التفاف شعبي حول القوات المسلّحة: 67.5% من الإيرانيين يرون بلادهم منتصرة
موقع ميادين المقاومة
18 ساعة مضت
أخبار هامّة, الرئيسية, النشرة الدولية, منوّعات
بين نهارٍ تبدو فيه الحياة طبيعية، وليلٍ تمتلئ فيه الشوارع بالتجمّعات الداعمة للموقف الرسمي الإيراني في الحرب، تكشف استطلاعات الرأي في إيران عن تماسك داخلي واسع ورفضٍ لأيّ تسوية لا تضمن شروط طهران.

تجمعات يومية مؤيدة للموقف الإيراني في الحرب
عندما تتجوّل في شوارع طهران نهاراً، يبدو المشهد مألوفاً: حركة مرورية كثيفة، موظفون يتّجهون إلى أعمالهم، متاجر مفتوحة، وناس منشغلون بتفاصيل حياتهم اليومية على الرغم من أجواء الحرب. لكن مع حلول الساعة الثامنة ليلاً، تنقلب صورة العاصمة كما باقي المدن الإيرانية إلى مشهد مختلف تماماً؛ فالساحات العامة والطرق الرئيسَة تمتلئ بتجمّعات شعبية وفعّاليات ليلية تمتدّ حتى ساعات متأخّرة، ويشارك فيها المواطنون بكثافة، حاملين الأعلام، ومردّدين الشعارات الداعمة للقوات المسلحة، في مشهد يعكس حالة تعبئة اجتماعية واسعة فرضتها ظروف الحرب. ولا يبدو هذا الحضور الشعبي المتواصل منفصلاً عن المزاج العام داخل البلاد، بل هو يجد انعكاسه الواضح في نتائج استطلاعات الرأي الأخيرة التي تحاول قياس توجّهات الإيرانيين خلال الحرب، إذ أعلن مركز البحوث التابع لمجلس الشورى الإسلامي أن مؤسّسة «ملت لاستطلاعات الرأي» أجرت الموجة الثانية من استطلاعها الوطني حول ما تسمّيه «الحرب المفروضة الثالثة»، مستندةً إلى مقابلات هاتفية شملت مواطنين من مختلف المحافظات والأعمار (فوق الثامنة عشرة).
وبحسب نتائج الاستطلاع، فإن 48.6% من المواطنين يعتمدون على «هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية» كمصدر رئيس لمتابعة أخبار الحرب، في حين يحصل 32.6% على المعلومات عبر شبكات التواصل الاجتماعي المحلية. أمّا الاعتماد على القنوات الفضائية ووسائل التواصل الأجنبية، فبدا محدوداً للغاية مقارنة باستهلاك المصادر الداخلية. كما أظهرت النتائج أن 67.5% من المشاركين يعتبرون أن إيران هي الطرف المنتصر حتى الآن، بينما رأى 1.6% فقط أن الولايات المتحدة وإسرائيل هما المنتصرتان، واعتبر ربع المشاركين تقريباً أن الحرب لم تُحسم بعد لأيّ طرف. وتعكس هذه الأرقام، وفق مراقبين، حالة من التماسك الداخلي والثقة بقدرة الدولة على إدارة المواجهة، على الرغم من الضغوط العسكرية والاقتصادية التي تتعرّض لها.
رفض المفاوض الإيراني للاتفاقات المؤقتة ينبع من التشكيك الشعبي في نوايا الولايات المتحدة
وفي الجانب الاقتصادي، كشف الاستطلاع أن الأولوية الأساسية لدى المواطنين تتعلّق بالقدرة على الصمود المعيشي؛ إذ رأى 45.7% أن زيادة مخصّصات البطاقة التموينية تمثّل الإجراء الأكثر أهمية لمساعدة الأسر على تحمّل ظروف الحرب، فيما طالب آخرون بتقديم قروض لدعم الأعمال التجارية والإعفاءات المصرفية. أمّا في ما يتعلّق بالثقة بالمؤسسات الرسمية ومن بينها القوات المسلّحة، فقد وصف نحو 89.9% من المشاركين مستوى ثقتهم بالقدرات العسكرية والصاروخية بأنه «مرتفع» أو «مرتفع جداً». ولعلّ المؤشر الأكثر دلالة هو ذلك المتعلّق بالمشاركة الشعبية في الفعّاليات العامة، حيث أظهر الاستطلاع أن 70% من المواطنين شاركوا مرة واحدة على الأقلّ في التجمّعات الليلية خلال فترة الحرب، وهو ما يفسّر كثافة الفعّاليات التي تشهدها شوارع المدن الإيرانية ليلاً.
وفي حال الذهاب إلى أيّ مسار تفاوضي، حدّد المشاركون أولويات واضحة تمثّلت في رفع العقوبات بشكل كامل، والحصول على تعويضات عن الحرب، وتقديم ضمانات تمنع أيّ هجوم مستقبلي على إيران؛ وهي مطالب تعكس اعتقاداً بأن أيّ تسوية سياسية يجب أن ترتبط بضمانات ملموسة لا بمجرّد تفاهمات سياسية مؤقّتة. والواقع أنه في الوعي الجمعي داخل إيران، لا تزال تجربة الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي تمثّل دليلاً أساسياً على غياب الثقة بالولايات المتحدة وعدم التزامها بالتعهدات الدولية. كما يتذكّر الإيرانيون أن فترة المفاوضات النووية نفسها لم تمنع استمرار التوترات والهجمات والاغتيالات التي استهدفت قادة عسكريين ومسؤولين وعلماء إيرانيين، الأمر الذي عزّز القناعة لدى قطاعات واسعة بأن المفاوضات لا تؤدّي بالضرورة إلى تخفيف الضغوط، بل قد تتحوّل إلى أداة إضافية لفرض الشروط السياسية.
أمّا الحديث عن اتفاقات مؤقّتة وأطر عامة غير حاسمة، فيُقابَل أيضاً برفض المفاوض الإيراني حتى الآن، وهو ما ينبع أيضاً من التشكيك الشعبي في نوايا الولايات المتحدة. فالكثير من المواطنين الذين يشاركون في التجمّعات العامة يعتبرون أن أيّ وقف للحرب غير مقرون بضمانات حقيقية، سيمنح الطرف الآخر فرصة لإعادة تنظيم صفوفه واستعادة قدراته العسكرية، وأن أيّ مفاوضات يجب أن تتمّ في ظلّ توازن نسبي في القوة، لا في ظلّ ضغوط عسكرية أو مطالب بالاستسلام. وتتعزّز هذه القناعة مع التصريحات المتكرّرة للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، التي يطالب فيها إيران بقبول شروط بلاده كاملة.
وليست تلك النتائج مُستغرَبة؛ ففي أوقات الحروب، تتصاعد المشاعر الوطنية، ويتعزّز التماسك الاجتماعي، وتزداد النزعة نحو مقاومة التهديد الخارجي؛ وهو ما يفسّر رفض أيّ مفاوضات غير متكافئة، قد يُنظر إليها على أنها علامة ضعف. ومن شأن هذه الأجواء النفسية والاجتماعية التي فرضتها الحرب أن تشجّع المفاوض على رفض تقديم تنازلات تتعارض مع المصالح الوطنية، وتدفعه إلى التشدّد في مطالبه التي سيعني التخلّي عنها تراجع شرعية النظام واتّساع الفجوة بين الدولة والمجتمع.
مرتبط