أقلّ من هدنة وأكثر من احتلال: البلدات الأمامية في رعاية السيادة أم الإبادة؟

الهدنة بين لبنان والكيان هي هدنة موجودة على الورق فقط، وفي الخطابات الرسمية، فالجنوب يدمر حجراً حجر، وتنسف القرى والأعيان المدنية في إبادة للمساكن.

في سعيه إلى فرض واقع ميداني في البلدات الأمامية جنوب لبنان، لا يكتفي العدو الإسرائيلي بمجرد الاحتلال، بل يتعداه إلى تكريس واقع جغرافي من خلال التدمير، وتكريس واقع ديموغرافي من خلال التهجير.

التحديثات التي تأتي من صور الأقمار الصناعية تكشف عن إبادة عمرانية ينفذها العدو بوسائط متعددة قصفًا وجرفًا ونسفًا، وتعبر عن تبني الاحتلال منطقة عازلة في جنوب لبنان مشابهة لتلك الموجودة في غزة، عبر تثبيت ما أُعلن عنه مؤخرًا: «خطًا أصفر» ترسمه إسرائيل جنوب لبنان.

ما يسميه الاحتلال «خطًا أصفر» يشمل المنطقة الحدودية بدءًا من الحدود الشمالية الشرقية مع سوريا، مرورًا بحاصبيا ومرجعيون والخيام، وصولًا إلى عيترون ومارون الراس وبنت جبيل جنوبًا، بعمق يتراوح بين 5 و10 كيلومترات، وانتهاءً مع امتداد مماثل على الساحل الغربي مقابل البياضة والناقورة. وتشمل هذه المنطقة 55 قرية وبلدة، من بينها مدينتان أساسيتان هما الخيام وبنت جبيل.

ولسوء حظ أبناء هذه البلدات، فقد تم بقرار أميركي مجددًا تمديد الهدنة لثلاثة أسابيع، بعد هدنة استمرت عشرة أيام من تاريخ إعلانها في 16 نيسان، وهو ما يشكل فرصة إضافية للاحتلال لتوسيع رقعة الدمار، وإتاحة الحرية لآلياته وجرافاته للعمل بحرية أوسع تحت مظلة الهدنة، خلافًا لما كان عليه الوضع قبلها. إذ تشير المعطيات إلى أنه في ثلاثة أيام فقط من الهدنة، تدمرت 428 وحدة سكنية، وتضررت 50 وحدة أخرى، وفقًا لآخر إحصاء صادر عن المجلس الوطني للبحوث العلمية، بما يعكس تصاعد وتيرة الهدم خلال الهدنة.

وهي هدنة موجودة فقط على المنابر وفي الخطابات الرسمية، استنادًا إلى ما تقوله اللجنة البرلمانية لحماية الأعيان المدنية التي تشكلت حديثًا، في إشارة إلى خطورة خروقات الاحتلال للهدنة، ليس فقط في البلدات الخاضعة لسيطرته، بل أيضًا في تلك التي يشرف عليها بالنار في النسق الثاني، على غرار كفرا وصربين من موقع تمركز قواته في رشاف، وبرعشيت وشقرا عبر موقع جل الدير في عيترون، وغيرها من البلدات الواقعة ضمن شعاع انتشاره العسكري، لتعميق «الخط الأصفر» نحو بلدات أخرى، في تكرار لما ثبّته سابقًا كمجال حيوي له في محيط النقاط الخمس التي احتلها إبان معركة أولي البأس، واتخذها نقطة انطلاق لابتلاع مزيد من الأراضي اللبنانية ضمن سياسته التوسعية.

في ثلاثة ايام من الهدنة تدمرت 428 وحدة سكنية، و50 وحدة سكنية تضررت وفقاً لآخر احصاء صادر عن المجلس الوطني للبحوث العلمية

والفرصة لم تكن وليدة الصدفة، فلو لم يُتح للعدو تدمير البلدات الأمامية خلال فترة الهدنة عام 2024، لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم، بحسب ما يؤكد النائب أشرف بيضون، العضو في اللجنة البرلمانية لحماية الأعيان المدنية.

وبهذا المعنى للرعاية الأميركية للمفاوضات، وللصداقة الأميركية مع لبنان، فبدل أن تكون الهدنة وقفًا للأعمال القتالية بين المقاومة والعدو، تتحول إلى فرصة للإسرائيلي للقيام بمزيد من التفجير والتجريف والنسف وإبادة أحياء وبلدات عن بكرة أبيها في الجنوب. لكن «ما هكذا تُورَد الهدن» يا واشنطن، إلا إذا كان المقصود أميركيًا رعاية الاحتلال لا رعاية الهدنة، وهو ما لم يعد خافيًا، بعد ما أوردته القناة 12 العبرية من أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تفهّم الموقف الإسرائيلي بالرد «المحسوب والمحدود» على حزب الله. ويزداد الأمر خطورة عندما يعلن بنيامين نتنياهو شخصيًا أن هذه العمليات العسكرية في لبنان تجري وفق تفاهمات مع الدولة اللبنانية، ما يطرح تساؤلات جدية حول مصير آلاف النازحين الذين دُمرت منازلهم واحتُلت بلداتهم.

وفي هذا السياق، تعكس المواقف الأميركية والإسرائيلية، المعلنة والمضمرة، وآخرها ما صدر عن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي وصف الوضع بين لبنان والاحتلال بأنه «فريد من نوعه» وأن الطرفين ليسا في حالة حرب، مؤشرات مقلقة بشأن مسار المفاوضات، وتفتح الباب أمام مخاوف حقيقية على مصير عشرات البلدات الجنوبية جغرافيًا وديموغرافيًا.

وفي المقابل، يرى كثيرون أن هذه المعطيات تمنح شرعية متزايدة لتبني خيار المقاومة كسبيل للتحرير والحماية، خصوصًا في ظل شعور أبناء هذه المناطق بأنهم باتوا خارج الحسابات السياسية والاجتماعية، مع تراجع الاهتمام بملف النازحين بذريعة «الهدنة»، رغم ما تمثله هذه القضية من بعد إنساني ووطني جامع.

وفي إطار التحرك القانوني، تستعد اللجنة البرلمانية لحماية الأعيان المدنية لعقد لقاء قريب مع رئيس الجمهورية جوزاف عون، بمشاركة وفد من نقابة المحامين، حاملةً ملفًا قانونيًا لملاحقة جرائم الاحتلال في البلدات الأمامية عبر مسارات دولية، من بينها المحكمة الجنائية الدولية، لمحاسبة المسؤولين، وفي مقدمهم نتنياهو، على ما يُعد جرائم حرب في لبنان.

ويؤكد مجمل ما يجري أنه لا فرق لدى العدو الإسرائيلي بين هدنة واحتلال إلا بدرجة التدمير، وأن المسار الزمني المرتبط بالمفاوضات في واشنطن، بما يحمله من كلفة إنسانية ومادية، لا يمكن أن يكون إلا مرحلة مؤقتة، لا واقعًا دائمًا.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

الخطيب: لا نريد لرئيس الجمهورية أن يكون طرفاً

أكد نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الشيخ علي الخطيب، ضرورة «التفاهم الوطني على كل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *