حرب الطاقة: لماذا قد تفضّل أميركا الحصار على القصف؟

تتّجه واشنطن نحو استنزاف قطاع النفط الإيراني عبر الحصار البحري بدل القصف المباشر، فيما تراهن طهران على المرونة التشغيلية والمسارات البديلة لتفادي خنق صادراتها ومنع انهيار القطاع.

واشنطن تستهدف تقليص القدرة التشغيلية لقطاع الطاقة الإيراني تدريجياً

مع تصاعد الحديث عن احتمال عودة المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، يتقدّم سيناريو القصف المباشر لمنصّات استخراج النفط الإيرانية أو استهداف الحقول بالصواريخ والطائرات المُسيّرة. على أن هذا السيناريو لا يبدو حتميّ الوقوع؛ فالولايات المتحدة التي تدرك حساسية سوق الطاقة العالمية، تبدو اليوم أكثر ميلاً إلى مواصلة معركة الاستنزاف في ذلك المضمار، بدل المغامرة بحرب قد تؤدي إلى تعطيل شامل لإمدادات الخليج ورفع أسعار النفط إلى مستويات يصعب على الاقتصاد العالمي تحمّلها. وفي هذا السياق، تندرج عملية حصار الموانئ الإيرانية، والتي تستهدف تقليص القدرة التشغيلية لقطاع الطاقة الإيراني تدريجياً، وإضعاف كفاءته الإنتاجية، وبالتالي تحويله، بحسب الرؤية الأميركية، إلى قطاع يعمل تحت الضغط الدائم، بقدرة تصدير محدودة، ومخازن ممتلئة، ومسارات بيع معقّدة، وتكاليف تشغيل متزايدة؛ أي الاتجاه نحو عملية إنهاك بطيئة لمجال حيوي يشكّل المصدر الأسرع للعملة الصعبة في الاقتصاد الإيراني.

وتنتج إيران حالياً ما بين 3.2 و3.6 ملايين برميل يومياً، وهي مستويات تعكس قدرة طهران على الحفاظ على بنية إنتاجية مستقرّة نسبياً، على الرغم من العقوبات المتواصلة عليها منذ عقود. كما أن اللافت أن نحو 55 إلى 60 في المئة من هذا الإنتاج – أي ما يقارب مليونَي برميل يومياً – يُستهلك داخلياً، فيما يراوح حجم الصادرات بين مليون و1.5 مليون برميل فقط. وتمنح هذه المعادلة إيران هامشاً من الصمود الداخلي، كونها تعني أن البلاد لا تعتمد بالكامل على التصدير لتشغيل قطاع الطاقة أو تلبية احتياجاتها المحلية. وفي المقابل، تدرك الولايات المتحدة جيداً أنها لن تتمكّن من إغلاق آبار النفط؛ ولذا، فهي تسعى عبر الحصار إلى إبطاء دورة الإنتاج والتصدير إلى الحدّ الذي تصبح معه الحقول النفطية نفسها عرضة للتآكل التقني التدريجي، معوّلةً على أن عدداً من حقول النفط الإيراني تعمل منذ عقود، وتعاني أساساً من معدّلات انخفاض سنوية تراوح بين 4 و12 في المئة، وتحتاج بصورة مستمرّة إلى حقن الغاز للحفاظ على ضغط المكمن واستدامة الإنتاج.

تعمل إيران على تعطيل أهداف الحصار الأميركي باعتماد المسارات البرية وسكك الحديد لتصدير النفط

ومن هنا، تعتقد واشنطن أنه من خلال الاستمرار في فرض قيود على التصدير البحري، ستمتلئ الخزانات البرية والبحرية الإيرانية، وستصبح طهران مضطرة عملياً إلى خفض معدّلات الإنتاج. وعلى الرغم من أنه على المدى القصير، أي خلال شهرين إلى ستة أشهر، لن يكون التوقّف الجزئي للإنتاج مضرّاً جداً، إلّا أنه إذا امتدّ التعطيل إلى ما بين ستة أشهر وسنة، فإن جزءاً من النفط قد يُحتجز داخل الصخور، وتنخفض بالتالي ضغوط بعض الطبقات، وتضحي الحاجة ملحّة إلى عمليات معالجة وإعادة تأهيل فني. وانطلاقاً من ذلك الرهان، تبدو الولايات المتحدة حريصة على تجنّب الضربات العسكرية المباشرة ضدّ منشآت الطاقة الإيرانية، ولا سيما أن أيّ ضربات من هذا النوع ستدفع إيران إلى الانتقام بضرب البنية التحتية للطاقة في كلّ أنحاء الخليج، ما قد يولّد شللاً كاملاً في الإمدادات، ويؤدي إلى «تحييد» النفط الخليجي من الأسواق العالمية، وهو سيناريو لا تتحمّله الاقتصادات الغربية ولا الأسواق الدولية.

من جهتها، تعي إيران هذا الواقع جيداً، وتعمل على تعطيل مفاعيل الحصار البحري الأميركي، الذي مهما اشتدّ، فلن يلغي بالكامل قدرة طهران على تصدير جزء من الطاقة عبر المسارات البرية وسكك الحديد، حيث تمّ تجهيز بنى تحتية لتشكيل خيار بديل قابل للتطوير سريعاً. وذلك ما اختبرته البلاد في تجارب سابقة من مثل نقل الوقود إلى أفغانستان عبر سكة حديد خواف – هرات، وتصدير مشتقّات نفطية إلى باكستان عبر ممرات حدودية. وعلى الرغم من أن هذه المسارات البديلة لا يمكنها تعويض الصادرات البحرية الضخمة، لكنها تمنح إيران مرونة تمنع توقّف قطاع النفط وتبقي جزءاً من التدفّقات قائماً. كذلك، أعدّت الإدارة الإيرانية قطاع النفط لسيناريو الحصار البحري، وأجرت مناورات متعدّدة تحاكي ظروفه، وهو ما سيمكّنها من الإبقاء على الحقول الأكثر حساسية ضمن دائرة الإنتاج المستمرّ للحفاظ على الضغط، في مقابل إيقاف مؤقّت لبعض الحقول الأقلّ إنتاجية في ما يُعرف بـ«الإدارة التفاضلية»، التي تمنح القطاع قدرة أعلى على التعامل مع الأزمات.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

اقتراح قانون العفو العام | اتفاق أولي على حلّ وسط: هل يخرج الدخان الأبيض اليوم؟

تتجه الأنظار إلى جلسة حاسمة لإقرار اقتراح قانون العفو العام بعد توافق نيابي أولي على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *