«ترميم» القدرات العسكرية السورية: ما الذي يخشاه العدو الإسرائيلي؟

تثير مؤشرات إعادة بناء القدرات العسكرية السورية قلقاً إسرائيلياً متزايداً، خصوصاً في ما يتعلق بسلاح الجو والدفاعات الجوية. يأتي هذا فيما يبقى مسار الترميم محدوداً وبطيئاً، وسط سعي تل أبيب لتكريس تفوقها وشرعنة استباحة الأجواء السورية.

مروحية تابعة للجيش السوري احترقت عقب غارات إسرائيلية في كانون الأول الماضي.

في غضون أقلّ من أسبوع، صدر في الصحافة الإسرائيلية تقريران متتاليان، تناولا ما سُمّي إعادة بناء القدرات العسكرية السورية، مع تركيز واضح على سلاح الجو الذي كان الهدف الأكثر تضرّراً خلال الحملة الإسرائيلية العدوانية التي أعقبت سقوط النظام السابق، واستعادةٍ لإرث من العمليات الحاسمة منذ تدمير سلاحَي الجوّ السوري والمصري في حرب الأيام الستة عام 1967. وفي هذا السياق، ذكرت صحيفة «جيروزاليم بوست» أن دمشق «تعيد تدريجياً بناء منظومات الرادار والدفاع الجوي»، معتبرة أن هذا المسار «قد يؤثّر تأثيراً بالغاً على الأمن الاستراتيجي لإسرائيل». أمّا «معاريف» التي اتفقت مع «جيروزاليم بوست» في التقدير نفسه؛ فذهبت أبعد من ذلك، متحدثّةً عن الدور التركي في إعادة هيكلة الجيش السوري، مدرجةً ما تقوم به أنقرة في إطار «تقسيم أدوار» كرّسته الولايات المتحدة عقب محادثات أذربيجان، يقوم على السماح لإسرائيل بالاحتفاظ بمنطقة عازلة جنوبي سوريا، بالتوازي مع ضبط الاحتكاك التركي – الإسرائيلي داخل الجغرافيا السورية.

وبمعزل عن المبالغة الإسرائيلية في توصيف حجم القوة العسكرية السورية الناشئة، ولا سيما بعد الضربات التي استهدفت إمكانات تعافيها، يبدو التركيز على هذا الجانب مرتبطاً بما يمكن أن تصبح عليه هذه القوة مستقبلاً، أكثر من ارتباطه بواقعها الحالي. فالقوة الجوية السورية، التي كانت تشكّل نحو 20% من مجموع قوات الجيش السابق، تعرّضت لإستنزاف واسع، فيما تنصبّ تحركات وزارة الدفاع الحالية، بشكل رئيس، على تطوير البنية التنظيمية ودمج الفصائل، وذلك ضمن مسار تدريجي لإعادة الهيكلة والتأهيل ورفع الجاهزية القتالية، مدعوم من تركيا بموجب اتفاق الدفاع الموقَّع بين دمشق وأنقرة في آب 2025. وتدأب تل أبيب، منذ انطلاق جولات التفاوض بينها وبين دمشق، على التشديد على منع أيّ تطور في القدرات العسكرية السورية قد يخلّ بالتفوّق الإسرائيلي في المنطقة، علماً أن إسرائيل استفادت من التحوّل السوري – خصوصاً في ظلّ تضرّر إمكانات الترميم العسكري في المديَين القريب والمتوسط -، وما أحدثه من انكشاف جوي أتاح لها توسيع هامش حركتها، في تنفيذ اعتداءات متكرّرة في سوريا ولبنان والعراق، أو خلال الحرب الأخيرة على إيران، حين استخدمت الأجواء السورية ممرّاً للصواريخ الاعتراضية والطائرات الحربية الإسرائيلية في مواجهة المُسيّرات والصواريخ الإيرانية.

يبدو أن أيّ محاولة لبناء قوة ردعية سورية ستبقى محكومة بسقف لا يخلّ بقواعد الاشتباك

وبحسب المعطيات المتوافرة، فإن مسار ترميم القدرات الجوية السورية لا يزال في مراحله الأولية، ولم يرقَ بعد إلى مستوى إحداث تغيير فعلي في موازين القوى. ولا يرتبط ذلك بالإرث الثقيل لمنظومات الدفاع الجوي التي استنزفتها 14 سنة من الحرب والاستهداف المتواصل فحسب، إنما أيضاً بطبيعة البيئة السياسية المُعقّدة التي تتحرك ضمنها دمشق. وفي هذا الإطار، يبرز الاعتماد السوري على تدريبات روسية لبعض الوحدات العسكرية، قد تسهم في إعادة تأهيل عناصر الدفاع الجوي وتشغيل بعض المنظومات الدفاعية التي لم تتعرّض للتدمير الكامل، خصوصاً أن عدداً منها يعمل وفق رموز تعريفية، ويحتاج إلى الخبرات الروسية لتفعيله. وكانت موسكو نشرت سابقاً منظومات «S-300» في قاعدة طرطوس ومنظومات «S-400» في حميميم، إلا أنها لم تنقل تلك الخبرات إلى الكوادر السورية، فيما أنشأت خطّ التنسيق الساخن مع إسرائيل خلال سنوات الأزمة. واليوم، في ظلّ التوازنات القائمة، من غير المتوقّع أن يتجاوز الدور الروسي حدود المساعدة في ترميم السلاح السوفياتي المنشأ.

في ضوء ذلك، يبدو أن أيّ محاولة لبناء قوة ردعية سورية ستبقى محكومة بسقف لا يخلّ بقواعد الاشتباك التي فرضتها إسرائيل، ولا سيما بعد تكريس «المنطقة العازلة» بثلاثة مستويات، يشمل ثالثها حظر أيّ نشاط للطيران العسكري السوري في كامل أجواء الجنوب ومحيط دمشق ومطارها الدولي، في مقابل الإبقاء و/ أو السماح بحرية العمل لسلاح الجو الإسرائيلي إذا ما أراد تنفيذ عمليات بعيدة المدى تجاه إيران أو غيرها، وهو ما تحقّق بالفعل خلال الحرب على الأخيرة.

وبحسب المعطيات، لم يتجاوز تشغيل الطيران السوري حتى الآن حدود المهمات التجريبية في الحسكة وريف حلب الشرقي وبعض أرياف دمشق، فيما يتركّز الاهتمام على أنظمة دفاع جوي متنقّلة وخفيفة. وفي مقابل الحديث عن ترميم الهياكل المتبقّية وإعادة تأهيل البنية التحتية والفوقية للمطارات، يغيب النقاش حول إعداد الكوادر البشرية من طيارين وفنيين، وهي عملية تحتاج إلى سنوات طويلة وتتطلّب كلفة اقتصادية مرتفعة، ما يعني أن بناء قوة دفاعية مؤثّرة سيظلّ بطيئاً ومحدوداً. وعليه، تبدو المبالغة الإسرائيلية في توصيف «الخطر السوري» جزءاً من مسعى سياسي – أمني يهدف إلى شرعنة استمرار استباحة الأجواء السورية، وتحويل «المنطقة العازلة» إلى واقع جيوسياسي دائم يضمن التفوّق الإسرائيلي في المنطقة.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

أولوية السلطة في زمن الحرب: خيم «البيال» تزعج موسم الصيف!

بين «هدنة» تحيّد بيروت وخيم نزوح تُزعِج صورة الصيف على الواجهة البحرية، تتحوّل أزمة النازحين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *