بين سطوة الميدان وارتهان القرار: هل تبدّد السلطة أوراق قوة لبنان؟

إن قراءة مشهد التفاوض المذل الذي ترتضيه السلطة السياسية في لبنان يتطلب تفكيكاً بنيوياً يربط بين التاريخ القانوني للصراع، وبين الواقع السياسي الراهن الذي يتسم بوجود سلطة تنفيذية تبدو وكأنها تسعى لتبديد أوراق قوتها الوطنية إرضاءً لوسطاء دوليين

تاريخ المفاوضات اللبنانية مع العدو يكشف أنها لم تكن يوماً مساراً وطنياً موحداً

تُطرح اليوم مسألة المفاوضات بين الدولة اللبنانية والعدو الإسرائيلي في توقيت سياسي حرج، يتجاوز كونه مجرد بحث عن ترتيبات حدودية أو أمنية عابرة، ليصبح اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الدولة على الحفاظ على مكتسباتها الميدانية أمام الضغوط الدبلوماسية الدولية. إن قراءة هذا المشهد تتطلب تفكيكاً بنيوياً يربط بين التاريخ القانوني للصراع، وبين الواقع السياسي الراهن الذي يتسم بوجود سلطة تنفيذية تبدو وكأنها تسعى لتبديد أوراق قوتها الوطنية إرضاءً لوسطاء دوليين، بدلاً من استثمار «الاقتدار الميداني» كرافعة لانتزاع الحقوق المغتصبة.

أولاً: الجغرافيا السياسية للتفاوض مسار من المواجهة الدبلوماسية والقانونية

إن استقراء تاريخ المفاوضات اللبنانية مع العدو الإسرائيلي يكشف أنها لم تكن يوماً مساراً وطنياً موحداً أو نابعاً من إرادة جامعة، بل تحولت في معظم محطاتها إلى مادة سجالية ومحركاً للتوتّر والصراع الحاد بين المكونات اللبنانية. فإذا كانت بعض الجولات قد فرضتها حقائق الميدان وتوازنات القوة كضرورة دفاعية، فإن جولات أخرى، وعلى رأسها اتفاق 17 أيار، ولدت برغبة ورضا أطراف داخلية سعت لتوظيف الثقل الخارجي لفرض واقع سياسي جديد، مما جعل من فعل التفاوض أداة لتعميق الانقسام الداخلي أكثر منه وسيلة لحماية المصالح الوطنية العليا. ومن هنا، يغدو استحضار هذه المحطات ضرورياً لفهم «الفخ» الراهن وكيفية تكرار سيناريوهات الارتهان التي تجعل من طاولة المفاوضات امتداداً لأزمة الهوية والقرار في لبنان:

اتفاقيّة الهدنة (1949):

وُقّعت في رأس الناقورة برعاية الأمم المتحدة غداة نكبة فلسطين. ورغم طابعها العسكري التقني الهادف لوقف الأعمال العدائية، إلا أن قيمتها القانونية تكمن في اعترافها بـ «خط الهدنة» كترسيم يستند أصلاً إلى الحدود الدولية المرسّمة عام 1923 (اتفاقية بوليه-نيوكومب). لذا، تظل هذه الاتفاقية الوثيقة الدولية الأهم التي تُحَصِّن الحقوق اللبنانية الجغرافية، وهي المرجعية التي يسعى العدو دوماً لتجاوزها أو إعلان موتها السريري لفرض وقائع قضم ميدانية جديدة خارج إطار الشرعية الدولية.

اتفاق 17 أيار (1983) :

يمثّل هذا الاتفاق النموذج الصارخ للمفاوضات التي وُلدت في رحم الإكراه العسكري والارتهان السياسي. ورغم أن العدو سعى، بدعم أمريكي مباشر، لفرض ترتيبات تُخرج لبنان من هويته وانتمائه وتجعله تابعاً للاحتلال، إلا أن الخطورة تمثّلت في تساوق سلطة لبنانية آنذاك مع هذا المسار واعتباره خياراً إنقاذياً، مما حوّل الاتفاق إلى صاعق تفجير داخلي وشرخ وطني غير مسبوق. سقط الاتفاق بفضل الرفض الشعبي العارم والعمليات الميدانية، مما شكّل تأكيداً ميدانياً للقاعدة القانونية الراسخة في اتفاقية فيينا (1969)، والتي تقضي ببطلان المعاهدات الناتجة عن الإكراه، كما جسّد واقعاً سياسياً لبنانياً يرفض المقايضة على الثوابت الوطنية.

تفاهم نيسان (1996) :

شكّل هذا التفاهم منعطفاً قانونياً وميدانياً مفصليّاً، إذ انتزع لبنان اعترافاً دولياً وإسرائيلياً ضمنياً بـشرعية فعل المقاومة في الدفاع عن الأرض ضد الاحتلال. تكمن القيمة القانونية لهذا التفاهم في مأسسة قواعد الاشتباك عبر لجنة مراقبة خماسية، مما حوّل المواجهة إلى نزاع محكوم بضوابط دولية تهدف لتحييد المدنيين. لقد أثبت هذا المسار عملياً أن التفاوض لا يؤتي ثماراً سياديّة إلا حين تصبح كلفة العدوان في الميدان أكبر من قدرة العدو على الاحتمال، مما يدفعه للقبول بترتيبات تَقُص أجنحة آلة حربه.

تفاهمات القرار 1701 (2006):

جاء هذا القرار الدولي في أعقاب عدوان تموز ليضع حداً للأعمال القتالية، لكنه في جوهره مثّل ساحة مفاوضات دولية كبرى. حاول العدو، عبر الضغط الأمريكي في مجلس الأمن، فرض ترتيبات أمنية تقضي بنزع سلاح المقاومة في جنوب الليطاني وتحويل القوات الدولية (اليونيفيل) إلى قوة ردع تحت الفصل السابع. إلا أن عجز الآلة العسكرية الإسرائيلية عن تحقيق نصر حاسم في الميدان، حوّل القرار من أداة لفرض الاستسلام إلى حالة من «الردع المتبادل»، حيث فشلت الدبلوماسية في انتزاع ما عجز عنه الاحتلال في البر، فبقي القرار 1701 وثيقة تُثبت التوازنات الميدانية أكثر مما تفرض وقائع سياسية نهائية.

اتفاق ترسيم الحدود البحرية (2022) :

يمثّل المحطة الأحدث والأكثر دلالة في صراع الإرادات؛ إذ تبرز قيمته الحقيقية عند مقارنته بـ «خطيئة الترسيم» مع قبرص عام 2007، حين تهاون المفاوض الرسمي وتنازل عن مساحات وطنية واسعة نتيجة انعدام الرؤية التقنية والوطنية. ورغم أن اتفاق 2022 انتهى بانتزاع حقل «قانا»، إلا أنه كشف عن فجوة عميقة بين اقتدار الميدان وارتهان السلطة؛ فبينما فرضت معادلة الردع واقعاً جديداً، حين جابت مسيّرات المقاومة سماء فلسطين المحتلة فوق حقول الغاز، مرسلةً رسالة واضحة بأن استخراج العدو لثرواته مرهونٌ بحصول لبنان على حقوقه، سارعت السلطة السياسية إلى التنازل عن «الخط 29» (المطلب القانوني والتقني للجيش اللبناني) والقبول بـ «الخط 23» لإرضاء الوسيط الأمريكي وتجنب الضغوط الدبلوماسية. هذا الاتفاق أثبت بالدليل القاطع أن الميدان هو الذي يحمي الثروة، ولكن «الدبلوماسية المرتهنة» قد تُبدد أجزاءً من الحقوق الجغرافية على مذبح الترضيات الدولية، مما يجعل المنجز البحري منقوصاً بفعل ضعف الإرادة السياسية.

 

ثانياً: أسس وأهداف المفاوضات الدولية: قراءة في القواعد القانونية والمصالح السياسية

في فقه القانون الدوّلي وأدبيات العلاقات الدولية، تُعد المفاوضات أداة لتسوية النزاعات، لكنها تخضع لمعايير صارمة لضمان مشروعيتها:

مبدأ الإرادة الحرة: تنص اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات (1969)، وتحديداً في المادة 52، على بطلان أي معاهدة يتم إبرامها نتيجة التهديد باستخدام القوة. إن أي ضغوط تُمارس على لبنان اليوم لفرض شروط تمس بسلامة أراضيه أو تفرض عليه قيوداً أمنية مجحفة تقع تحت طائلة «الإكراه الدولي»، مما يجعل أي اتفاق ناتج عنها فاقداً للشرعية القانونية المستدامة.

الحق في الدفاع عن النفس: يمنح ميثاق الأمم المتحدة (المادة 51) الدول حقاً أصيلاً ومقدساً في الدفاع عن نفسها ضد أي عدوان. وبما أن العدو الإسرائيلي لا يزال يحتل أجزاءً من الأرض اللبنانية ويخرق الأجواء يومياً، فإن فعل المقاومة يندرج تحت هذا الحق القانوني الصرف. لذا، فإن أي محاولة لجعل المقاومة خارجة عن القانون في سياق المفاوضات هي محاولة لتعطيل مادة أساسية في ميثاق الأمم المتحدة نفسه.

الأهداف الاستراتيجية: يسعى العدو من المفاوضات إلى تحقيق «الأمن المجاني» والاعتراف بحدود احتلاله، بينما يجب أن يكون هدف لبنان هو استعادة كامل حقوقه وحماية ثرواته، وهو ما لا يتحقق بـالارتهان لوعود الوسطاء، بل بالتمسك بعناصر القوة الذاتية.

ثالثاً: مأزق التفويض والالتزام: حين تفاوض الحكومة على ما لا تملك

يجد لبنان نفسه اليوم أمام مقترحات تفاوضية تُدار في بيت الطاعة الأمريكي، حيث تلعب الإدارة الأمريكية دور الوسيط الذي ينطق بلسان العدو ويحمل شروطه. وهنا تبرز إشكالية الأداء الحكومي اللبناني:

تبديد أوراق القوة:

بدلاً من أن تستثمر الحكومة اللبنانية في حالة الاقتدار التي يفرضها الميدان لتحسين شروط التفاوض وانتزاع مكاسب وطنية، نجدها تتبنى خطاباً وممارسات تهدف إلى استرضاء الراعي الأمريكي. لقد وصلت الأمور إلى حد اتخاذ قرارات تضع المقاومة في خانة «الخروج على القانون»، وترجمة ذلك ميدانياً عبر ملاحقة العناصر المقاتلة المتوجهة للدفاع عن الجنوب. هذا السلوك لا يُضعف المقاومة بقدر ما يُعرّي الدولة من الورقة الوحيدة التي تمنحها وزناً في المحافل الدولية. فالدولة التي تلاحق حُماتها هي دولة تتنازل طوعاً عن حصانتها الوطنية.

الارتهان للقرار الخارجي:

إن الحكومة الحالية، بتبنيها للمقترحات الأمريكية دون نقاش جدي حول تكلفتها الوطنية، تضع لبنان في حالة «تبعية بنيوية». المفاوض اللبناني اليوم يبدو وكأنه يعمل تحت وصاية وليس كطرف أصيل يدافع عن مصالح شعبه، مما يجعل الموقف الرسمي اللبناني باهتاً وعاجزاً عن مواجهة الغطرسة الإسرائيلية المدعومة أمريكياً.

رابعاً: تفكيك مغالطة أوهام «قرار الحرب والسلم»

تتصدّر بعض الدوائر السياسية المتماهية مع أجندات جهات خارجية معادية للمقاومة سرديةٌ مضللة تدعي ضرورة استعادة الدولة لـ «قرار الحرب والسلم»؛ والتدقيق العلمي والواقعي ينسف هذه المقولة من أساسها وفق المنطلقات التالية:

العدو كمبتدئ دائم بالعدوان: في فقه القانون الدولي، الطرف الذي يحتل الأرض، ويخرق الحدود، ويستهدف المدنيين هو الذي يملك قرار الحرب ويمارسه فعلياً. منذ عام 1948، كان قرار الحرب والسلم بيد تل أبيب حصراً؛ فهي التي تقرر توقيت الاجتياح، ونوع الاغتيال، وحجم تدمير البنى التحتية. إن الاحتلال، في تعريفه القانوني، هو حالة حرب مستمرة مفروضة على لبنان، مما يجعل الحديث عن قرار لبناني ببدء الحرب مجافياً للواقع التاريخي والقانوني.

المقاومة كفعل دفاعي ضروري: إن محاولة تحميل المقاومة مسؤولية قرار الحرب تنطوي على تبرئة ضمنية ومرفوضة للعدو من عدوانه القائم والمستمر. فالمقاومة لا تفتعل حرباً، بل تمارس حقها المشروع في الرد على اعتداء واقع. بناءً عليه، فإن «قرار السلم» الحقيقي لا يتحقق بـتوقيعات حكومية ورقية تفتقر لأدوات الإلزام، بل بإجبار المعتدي على وقف عدوانه قسراً، وهو ما لا تملكه السلطة التنفيذية بغير قوة الميدان التي تسعى اليوم، ويا للمفارقة، لمحاصرتها وإضعافها.

خامساً: معضلة الإلزام: مفاوضات بلا ركائز

تأتي المقترحات الحالية للسلطة اللبنانيّة في ظل شرخ عميق يجعل من أي اتفاق «حبراً على ورق» لعدة أسباب:

عدم القدرة على مواجهة العدو:

الحكومة اللبنانية، التي لا تجرؤ على تقديم احتجاج فاعل ضد الخروقات اليومية لأجوائها، لا تملك القدرة السياسية أو العسكرية على فرض أي شروط سيادية على طاولة المفاوضات.

عدم القدرة على إلزام الميدان:

بما أن السلطة التنفيذية اتّخذت مساراً معادياً للمقاومة إرضاءً لواشنطن، فقد فقدت المشروعية الأخلاقية والقدرة الواقعية على إلزام القوى الميدانية بأي اتفاق لا يلبي تطلعات الشعب اللبناني في حماية أرضه. المقاومة، التي ترى في الأداء الرسمي تساوقاً مع الأجندات المعادية، لن تجد نفسها معنية باتفاقات تُحاك في غرف «التبعية» وتهدف إلى تطويق دورها الدفاعي.

نحو استراتيجية وطنية متماسكة

إن فخ التفاوض الحالي يهدف إلى انتزاع تنازلات من لبنان في لحظة ضعف سياسي رسمي. ولكن، ما يغيب عن حسابات المراهنين على الضغوط الخارجيّة هو أن الميدان لا يزال يمتلك الكلمة الفصل. إن أي مفاوضات لا تنطلق من قاعدة «تكامل القوى» بين الدولة ومقاومتها هي مغامرة محكومة بالفشل.

على الحكومة اللبنانيّة أن تعي يقيناً أن بيت الطاعة الأمريكي لن يمنحها سوى سراب الوعود، بينما اقتدار الميدان هو الحقيقة الصلبة التي تحمي الجغرافيا وتصون السيادة. إن المطلوب اليوم ليس مجرد إدارة أزمة، بل التحرر من إرث الارتهان؛ وذلك عبر التوقف الفوري عن استنزاف أوراق القوة الوطنية بسياسات التضييق والملاحقة، والشروع في تحويل قُدرات المقاومة إلى رافعة تفاوضية صلبة تفرض الحقوق ولا تستجديها. فالتاريخ لن يرحم حكومةً تُفرّط في قوتها وقوّة شعبها في لحظات المصير.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

رابطة الأساتذة المتفرّغين في «اللبنانية» تعلن موعد الإضراب

أعلنت الهيئة التنفيذية لرابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية الإضراب في جميع وحدات وكليات ومعاهد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *