ما بعد فشل «الثورة الملوّنة»: واشنطن لا تيأس من إخضاع طهران
موقع ميادين المقاومة
أسبوعين مضت
أخبار هامّة, الرئيسية, النشرة الدولية, مقالات مختارة, منوّعات
لا يبدو أن الولايات المتحدة ستيأس من محاولاتها إخضاع النظام الإيراني. وعلى الرغم من انقلاب مسعاها الأخير لغير صالحها، فإن محاولاتها تلك ستبقى وتتجدّد طالما أن العداء مستمرّ، وأن التنازلات المطلوبة من إيران، أميركيّاً، لن يكون تحقيقها ممكناً.

أنهت إيران الامتحان الأخير بنجاح، وهو ما يُظهِر «شجاعة» في اتّخاذ القرارات..
بعد فشل رهانها على الاحتجاجات في إيران، يبدو أن الولايات المتحدة ستلجأ إلى إعادة تفعيل الخطط والاستراتيجيات التي كان يُعمل عليها قبل انطلاق التظاهرات، وذلك بعد تنقيحها وتوجيهها نحو مستويات أعلى وأكثر حدّة وإيذاءً. والخطط تلك، أضيفت إليها، في الواقع، خيارات متطرّفة – من مثل التدخُّل العسكري والضربات الموجّهة -، غايتها تعزيز مسارات ضغط تهويلية على النظام، وأخرى تشجيعية للشارع المعارض، وأيضاً تعزيز الاستعداد الفعلي للتصعيد، وفقاً لتطوّرات المواجهة لاحقاً.
وكان وصل التفاعل الغربي والإقليمي مع الاحتجاجات، التي وُصفت بأنها ذات «طابع ثوري»، إلى حدّ محاولة تعويم شخصيات من مثل رضا بهلوي، نجل الشاه المخلوع، كرئيس للمرحلة الانتقالية بعد تحقيق مطلب زوال النظام بأدوات داخلية. وفي حين رأت بعض الأوساط الغربية، في الحراك الأخير فرصةً تاريخية لإحداث تغيير جذري، عبّر مسؤولون أميركيون وغربيون عن دعمهم الصريح للمحتجّين، ما عزّز بدوره «التفاؤل» بأن النظام قد يهتزّ، أو حتى ينهار تحت الضغط الشعبي المتزايد.
وإذ استندت تلك الآمال العالية السقف إلى مقدّمات مغايرة تماماً لِما كان يحدث في الماضي، فقد سعت الولايات المتحدة، هذه المرّة، إلى إيجاد بيئة داخلية مؤاتية لتوسيع الاحتجاجات، وذلك عبر خطاب تصعيدي مسنود برسائل ردعية. فهي وجّهت، من جهة، تحذيرات صريحة إلى النظام من مغبّة استخدام القوّة ضدّ المتظاهرين، مُلمِّحة إلى احتمال تدخُّلها عسكريّاً في حال استمرار «القمع»، وهو ما كان يراهَن على أن يمنح نوعاً من «الحصانة» للمحتجّين، ويشجّعهم على المضيّ قُدماً على أمل حدوث انشقاقات داخل بنية النظام، بفعل ضغط الشارع والتهديد الخارجي. ومن جهة أخرى، لم يكن التلويح بالتدخُّل مجرّد أداة ردع، بل مثّل جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى تغيير موازين القوى على الأرض. وفي هذا الإطار، جاءت التهديدات التي أطلقها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مراراً، خليطاً من «ثقة مفرطة» في إمكان نجاح الحَراك الداخلي في إيران وتحقيق مطلب إسقاط النظام، ومن «ذاكرة قصيرة» جداً تجاه كلّ المحاولات التي واجهت الجمهورية الإسلامية في الماضي، وخرجت الأخيرة منها منتصرة.
