عن اليمين الإسرائيلي واليمين اللبناني وقاموس الحرب الأهلية

حين يتطابق توصيف اليمين اللبناني للمقاومة مع توصيف اليمين الصهيوني لها، لا نكون أمام صحوة سيادية، بل أمام نسخة جديدة من التحالف القديم؛ تحالف لا يحتاج دائمًا إلى دبابة على الأرض، ما دام يجد في الداخل من يتكلم بلسانه.

مسلحون من حزب الكتائب يقتادون مدنيين في منطقة الكرنتينا في بيروت (getty)

حين يطلب اليمين اللبناني من الطائفة الشيعية أن تتخلّى عن خيار المقاومة، لا نكون أمام نقد سياسي لحزب محدّد، بل أمام محاكمة سياسية لطائفة بكاملها. فالسؤال لا يبقى عن سلاح حزب الله أو علاقته بإيران أو موقعه في الدولة، بل يتحوّل إلى امتحان ولاء جماعي: على الشيعة أن يثبتوا أنهم لبنانيون بما يكفي، عبر التبرؤ من الخيار الذي حملوه ودفعوا ثمنه غالياً.

هذه البيئة ليست غامضة ولا طارئة. لقد حدّدت موقفها منذ زمن إمام المقاومة السيد موسى الصدر، يوم خرجت من التهميش إلى الوعي والتنظيم، وربطت كرامتها بحماية الجنوب والدفاع عن الأرض وخيار المقاومة. وكرّرت هذا الموقف خلال فترات الاحتلال وحروبه المتكررة عليها ومارسته على مدار سنوات عبر الاستحقاقات الانتخابية المختلفة، حين منحت صوتها، على مستوى لبنان كله، ما أوصل نواب بنسبة 100% للثنائي المقاوم وحلفائه.

من حق أي طرف أن يعارض هذا الخيار. لكن ليس من حقه أن يتعامل مع طائفة مؤسسة للبنان، بأمّها وأبيها وبلحمها ودمها وتاريخها ومؤسساتها، كأنها قاصر سياسيًا أو متهمة جماعيًا. المطلوب منها، في الحقيقة، ليس أن تعلن موقفها، بل أن تغيّره؛ أن تتبرأ من خيارها التاريخي، وأن تعيد تعريف نفسها وفق شروط أعدائها.

مسلّحون من القوات اللبنانية على ملالة في أحد شوارع بيروت أثناء الحرب الأهلية (getty)

هنا يصبح الخطاب أخطر من نقد حزب. إنه محاولة لعزل طائفة كاملة عن وطنيتها، لا لأنها لم تقل كلمتها، بل لأنها قالتها ولم تعجب العدو وفريقه اليميني الانعزالي.

ومن المفارقات الفاضحة أن ورثة 17 أيار، وورثة الاستقواء بإسرائيل، يعودون اليوم لتوزيع شهادات الوطنية على اللبنانيين. الذين رأوا في الاجتياح الإسرائيلي فرصة لإعادة هندسة لبنان، وتعاملوا مع الدبابة الإسرائيلية كوسيلة لحسم ميزان القوة الداخلي، يقدّمون أنفسهم اليوم حرّاسًا للسيادة. والذين لم يراجعوا ذاكرة التحالف مع العدو، يتهمون الآخرين بالارتهان للخارج.

بهذا المعنى، لا يبدو خطاب سامي الجميّل جديدًا. إنه النسخة المحدّثة من قاموس الحرب الأهلية: قاموس يغيّر أسماء الأعداء ولا يغيّر بنيته. بالأمس كان العدو «الفلسطيني الغريب»، ثم «السوري»، واليوم «الإيراني». الوظيفة واحدة: نزع الوطنية عن الخصم الداخلي، تصويره كامتداد خارجي، تحميل بيئته مسؤولية جماعية، ثم تقديم نفسه (اليمين الانعزالي) بوصفه الوكيل الحصري للبنان والسيادة والدولة.

هنا يلتقي هذا الخطاب مع خطاب اليمين الصهيوني. فإسرائيل لا ترى في تجربة المقاومة اللبنانية الحالية تعبيرًا عن رفض احتلال وعدوان، بل تختزلها حاليا في عبارة واحدة: «ذراع إيران». واليمين اللبناني الانعزالي يردد المعنى نفسه: «فصيل إيراني، قرار إيراني، حرس ثوري، طائفة مخطوفة». كأن المطلوب محو الواقع اللبناني كله واستبداله بسردية مريحة لإسرائيل: لا مقاومة لبنانية، لا بيئة لبنانية مهددة، لا احتلال، لا ذاكرة حرب؛ فقط إيران وأدواتها.

هذه ليست مصادفة لغوية. في كل مرحلة، احتاج اليمين الانعزالي إلى صناعة «لبناني مشبوه». في الحرب الأهلية كان الفلسطيني هو الغريب الذي يجب اقتلاعه، وكانت الحركة الوطنية مشروعًا خارجيًا، وكان المسلم اللبناني (بكل مذاهبه) المطالب بتعديل النظام القائم على الامتياز الطائفي الأحادي خطرًا على «لبنان الرسالة». واليوم تعود الآلية نفسها: المقاوم ليس لبنانيًا واجه الاحتلال، بل «إيراني». وبيئته ليست بيئة لها تاريخها ودماؤها، بل طائفة مطالبة بإثبات براءتها.

لا يبدو خطاب سامي الجميّل جديدًا. إنه النسخة المحدّثة من قاموس الحرب الأهلية: قاموس يغيّر أسماء الأعداء ولا يغيّر بنيته

هكذا تنقلب المعادلة: الاحتلال لا يعود أصل المشكلة، بل المقاومة. العدوان لا يعود السبب، بل الرد عليه. وإسرائيل لا تُسأل عن حروبها واغتيالاتها، بل يُسأل اللبناني الذي قاومها عن شهادة حسن سلوك وطنية.

لم تكن العلاقة بين اليمين اللبناني الانعزالي واليمين الإسرائيلي المتطرف طارئة. لقد وجد كل طرف في الآخر مرآته. فالصهيوني اليهودي رأى قلعته التلمودية محاصرة في محيط عربي واسلامي، فرفع شعار الدفاع عن أرض الميعاد عبر «الجدار الحديدي» والصهيوني المسيحي رأى حملته الصليبية مهددة من نفس المحيط فاستحضر صليبه المشطوب ورفع شعار «احمل صليبك واتبعني».

من هذه الرؤية وُلد التحالف.

حين اجتاحت إسرائيل لبنان عام 1982، دخلت ساحة مهّد لها خطاب لبناني يعتبر أن الخطر الحقيقي ليس في الدبابة الإسرائيلية، بل في المخيم الفلسطيني المهُجَّر؛ ليس في المشروع الصهيوني الغاصب، بل في الحركة الوطنية المقاومة؛ ليس في الاحتلال، بل في الشريك الداخلي الذي يجب تأديبه وإقصائه.

ثم جاء اتفاق 17 أيار 1983 ذروةً سياسية لذلك المسار: محاولة لإخراج لبنان من موقعه في الصراع مع إسرائيل، وتحويله إلى بلد منزوع الدور والذاكرة والقدرة على الاعتراض. كان المطلوب لبنانًا بلا مقاومة، بلا صلة بفلسطين، وبلا قدرة على قول لا في وجه العدو وذلك تحت شعار قوة لبنان في ضعفه.

ولا يمكن فصل ذلك عن صبرا وشاتيلا. فالمجزرة لم تبدأ بالرصاص وحده؛ بدأت باللغة. قبل أن يدخل القتلة إلى الأزقة، كانت السردية الانعزالية قد مهّدت لهم: هؤلاء ليسوا ضحايا، بل خطر، ليسوا لاجئين، بل احتلال، ليسوا بشرًا، بل كتلة يجب التخلص منها. لذلك، حين توضع اليوم طائفة كاملة في موقع الاشتباه، يجب التوقف عند ذلك ملياً. ليس لأن التصريح يساوي المجزرة، بل لأن المجازر تبدأ من نزع الوطنية، ثم نزع الشرعية، ثم نزع الإنسان.

مدنيون يقتادون على أحد الحواجز أثناء الحرب الأهلية (getty)

أخطر ما في خطاب اليمين الانعزالي اليوم أنه يكاد يجعل إسرائيل شاهدًا على وطنية اللبنانيين. فإذا قالت إن حزب الله ذراع إيرانية، كرروا القول. وإذا قالت إن المقاومة خطر على لبنان، تبنّوا المعنى. وإذا قالت إن المشكلة في بيئة المقاومة، صار على هذه البيئة أن تثبت العكس.

هكذا تكتمل الدائرة: اليمين الصهيوني يعرّف العدو، واليمين الانعزالي يترجم التعريف بلكنة لبنانية. الأول يريد نزع سلاح لبنان المقاوم لمشروعه التوسعي، والثاني يدعم ويحرص على تطبيق ذلك باسم الدولة. الأول يريد لبنانًا بلا ردع، والثاني يسمي ذلك خلاصًا وطنيًا.

يمكن أن يتفهم الطرف الاخر (بحسب توصيف رئيس الجمهورية) نقد حزب الله وسلاحه وتحالفاته وموقعه في الدولة. لكن لا يمكن أن يتفهم تحويل هذا النقد إلى محاكمة لطائفة، أو إعادة إنتاج خطاب استدعى إسرائيل مرة وقد يستدعيها مرة أخرى باسم الخلاص.

وحين يتطابق توصيف اليمين اللبناني للمقاومة مع توصيف اليمين الصهيوني لها، لا نكون أمام صحوة سيادية، بل أمام نسخة جديدة من التحالف القديم؛ تحالف لا يحتاج دائمًا إلى دبابة على الأرض، ما دام يجد في الداخل من يتكلم بلسانه، وينفذ مهامه المستحيلة نيابة عنه، وذلك بأدوات رسمية وسلطة شرعية ودعم خليجي وغطاء امريكي.

في النهاية أصبح واضحاً للجميع أن الطرف الآخر يرفض الشراكة ويريد لبنان كما يحبه ويراه هو وهذا أمر ممتنع لأن موازين القوى في العالم قد تغيرت ،وأن لبنان السيد الحر المستقل لا يمكن أن يستقر حين تتحول أكثر طائفة مهددة ومضحية فيه إلى متهمة ومستهدفة في وجودها، و يصبح الاحتلال الخارجي اقرب من الشريك الداخلي المقاوم. بل ينجو فقط حين يُكسر هذا المنطق من جذوره: منطق، أن ارادة العدو وفريقه الداخلي هو الوسيلة الفضلى لتصحيح ميزان الوطن ومفهوم المواطنة والوطنية الحقيقية.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

ابن فرحان يوفد نواب جعجع لدعم رئيس الجمهورية!

أتت زيارة الوفد النيابي القواتي إلى قصر بعبدا، لدعم رئيس الجمهورية جوزاف عون، في خيار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *