المدارس في زمن الحرب: جباية الأقساط أولاً!

تُعيد شكوى ضد مدرسة خاصة في بيروت طرح أسئلة حول الأقساط المبكرة وحدود المسؤولية الاجتماعية للمدارس في زمن الحرب والنزوح.

في ظل الظروف الأمنية والاقتصادية الصعبة، لا تعود المدرسة بالنسبة إلى كثير من الأسر مجرّد مؤسسة تعليمية، بل مساحة للاهتمام النفسي والاجتماعي بأطفالها أيضاً. غير أن الحرب الأخيرة وما رافقها من نزوح واضطراب أمني أعاد طرح سؤال أساسي حول كيفية تعاطي المؤسسات التربوية الخاصة مع العائلات في الظروف الاستثنائية، ولا سيما عندما تتعارض الاعتبارات المالية مع الأبعاد الإنسانية.

وفي هذا السياق، علمت «الأخبار» أن شكوى قُدِّمت إلى وزارة التربية بحق إدارة المدرسة الألمانية الدولية في بيروت (DISB)، على خلفية إلغاء تسجيل تلامذة للعام الدراسي المقبل 2026 – 2027، بسبب عدم تسديد الدفعة الأولى ضمن المهلة المُحددة، رغم الظروف الأمنية التي دفعت الأسرة المعنية إلى النزوح من مكان سكنها.

وبحسب ما ورد في الشكوى، علّقت المدرسة التعليم، بما فيه التعليم عن بُعد، نتيجة الأوضاع الأمنية، لكنها أبقت في المقابل نافذة التسجيل مفتوحة فترة قصيرة لاستقبال القسط الأول من رسوم العام الدراسي المقبل، والذي يوازي 20% من إجمالي القسط السنوي. وتزامنت فترة الدفع مع ذروة النزوح والاضطراب الأمني، ما حال دون تمكّن الأسرة من إتمام الإجراءات ضمن المهلة المحدّدة.

ويفيد الأهل بأنهم بادروا في اليوم نفسه الذي تلقّوا فيه إشعار الإلغاء إلى التواصل خطّياً مع الإدارة، عارضين تسديد كامل المبلغ المُستحقّ فوراً مقابل العدول عن قرار الإلغاء وإعادة التسجيل، إلّا أن عرضهم قوبل بالرفض.

وتلفت الشكوى إلى أن المدرسة برّرت موقفها لاحقاً بعدم تلقّيها رسالة خطية مستقلة تُبلِغها بتعذّر الدفع في فترة الحرب، رغم أن الأسرة كانت قد أبلغت الإدارة خطياً بواقعة النزوح قبل صدور قرار الإلغاء.

وهنا يبرز سؤال أساسي: هل يفترض بعائلات نازحة، في خضمّ ظروف أمنية استثنائية، الالتزام بإجراءات إدارية إضافية لإثبات تعذّر الدفع، أم أن الواقع نفسه يفرض قدراً من المرونة والمسؤولية الاجتماعية؟

ولا تتوقّف القضية عند حدود الخلاف المالي، إذ تستند الشكوى أيضاً إلى المادة 10 (الفقرة ب) من قانون تنظيم الموازنات المدرسية الرقم 515/1996، التي تنص على عدم جواز اتخاذ أي إجراء يضرّ بالتلميذ بسبب نزاع مالي أو إداري مع ذويه.

ويعتبر مقدّمو الشكوى أن ما حصل يستوجب مراجعة الجهات المختصّة لتحديد مدى انسجامه مع روح هذا النص، خصوصاً أن الأطفال تحمّلوا تبعات ظرف قاهر فرضته الحرب والنزوح.

القضية تفتح نقاشاً أوسع يتجاوز حالة الأسرة المعنية، ليطاول طبيعة النظام المالي المُعتمد في عدد من المدارس الخاصة. فالأهالي يتساءلون عن الأساس الذي يبرّر مطالبة العائلات بتسديد قرابة 20% من الأقساط قبل أكثر من ستة أشهر من بدء العام الدراسي المقبل، أي في مرحلة لا تتكبّد المؤسسة فيها كلفة تشغيلية مرتبطة بالسنة الجديدة، سواء على مستوى الرواتب أو الخدمات أو المستلزمات التعليمية.

ويطرح هذا الواقع علامات استفهام حول طبيعة العلاقة بين المدرسة والأهل: هل تُستخدم الدفعات المُسبقة كوسيلة لضمان الاستمرارية التربوية، أم كآلية تمويل مبكر تلقي العبء المالي على العائلات حتى في أصعب الظروف؟

في دول عدة، تخضع هذه المسألة لضوابط واضحة تفرضها الجهات التربوية الرسمية، بحيث يُحصر بدل التسجيل بنسبة محدودة من القسط السنوي، فيما تُقسّط الرسوم الأخرى بما يتناسب مع تقديم الخدمة التعليمية الفعلية. ويهدف هذا النموذج إلى تحقيق توازن بين حق المؤسسة في الاستقرار المالي وحقّ العائلات في الحماية من الضغوط المالية المبكرة.

وفي انتظار ما ستؤول إليه الشكوى داخل وزارة التربية، تبقى القضية أبعد من نزاع فردي بين مدرسة وأسرة. فهي تضع المنظومة التربوية الخاصة أمام اختبار حقيقي لمفهوم «المسؤولية الاجتماعية» وحدودها في زمن الأزمات.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

«أبو عمر» عراقي يكشف هشاشة الأجهزة الأمنية

لم يكد لبنان ينتهي من فصول مسرحية الأمير السعودي الوهمي «أبو عمر» الذي لعب دوراً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *