الجزيرة السورية أمام تحوّل جديد: استعادة الحياة ليست ميسّرة
موقع ميادين المقاومة
أسبوع واحد مضت
أخبار هامّة, الرئيسية, النشرة الدولية, مقالات مختارة, منوّعات
على رغم استعادة الحكومة السورية الانتقالية السيطرة على المنطقة الشرقية، وتالياً على حقول النفط فيها، إلّا أن التحديات أمامها تبدو هائلة. ذلك أن ما يحتاجه هذا القطاع من إعادة تأهيل، سيكلّف خزينة الدولة مئات الملايين من الدولارات.

الخسارة الاقتصادية الأكبر على المستوى الوطني كانت في الأضرار التي لحقت بحقول النفط..
لسنوات طويلة، شكّلت الجزيرة السورية بمحافظاتها الثلاث: دير الزور، الحسكة والرقة، المستودع الأساس لـ»خيرات» البلاد وثرواتها، وبؤرة فقرها ومعاناتها وحزنها، في الوقت ذاته. مفارقةٌ، جعلت من المنطقة نموذجاً «يُدرّس» في كيفية فشل السياسات المركزية والمشروعات الوطنية التنموية. ففي الوقت الذي كانت فيه الحكومات تتباهى بمعدّلات النمو المرتفعة، كان سكان المحافظات الثلاث يئنّون تحت وطأة الفقر؛ وفيما ضرب الجفاف الزراعة بلا رحمة، استمرّت الحكومة في رفع أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعي ومدخلاته، تحت عنوان «تصحيح السياسات الاقتصادية».
مِن بعد ذلك، جاءت الحرب لتكشف عن الجرح العميق الذي كانت تعانيه المنطقة، والذي تعمّق مع نزوح آلاف الأسر عن منازلها ومناطقها، وانتشار الفقر والحرمان ليصل إلى نسب مهولة، ونهب الثروات والموارد وتخريبها من قبل قِلّة. ومن هنا، فإن ما ينتظر الحكومة الانتقالية أعظم بكثير من «الانتعاش» الذي رُوّج له خلال الأيام القليلة الماضية، والذي جرى حصره في الآثار الاقتصادية لعودة حقول النفط والغاز إلى السيطرة المركزية؛ فالتحدّي الحقيقي يتمثّل في تلبية طموحات سكان المحافظات الثلاث وأريافها، بدءاً بتحسين الحصول على الخدمات العامة، ومن ثم تحسين مستوى جودتها، وصولاً إلى إتاحة مصادر دخل مقبولة للأسر لتكون قادرة على تأمين أبسط احتياجات البقاء.
خزّان الموارد
حتى نهاية عام 2010، كان سكان المحافظات الثلاث يشكّلون ما نسبته 17.2% من إجمالي سكان البلاد، في حين أن إجمالي الناتج المحلّي للمنطقة ظلّ يمثل أقلّ من ربع الناتج المحلّي الإجمالي بقليل؛ إذ جاءت الحسكة ثالثة بين المحافظات لجهة مساهمتها في الناتج الإجمالي بنسبة قُدّرت بنحو 12.75%، ودير الزور سابعة، والرقة في المرتبة الـ12. وتشير بيانات بحثية مستقلّة إلى أن الحسكة ودير الزور تصدّرتا، في ذلك العام، المحافظات لجهة مساهمتَيهما في قطاعَين أساسيَّين، هما:
1- التعدين واستغلال المحاجر، الذي تقدّمته الحسكة بمساهمتها في إجمالي الناتج المحلّي للقطاع على مستوى البلاد، بـ32.83%. أما دير الزور، فأتت في المرتبة الثالثة بعد كلّ من الحسكة وحمص، بنسبة مساهمة قدْرها 13.23%. وفي الرقة، حيث لا تزال الاكتشافات البترولية محدودة، فلم تتجاوز النسبة الـ2.32%، لتحتلّ المرتبة العاشرة بين المحافظات.
2- الزراعة والغابات والصيد: بلغت نسبة مساهمة الحسكة من الناتج المحلي للقطاع المذكور على مستوى سوريا، حوالى 10.52%، ودير الزور 10.50%، والرقة 9.57%؛ ليكون ترتيبها بين المحافظات الثالثة والرابعة والخامسة على التوالي بعد كلّ من حماة وحلب.
وبحسب بيانات وزارة النفط والثروة المعدنية السابقة، فإن حوالى 93.5% من إنتاج البلاد النفطي المُقدَّر قبل الأزمة بـ385 ألف برميل يومياً، كان يأتي من الحقول المكتشَفة في المنطقة الشرقية، والتي وصل إنتاجها اليومي آنذاك إلى نحو 360 ألف برميل موزّعة على المحافظات الثلاث تبعاً لما يلي: الحسكة بإنتاج يومي قدْره 225 ألف برميل، دير الزور بـ125 ألف برميل، والرقة بحوالى 10 آلاف برميل. وتضيف البيانات أن إنتاج المنطقة من الغاز الطبيعي وصل قبل الأزمة، إلى حوالى 8 ملايين م3 يوميّاً، وذلك من إجمالي إنتاج البلاد المُقدَّر آنذاك بـ21 مليون م3 يومياً، أي نحو 38%. أمّا إنتاج المنطقة من الغاز المُسال، فقد وصل، وقتذاك، إلى حوالي 470 طنّاً يوميّاً، مُشكِّلاً بهذا 70% من إجمالي إنتاج البلاد البالغ 670 طنّاً يومياً.
تعرّضت المنطقة الشرقية خلال سنوات الحرب إلى خسائر اجتماعية واقتصادية كبيرة
ولا تقلّ الزراعة أهمية عن النفط في المنطقة الشرقية، وذلك على رغم الصعوبات الكثيرة التي واجهتها خلال العقود السابقة، سواء ما يتعلّق منها بالظروف الطبيعية كموجات الجفاف وأشهرها موجة عام 2006، والتي استمرّت لثلاث سنوات وتسبّبت بنزوح آلاف الأسر نحو المحافظات الأخرى بحثاً عن لقمة العيش، أو ما يتّصل بالسياسات الحكومية، وتحديداً قرارات رفع الدعم عن القطاع ومستلزماته الأساسية، والتي بدأ تنفيذها في عام 2008، ونجمت عنها آثار كارثية على القطاع الذي كان لا يزال يعاني من تبعات موجة الجفاف.
مع ذلك، فإن مساهمة الناتج المحلّي لقطاع الزراعة والغابات والصيد في المحافظات الشرقية إلى إجمالي الناتج المحلي للقطاع على المستوى الوطني، وصلت، في عام 2010، إلى حوالى 31%؛ إذ يقترن اسم المنطقة الشرقية في أذهان السوريين بمحاصيل مهمّة من مثل القمح، القطن، والثروة الحيوانية. ووفقاً للبيانات الرسمية، فإن نسبة مساهمة المحافظات الثلاث في الإنتاج الوطني من محصول القمح وصلت، في عام 2010، إلى 58%، بإنتاج زاد على نحو 1.7 مليون طن. وتبعاً لمساهمة كل محافظة، فإن إنتاج الحسكة شكّل وحده ما يقرب من 36% من إنتاج سوريا.
أمّا المحصول الزراعي الثاني فيتمثّل في القطن، الذي قُدّر إنتاج المنطقة منه آنذاك بحوالى 352 ألف طن، أي ما نسبته نحو 74.4% من إنتاج البلاد، علماً أن الحسكة حلّت أولاً بين المحافظات في هذا المجال بنسبة مساهمة وصلت إلى 32.2%. وفي مجال الثروة الحيوانية، كان للمحافظات الثلاث حضورها المؤثّر عبر تواجد ما يقرب من ثلث قطيع أغنام البلاد فيها.
في المقابل، وعلى الرغم من أن الرقة والحسكة ودير الزور لم تكن هي الأولى في الفقر الإجمالي بين المحافظات قبل عام 2010، إلّا أنها كانت كذلك مع حلب بالنسبة إلى الفقر الشديد الذي سجّل نحو 15.4% تبعاً لمسح عام 2007. ودفع هذا الواقع العديد من الباحثين والاقتصاديين آنذاك إلى التحذير من انعكاسات خطيرة على الوضعين الاجتماعي والاقتصادي، ولا سيما بعد موجة الجفاف عام 2007 وما تبعها من نزوح كبير للأسر نحو محافظات الجنوب والساحل، فضلاً عن فشل الحكومة في تطبيق ما تعهّدت به من مشروعات وخطط تنموية واستثمارية، لم يلمس السكان آثارها على حياتهم ومعيشتهم.
«طار» الخير!
تعرّضت المنطقة الشرقية، خلال سنوات الحرب الطويلة، لخسائر اجتماعية واقتصادية كبيرة لا يزال حجمها غير مُحدّد، وذلك نظراً إلى تعدُّد قوى الأمر الواقع، التي كانت تتقاسم السيطرة على مناطقها. لكنّ التقديرات البحثية تكشف أن المعارك تسبّبت بنزوح ما يقرب من نصف مليون شخص داخل المحافظات الثلاث أو نحو المحافظات الأخرى، فضلاً عن ارتفاع معدّلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي والبطالة، لتصل إلى مستويات هي الأعلى تقريباً بين المحافظات. وممّا ساعد في تدهور الوضع، تعرّض الأراضي الزراعية، المصدر الرئيسيّ للدخل، لأضرار مختلفة جرّاء انتشار مصافي النفط البدائية ونقص مستلزمات الزراعة والمياه وغيرها، الأمر الذي انعكس سلباً على حجم الإنتاج من المحاصيل الزراعية الأساسية، وأدّى إلى توجُّه المزارعين إلى استبدال زراعاتهم بمحاصيل أخرى أقلّ كلفة وأكثر ربحية.
أمّا الخسارة الاقتصادية الأكبر على المستوى الوطني، فكانت في الأضرار التي لحقت بحقول النفط واستثمارها بطرق غير مشروعة، والتي تُقدّر قيمتها رسمياً بأكثر من 116 مليار دولار، وتشمل الأضرار الناجمة عن أعمال نهب وتخريب للمعدّات والآبار، وكذلك الخسائر المترتّبة على عمليات استخراج النفط بشكل غير مشروع وبيعه. وهنا، تؤكد تقديرات «المركز السوري لبحوث السياسات» أن الاستخدام غير الرسمي للنفط والغاز وصل، مع نهاية عام 2019، إلى حوالى 9.9 مليارات دولار، وهو ما اعتبره «المركزي» بمنزلة خسارة لثروات البلاد، يجب تضمينها ضمن خسائر الناتج المحلي الإجمالي.
بناءً على كلّ ما تقدّم، يمكن القول إن تمكُّن الحكومة الانتقالية من استعادة السيطرة على المنطقة الشرقية، وتحت أيّ صيغة اتفاق، يمثّل تحدّياً كبيراً قبل أن يكون مكسباً اقتصادياً. فإعادة الأوضاع في المنطقة إلى ما كانت عليه قبل عام 2011، تحتاج إلى استراتيجية طويلة الأمد تبدأ بتحقيق السلم الأهلي وتشجيع النازحين على العودة إلى قراهم ومناطقهم، ومن ثم العمل على إعادة إحياء القطاع الزراعي، فإعادة تأهيل حقول النفط ومنشآتها وإعادتها إلى الإنتاج تدريجياً، وهو ما يحتاج، بحسب خبراء نفطيين تحدّثت إليهم «الأخبار»، إلى مئات الملايين من الدولارات.
مرتبط