المنازل الآيلة للسقوط في غزة… بين رعب العيش فيها وانعدام البدائل
موقع ميادين المقاومة
أسبوعين مضت
أخبار هامّة, الرئيسية, النشرة الدولية, منوّعات
مرارة الحياة في الخيام تُجبر الأهالي على العيش في أشباه بيوت دمرها جيش الاحتلال الإسرائيلي، على مدار عامين من الإبادة الجماعية المستمرة في قطاع غزة.

الحياة في الخيام تُجبر الأهالي على العيش في أشباه بيوت دمرها جيش الاحتلال..
في غزة، منازل متصدعة تتهاوى، وأخرى غير صالحة للسكن تنهار فوق رؤوس من اضطروا للسكن فيها. قُتل العشرات وأصيب المئات، لكنّ مرارة الحياة في الخيام تُجبر الأهالي على العيش في أشباه بيوت دمرها جيش الاحتلال الإسرائيلي، على مدار عامين من الإبادة الجماعية المستمرة في قطاع غزة.
أموت حزناً وكمداً
في بيت لم يعد بيتاً بقدر ما هو تهديد يومي بالموت، تعيش أم مسلمة السر مع عائلتها، بعدما حول صاروخ استهدف الطابق العلوي ودمر جزءاً من سقف شقتها إلى مخاطرة مفتوحة.
تقول أم مسلمة، لـ«الأخبار»: «مذ حضر مهندس من بلدية غزة لمعاينة الأضرار وأنا أموت في اليوم عشرات المرات حزناً وكمداً على ما أخبرني به».
وتضيف: «طلب مني مغادرة المنزل فوراً، واصفاً الوضع المعماري للبيت بالخطر جداً، كما أن المعاينة الهندسية كشفت أن أعمدة الطابق الخامس متضرّرة بشدة، فيما لا تزال طبقتان فوق شقتنا قائمتين دون أي ضمانات سلامة، وفي أي لحظة يمكن للطابقين الانهيار فوق رؤوسنا».

وتتابع أم مسلمة بأن «الخطر لا يقتصر على الأعمدة المتصدعة، فمع كل شتاء، تتسرّب مياه الأمطار من كل الجهات، كأنها نهر داخل البيت، ووفقاً للمهندس المعماري المختص فإن ذلك يفاقم ضعف الخرسانة ويسرع التآكل، لأن تشبع الإسمنت بالمياه يضاعف احتمالات الانهيار، خصوصاً مع وجود حمولة طابقين فوق شقة تفتقد الحد الأدنى من التدعيم».
رغم ذلك، لا تملك أم مسلمة خياراً آخر، في الشقة الصغيرة تقيم ثلاث عائلات، 12 فرداً بين أبناء وبنات وأحفاد، وتتساءل: «وين نروح؟ ثلاث عائلات ليس من السهل أن تجد لها مكاناً آخر»، مشيرةً إلى أن حجارة خرسانية تتساقط بين الفينة والأخرى في صالة المنزل، وإلى أصوات «طَقّطقة» تسمعها، ليلاً، مع أي اهتزاز قريب.
وتلفت أم مسلمة إلى أن البلدية أخبرتها بأن الحل الهندسي يكمن في إزالة الطابقين الخامس والسادس، لكنّها تؤكد أن «هذا مستحيل حالياً» لغياب المعدات والإمكانات، وهكذا تبقى العائلة عالقة بين خيارين أحلاهما مر، البقاء تحت سقف مهدد بالانهيار، أو النزوح من دون مأوى.
«هنا لا نُقتَل بالقصف وحده، أحياناً، نُترَك كي نموت تحت بيوتنا التي دمرها الاحتلال جزئياً»!… بهذه العبارة بدأ محمد جابر حديثه لـ«الأخبار»، مضيفاً: «لم تكتمل فرحتي بالسكن في بيتي الجديد حتى دمره الاحتلال الإسرائيلي، بشكل شبه كلي، حيث لم يتبقى منه سوى سقف غرفة وحمام وقد عملت على تنظيفهما وتغليفهما بالشوادر البلاستيكية».
وأوضح أنه فضل العيش في هذا البيت المتهالك على الخيمة «لا تقي حر صيف ولا برد شتاء ولا حتى مياه الأمطار التي أغرقت الكثير من الخيام وأتلفت مؤونة ساكنيها وملابسهم والأغطية الوحيدة التي يملكونها»، معتبراً أن «الموت وارد في الجهتين هنا موت سريع، وهناك موت بطيء».
الانهيارات بالأرقام
بدوره، يصف المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة، محمود بصل، ملف المنازل الآيلة للسقوط بأنه «أحد أخطر الملفات الإنسانية وأكثرها تعقيداً في القطاع»، مشيراً إلى أنه لا يقل خطورة عن ملفات انتشال الضحايا من تحت الأنقاض خلال الحرب. ويقول: «نحن نتعامل مع تهديد مباشر لحياة الناس، مبانٍ قد تنهار في أي لحظة، وتقتل من بداخلها».
ويشرح بصل، في حديث لـ «الأخبار»، أن الاحتلال «دمر البنية العمرانية لهذه المنازل، بشكل واسع، بعضها دمر جزئياً، فيما بقيت أخرى قائمة شكلياً، لكنها غير صالحة للسكن، سواء بسبب استهداف مباشر أو نتيجة الأضرار البالغة التي لحقت بها نتيجة استهداف المباني المجاورة، ما جعلها مهدّدة بالانهيار في أي لحظة».
ويلفت بصل إلى أن صعوبة الواقع المعيشي في الخيام دفع السكان للبقاء داخل هذه البيوت على الرغم من إدراكهم لحجم الخطر، «فبعد تجربة النزوح القاسية، أصبحت الخيمة خياراً غير مقبول لكثيرين، المبنى يحميهم من المطر والحشرات والكلاب الضالة».

يوضح بصل، بالأرقام، أن «نحو 27 بناية انهارت، بشكل كامل، منذ بدء المنخفضات الجوية، فيما تجاوز عدد المباني التي انهارت كلياً منذ وقف إطلاق النار 55 مبنى، إضافة إلى أكثر من 200 مبنى تضررت، بشكل خطير، سواء بانهيار أجزاء كبيرة منها أو بفقدان مقومات السلامة الإنشائية، مشيراً إلى أن وزارة الصحة سجل عشرات الإصابات، إضافة إلى نحو 24 حالة وفاة نتيجة انهيار مبانٍ على رؤوس ساكنيها خلال الفترة الأخيرة.
ويقرّ بصل بأن محدودية الإمكانات تشكل عائقاً قاتلاً أمام إنقاذ الأرواح، «قد يكون الطفل على قيد الحياة تحت الركام، يناجي، لكننا لا نملك المعدات الكافية لإخراجه»، مشيراً إلى أن غياب الآليات الثقيلة وأدوات الإنقاذ المتخصصة يؤدي إلى وفيات كان يمكن تفاديها.
ويطالب بصل المجتمع الدولي بالضغط على الاحتلال الإسرائيلي للسماح الفوري بإدخال مواد البناء والمعدات الثقيلة، «فهي ليست رفاهية، بل خيار حياة»، محذراً من أن استمرار الواقع الحالي يعني «كارثة إنسانية جديدة، وضحايا أكثر، ومعاناة أعمق».
مبانٍ متصدّعة
لا يقتصر الخطر الذي يهدد آلاف العائلات في قطاع غزة على القصف المباشر، بل يمتد إلى ما خلفته الحرب من مبان متصدعة، تحمل في صمتها احتمال الانهيار في أي لحظة.
هذا ما يؤكده عضو مجلس إدارة نقابة المهندسين ورئيس مبادرة «بيتك آمن»، المهندس حسن الخضري، التي أُطلقت لتقييم السلامة الإنشائية للمنازل المتضررة.
ويوضح الخضري، في حديث لـ «الأخبار»، أن المبادرة جاءت استجابة لتزايد مخاوف المواطنين بعد عودتهم إلى بيوت تعرضت لأضرار جزئية، ومن خلال لجنة مشتركة تضم نقابة المهندسين ووزارة الأشغال والدفاع المدني والبلديات، «جرى التعامل مع شكاوى تلقتها المبادرة ميدانياً، وفق مسارات واضحة».

يشير الخضري إلى أن المبادرة تلقت نحو 133 شكوى، في مدينة غزة وحدها، جرى إنجاز تقييم 100 منها، مشيراً إلى أنه جرى تصنيف حالات المنازل إلى ثلاث فئات، منازل آمنة، ومنازل تحتاج إلى تدعيم (عاجل أو غير عاجل)، ومنازل غير آمنة نهائياً، لافتاً إلى أنه في الحالة الأخيرة قد يتخذ قرار الإخلاء الفوري، بالتنسيق مع الدفاع المدني والبلدية، مع توفير خيام أو أماكن إيواء بديلة عبر اللجنة الحكومية.
يشرح الخضري أن خطورة كثير من المباني تكمن في أضرار غير مرئية للعين، خصوصاً في الأعمدة والقواعد، «فالقصف والاهتزازات العنيفة تحدث فراغات في التربة، تتفاقم مع مياه الأمطار، ما يؤدي إلى هبوط القواعد وانهيار مفاجئ للبناء».
ويلفت إلى أن بعض المباني فقدت أعمدة كاملة، «فأصبحت الأحمال على عدد محدود من الأعمدة أو الأحزمة، ما يجعل أي خلل إضافي كفيلاً بإسقاط المبنى بأكمله، وفي حالات أخرى، قد لا يكون الخطر في الشقة نفسها، بل في الطوابق العليا المتضررة، والتي تشكل حمولة قاتلة على من يسكنون أسفلها».
مرتبط