لا يبدو منطقيّاً الاعتقاد بأن الولايات المتحدة و ربيبتها إسرائيل، ستتراجعان عن موقفيهما العدائي تجاه النظام الإيراني
وكيفما اتّفق، وعلى الرغم من أن التهديدات والتحدّيات ستبقى ماثلة وقد تتعاظم حتى، فإن إيران أنهت الامتحان الأخير بنجاح، وهو ما يُظهِر «شجاعة» في اتّخاذ القرارات، ويؤشّر، في الموازاة، إلى أن التدخُّل الخارجي المبنيّ على خيارات تقليدية، قد لا يُثمِر البتّة. ومع ذلك، لا يبدو منطقيّاً الاعتقاد بأن الولايات المتحدة وإسرائيل، ستتراجعان عن موقفيهما العدائي تجاه النظام الإيراني؛ إذ إن هذا العداء لا يتغيّر بتقلّبات الشارع المؤقّتة، كما أن المصالح الاستراتيجية التي تدفع إليه، ما زالت على حالها. وعليه، يُرجَّح أن تواصل واشنطن استخدام كلّ الخيارات البديلة المتاحة لتعزيز الضغط على النظام.
وبحسب التقديرات السائدة – قبل الاحتجاجات وبعدها -، فإن هدف الولايات المتحدة من هذا الضغط لا يتمثّل في إسقاط النظام الإيراني أو حماية المتظاهرين، بل في إجبار إيران على تغيير سياساتها، وهو ما يتطلّب تضييق الخناق عليها لدفعها إلى تقديم تنازلات ملموسة، خصوصاً أن اللجوء إلى القوّة العسكرية لتغيير النظام، محفوف بالمخاطر، ويستغرق وقتاً طويلاً، وتحيط به رهانات مُعقّدة ودرجة عالية من عدم اليقين. وفي هذا الجانب، كان المبعوث الخاص للرئيس الأميركي، ستيف ويتكوف، حدّد، قبل أيام، ما هو مطلوب من إيران لإتاحة المجال أمامها لـ»العودة إلى المجتمع الدولي». ففي خطابه أمام المؤتمر السنوي لـ»المجلس الإسرائيلي – الأميركي» (IAC) في فلوريدا، أكّد ويتكوف أن بلاده تفضّل المسار الدبلوماسي على الخيار العسكري في التعامل مع إيران، مشيراً إلى أن واشنطن أجرت اتصالات مباشرة مع طهران بناءً على توجيهات الرئيس. وتحدّث ويتكوف عن أربعة مطالب جوهرية ترى الولايات المتحدة أنها شرط لأيّ تسوية دبلوماسية، وهي: وقف برنامج التخصيب النووي، والحدّ من تطوير الصواريخ الباليستية، والتخلّي عن ترسانة التخصيب النووي المتراكم، ووقف دعم الميليشيات والوكالات الإقليمية. وربط ويتكوف، تلك المطالب التي تُعدّ من ناحية النظام الإيراني بمثابة تخلٍّ عن الهوية، بالأزمات الداخلية الإيرانية (التردّي الاقتصادي، وشحّ المياه والتضخم)، ورأى أن ذلك الوضع قد يدفع النظام إلى القبول بـ»التفاوض». والأهمّ، أنه حذّر، من أن «البديل سيّئ»، في إشارة ضمنية إلى العواقب العسكرية أو التصعيد الأمني.
بالنتيجة، يبدو واضحاً أن واشنطن لا تنكفئ إزاء طهران، بل تضغط عليها بتهديد عسكري – أمني صريح، يراد منه أن يمثّل أداة أولى في دبلوماسية التفاوض من موقع القوّة، أو وفق ما تسمّيه إسرائيل «التفاوض تحت ظلّ السيف». والسؤال الآن؛ يبقى حول ما إنْ كانت الولايات المتحدة مستعدّة لاستخدام القوّة فعليّاً في حال لم تُثمِر سياسة التهديد، خصوصاً أن التراجع عندها قد يُضعِف مصداقيتها، على رغم أن هذه الإدارة تحترف التراجع بلا مبالاة بردود الفعل.
مرتبط