النزوح كاختبار للتضامن الوطني

عمد العدو إلى تضخيم حالة النزوح باستهداف جميع المناطق التي يعتبرها بيئة حاضنة للمقاومة، في الجنوب والبقاع والضاحية، ما خلق معضلة في لبنان المنقسم على ذاته، وإن كان يبدو في الشكل موحداً.

ما لم يكن طبيعياً هو أن تجد قوى تمارس تحريضاً واضحاً على النازحين

أن يحصل النزوح إلى مناطق أكثر أمناً، أمرٌ طبيعي في حال الحروب، فعندما يشعر المواطن بالخطر على نفسه وعائلته، ينتقل إلى منطقة أخرى، ليحافظ على حياته وحياة أفراد عائلته.

وعادةً ما تبادر الدولة والمجتمع الأهلي إلى بذل كل الجهود والإمكانات لمساعدة النازحين، باعتبار كونهم الفئة الأكثر تضرراً من الحرب؛ لكن في لبنان، يبدو الموضوع أشدّ إشكالية، والسبب يعود إلى أمرين: الأول، الاستلاب، والطبيعة الطائفية أو المناطقية… التي قد تطغى في موردٍ أو آخر. والثاني، اتخاذ العدوّ الإسرائيلي ظاهرة النزوح كأداة ضغط في عدوانه على الشعب والوطن والمقاومة.

لذلك، عمد العدو إلى استهداف جميع المناطق التي يعتبرها بيئة حاضنة للمقاومة، في الجنوب والبقاع والضاحية، فكان النزوح إلى مناطق لبنانية أخرى، وقد لاقى النازحون -وهذه شهادة للتاريخ- الكثير من التضامن الوطني والإنساني في مختلف المناطق اللبنانية، ولدى مختلف الطوائف والعائلات الروحية في لبنان، وكانت هناك مواقف مشرّفة، تنبئ عن مستوى راقٍ من الحسّ الوطني والضمير الإنساني، لدى قيادات وطنية أو دينية وبلديات ونخب وشخصيات وأفراد… ما أمكن تحويل النزوح إلى فرصة للتضامن الوطني، وإلى أن يكون صفحة مشرِقة، تفصح عن بقية خيرٍ وجمالٍ وإنسانية في هذا الوطن، وهو ما سيحفر عميقاً في وجدان الوطن وذاكرته، وتحديداً البيئة المستهدفة من النازحين وأهلهم، وخصوصاً أن النزوح في لبنان لم يكن يوماً حكراً على فئة دون أخرى، حيث تعتبر طبيعة الاستجابة اختباراً للحسّ الوطني، ومدى رسوخ القيم الأخلاقية والإنسانية لديه؛ لكن العدوّ الإسرائيلي، وعلى عادته في استهداف مجمل نقاط القوة في هذا الوطن، عمد إلى استهداف مواطن النزوح أيضاً، تحت ذرائع شتى، وكان هدفه من هذا الفعل:

  1. مزيد من الضغط على السلطة في لبنان وعلى بيئة المقاومة،

  2. محاولة إيجاد فتنة بين النازحين وبين مواطن النزوح،

  3. تشويه النموذج اللبناني في تضامنه الوطني والإنساني،

  4. معاقبة مواطن النزوح، لأن العدوّ ينظر إلى هذا التضامن الوطني على أنه وجه من وجوه الردّ على عدوانه وإجرامه.

أن يرتكب العدوّ المجازر، فهذا ديدنه وطبيعته في الوحشية والإجرام، والقتل والعدوان، لكن ما لم يكن طبيعياً أو أخلاقياً أو إنسانياً أو وطنياً، هو أن تجد قوى أو وسائل إعلام أو شخصيات لبنانية تمارس تحريضاً واضحاً وممنهجاً على النازحين

وأن يقوم العدوّ بفعله هذا، فهذا ديدنه وطبيعته في الوحشية والإجرام، والقتل والعدوان، لكن ما لم يكن طبيعياً أو أخلاقياً أو إنسانياً أو وطنياً، هو أن تجد -في المقابل- قوى أو وسائل إعلام أو شخصيات لبنانية تمارس تحريضاً واضحاً وممنهجاً على النازحين، ما انعكس خوفاً لدى العديد من الأفراد -أو الجماعات- الذين منهم من كان يعبّر عن خوفه بشكل لائق، لكن كان هناك من كان ينزلق -عن قصد أو غير قصد- إلى خطاب طائفي أو سلوكيات مخالفة لأي معنى إنساني أو أخلاقي، حتى إنه قد حصلت أحياناً تصرفات تمثل نوع عارٍ إنساني وأخلاقي بحقّ من ارتكبها أو أيّدها أو حرّض عليها أو رضي بها؛ وحتى إن حصلت حوادث يتيمة ومنعزلة، لا ينبغي اتخاذها ذريعة لممارسة التحريض الطائفي، أو الانزلاق إلى الاصطفاف مع العدو في تحقيق أهدافه.

فحقيقة الموضوع -وبمعزل عن أي أمر آخر- أن هناك لبنانيين نزحوا من أرضهم وبيوتهم، نتيجة عدوان إسرائيلي يستهدفهم بالقتل والإجرام، وهم يرون بيوتهم تُدمّر، والمجازر تُرتكب بحق أهلهم، ويَصلهم في كل يوم خبرٌ عن شهادة أحد أبنائهم أو أقاربهم أو أصدقائهم، في معركة كان يجب على جميع فئات الوطن أن تشارك فيها، لكنهم حملوا هذه المسؤولية عن كل الوطن وعن جميع فئاته، وهم يبذلون كل ما لديهم، ويدفعون أغلى التضحيات دفاعاً عن الوطن وكرامته وسيادته وأرضه واستقلاله؛ أليس من أقل الإيمان، وطنياً وإنسانياً، أن يكون لدى الجميع مستوى متقدم من التضامن الوطني، بعيداً عن كل ذلك الإرجاف والتحريض العنصري، الذي تمارسه جهات مشبوهة ووسائل إعلام عميلة، تتعاون مع العدوّ في تحقيق أهدافه، في الدفع بالبلاد نحو الحرب الأهلية، وزرع الفتنة، وترويج الأكاذيب، وممارسة حرب نفسية على الوطن وأهله؟ أليس من واجب السلطات المختصة -من وزير الإعلام إلى غيره- أن تبادر إلى لجم كل من يشترك مع العدوّ في ممارسة التحريض والحرب الإعلامية؟ أليس من واجب جميع العقلاء التحذير من ألسنة الإرجاف وهذه الأصوات النشاز؟ أليس من واجب النخب الوطنية والقيادات الدينية العمل على منع هذه الأبواق من العبث بالسلم الأهلي والتحريض على الفتنة ومساندة العدو في عدوانه وإجرامه؟

وهنا أختم بوصية:

  1. إلى النازحين، ومفادها ضرورة مراعاة مخاوف من نزحوا إليهم، فهم -إلى حدّ ما- ضحايا سموم التحريض الإعلامي والعنصري، ما يتطلب أقصى درجات الالتزام والمداراة.

  2. إلى مواطن النزوح وأهلها، ومفادها أن النازحين هم مواطنون لبنانيون، أُجبروا على ترك منازلهم وأرزاقهم، ما يتطلب أقصى درجات التضامن الوطني معهم، وعدم الاستماع إلى أبواق الفتنة أو التأثر بتحريضها أو نشر أكاذيبها.

  3. إلى جميع النخب الوطنية وذوي العقل والحكمة في هذا الوطن، بأن يقوموا بدورهم في تحصين الوعي الوطني ومواجهة دعاة الفتنة والساعين إلى الحرب الأهلية، الجاهدين في إشعال نارها.

  4. إلى السلطات اللبنانية، أن تتحمل مسؤولياتها في المورد الصحيح، بأن تقوم بدورها في لجم ومعاقبة من يحرّض على النازحين ويفتري عليهم الأكاذيب، ومن يعمل على تحويل النزوح من ظاهرة إنسانية وطنية إلى ظاهرة أمنية فتنوية، خدمةً للعدوّ وأهدافه.

  5. إلى كل من كانت سريرته أقرب إلى القيم الوطنية والإنسانية وإلى المعاني الدينية الحق في الوقوف بوجه الظلم والإجرام، أقول: إن كل من أعان بكلمة أو موقف أو فعل… فهو شريك في النصر القادم بإذن الله، وأن كل من أعان ظالماً أو مجرماً بكلمة أو فعل أو رضى أو سكوت، فهو شريك له في ظلمه وإجرامه، بل وفي هزيمته وعاره، الذي سيحفظه التاريخ، في سجلّ الوطن والإنسان.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

قانون العفو العام نحو الإقرار… والكل رابح

تكشف النقاشات المحتدمة حول اقتراح قانون العفو الصراعات السياسية معطوفة على الحسابات الانتخابية، بينما يسيطر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *