكنوقراط أيضاً داخل الحكومة هم من طراز وزير الخارجية يوسف رجي الذي أثبتت التجربة أنّه لا يتقن ألف باء العمل الدبلوماسي، بل يتقن صناعة الاعداء لا الأصدقاء. فهذه الصنعة، أي صناعة الاعداء تحتاج إلى كلمة، أما صناعة الأصدقاء فدونها عمل وجهد ودبلوماسية ومصالح وسنوات وغيرها. وعلى هذا المقياس يقاس أداء معظم الوزراء.
فكرة وزراء التكنوقراط تشبه وضع سائق محترف خلف مقود سيارة بمحرك مُعَطَّل
من جهة ثانية، تظهر مشكلة أخرى بشكل فاضح في بنية هذه الحكومة، وهنا الأمر ليس متعلقاً بغياب الكفاءة المفقودة أصلاً لدى عدد من أعضائها، بل في وهم «الاستقلال» الذي يُسَوَّق للرأي العام. والدليل عليه ظهر مباشرة في أداء الوزراء، إذ يريدون تنفيذ برنامج عمل خاص وضيق، يتعلق بمصالح أحزابهم أو رؤسائهم، أو الأوصياء الخارجيين، سواء كانوا أميركيين أو خليجيين، إذ باتوا ممثلين لمصالح الخارج في لبنان، بحيث يصح إطلاق وصف «ميليشيا أمريكية» على كتل وزارية داخل الحكومة اللبنانية. فالتمييز بين سفير ووزير أضحى صعباً!
وفي مكان آخر وإذا اردنا ان نخوض قليلاً في صلب عمل الحكومة، فعلى مستوى المالية العامة، بلغ الدين العام في لبنان قبل الأزمة حوالي 90 مليار دولار، أي ما يفوق نسبة 170% من الناتج المحلي الإجمالي وقتها، هذا الرقم دليل على أنّ الأزمة ليست مشكلة ادارية ظرفية انما هي نتيجة تراكم سياسات مالية على مدى عقود زمنية.
وهذه الحكومة لم تغيّر في المسار الاقتصادي، ببساطة لأنها غير قادرة بطبيعتها غير السياسية. فالتغيير يحتاج لقرارات سياسية من مثل اعادة الهيكلة المصارف، توزيع الخسائر المالية بشكل عادل، الإصلاح الضريبي، إلخ… وهي قرارات تمس مصالح قوى نافذة داخل وخارج الحكومة، كما أنّ هذه الحكومة لم تستطع إلزام نفسها بالوصفات المالية والاقتصادية لصندوق الدولي راعي الخلاص السحري باعتقادهم للازمة اللبنانية.
مرتبط