تعبئة فتمويه فاستعداد: هل تكرّر واشنطن وتل أبيب خديعتهما؟
موقع ميادين المقاومة
أسبوعين مضت
أخبار هامّة, الرئيسية, النشرة الدولية, مقالات مختارة, منوّعات
يكشف التضليل الإسرائيلي – الأميركي المستمر عن استمرار استراتيجية الخداع نفسها التي سبقت عدوان حزيران ضد إيران. ويأتي هذا وسط حالة الاستنفار الإسرائيلية المتواصلة، في ما ينبئ في مجمله بأن تل أبيب «مطمئنة» إلى أن الضربة آتية حتماً.

لا يزال الكيان الصهيوني يعيش حال استنفار، يشي بانتظار الضربة الأميركية..
قبل العدوان الإسرائيلي على إيران في حزيران 2025، لم تكن تل أبيب تعدّ الطائرات والذخائر فحسب، إنّما كانت أيضاً تُحضّر الرواية التي تريد تصديرها لشرعنة عملياتها. وقتذاك، رفعت إسرائيل مستوى التحذير من إيران أمام جمهورها الداخلي وحلفائها، ثم ضخّت رواية موازية تقول إن الولايات المتحدة تمنعها من التحرّك. وبالفعل، خرج الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بتصريح علني أكّد فيه تفضيله الحلّ الدبلوماسي مع إيران. وبالتزامن، تسلّلت أخبار عن اجتماع مرتقب لمسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى في واشنطن، فيما أُعلن عن جولة مفاوضات نووية جديدة كان يُفترض عقدها في 15 حزيران.
وهكذا، بدا المشهد وكأن تل أبيب وواشنطن على مسارَين متباعدين: خلافات معلنة، تباينات سياسية، تصريحات عن «الدبلوماسية»، وتسريبات توحي بأن رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، مكبَّل بقرار البيت الأبيض، وأن ساكن الأخير يفضّل التفاوض على الخيار العسكري. لاحقاً، بعد تنفيذ الهجوم على طهران، تهاوت رواية «غياب التنسيق» و«الخلافات» تلك، والتي تَبيّن أنها كانت أداةً أمنية تهدف إلى إرخاء حذر الإيرانيين، وتقليل مستوى التأهّب لدى طهران، ودفعها إلى افتراض أن الضربة ليست وشيكة؛ وهو ما فاخر به ترامب بكلّ فجاجة بعد الضربة الافتتاحية، حين قال إن ذلك كان جزءاً من عملية التمويه الإسرائيلية.
بعد وقف إطلاق النار، أكّدت تقارير وتسريبات وشهادات غربية أيضاً أن الخلافات العلنية كانت جزءاً من خطة الخداع، وأن الضجيج الإعلامي حولها كان تمويهاً منظّماً. وقال أحد المشاركين في التخطيط، حسبما نقلت التغطيات الغربية، إن إظهار التباعد بين نتنياهو وترامب «ساعد على المضيّ في التخطيط من دون أن يلاحظه كثيرون». وبدورها، كشفت وسائل الإعلام الإسرائيلية جزءاً من ديناميات التضليل تلك؛ ومن ذلك بثّ «القناة الـ13» وثائقياً حمل اسم «12 يوماً من حزيران»، تضمّن محاضر اجتماعات الكابينت إبّان الحرب، ومداولات مؤتمر «الأسد الصاعد» الذي عُقد في جامعة تل أبيب في أيلول الماضي (شارك فيه كبار ضباط الجيش الذين كان لهم دور في التخطيط للعدوان)، وأقرّت مراسلة القناة السياسية، موريا أساف، فيه، بأنها واجهت الناطق السابق باسم مكتب نتنياهو، عومير دوستري، الذي سرّب خبر اجتماع الكابينت بذريعة بحث «ملف غزة»، بينما كان الهدف الحقيقي إقرار الهجوم على إيران.
اليوم، يبدو أن أسلوب التضليل نفسه يعود إلى الواجهة، وذلك في إطار حرب نفسية وصفها المراسل السياسي لقناة «i24news»، عميخاي شتاين، بأنها عملية «تنويم» للخصم. يتجلّى هذا التوجّه الحديث عن تحالف أميركي – إسرائيلي أكثر صلابة، وفي الوقت نفسه بثّ رسائل متناقضة (هناك ضربة على إيران، ثم أُلغيت الضربة)، تُشعرنا وكأننا أمام نسخة ثانية ممّا «قبل حزيران»، ولكن في ظروف مختلفة وأدوات تمويه مغايرة.
“تُثار التساؤلات حول نوع المعلومات التي يحملها «ديدي»، والتي دفعته إلى التوجه إلى الولايات المتحدة”
قبل موجة التظاهرات الأخيرة في إيران التي اندلعت رفضاً لقرارات حكومية، ركّزت السردية الإسرائيلية على «خطر الصواريخ الباليستية» لدى طهران؛ إذ ادّعت أن الأخيرة باتت تمتلك رؤوساً تفجيرية تعادل قنبلة نووية صغيرة، حتى أن بعض وسائل الإعلام العبرية سرّبت خبراً مفاده أن إيران تُصنّع سلاحاً كيميائياً لاستهداف إسرائيل. إلّا أنه مع اندلاع التظاهرات التي شهدتها عدد من المدن الإيرانية، تبدّلت الرواية سريعاً، لينسحب «الخطر العسكري» على ذلك «الأخلاقي»، ويَبرز خطاب يدعو «أحرار العالم» إلى «إنقاذ» الشعب الإيراني من نظامه.
وبالعودة إلى مطلع شباط 2025، حين التقى نتنياهو ترامب في واشنطن، روت التسريبات آنذاك أن نتنياهو عرض على الرئيس الأميركي أربعة سيناريوهات لهجومات محتملة على البرنامج النووي الإيراني: ضربة إسرائيلية منفردة، أو بدعم أميركي محدود، أو عملية مشتركة كاملة، أو عملية تقودها الولايات المتحدة بصورة رئيسة. والدلالة الأهم، هنا، ليست تعدّد السيناريوات، بل أن خيار «حرب حزيران» كان مطروحاً ومخطّطاً له مذّاك ولم يكن اندفاعاً مفاجئاً.
ينسحب الأمر نفسه على اللقاء الذي عقده نتنياهو مع ترامب نهاية العام الماضي في منتجع الأخير في فلوريدا، والذي لم يكن هدفه حتماً بحث الانتقال إلى «المرحلة الثانية» في غزة أو نيل ضوءٍ أخضر لمهاجمة لبنان، إنما حسم كيفية التعامل مع إيران. وإذ تدرك إسرائيل حدود قدرتها العسكرية، وأنها لا تمتلك القدرة على إسقاط الجمهورية الإسلامية، وأن كلّ ما يمكنها فعله ضدها هو توجيه ضربات قد يكون بعضها مؤلماً، فهي عملت ولا تزال تعمل على إقناع الولايات المتحدة بتولّي الأمر بنفسها.
وفي هذا السياق، ذكرت وسائل إعلام العدو أن رئيس جهاز «الموساد»، ديفيد برنياع، حطّ في ميامي للقاء المسؤولين الأميركيين، وأنه من المحتمل أن يلتقي ترامب الذي يمضي إجازته في منتجعه. والجدير ذكره، هنا، أنه من النادر أن يلتقي رئيس «الموساد» برئيس الولايات المتحدة من دون حضور مسؤوله المباشر، أي رئيس حكومة العدو، علماً أن آخر السوابق المشابهة كانت عام 2007، عندما التقى رئيس «الموساد» السابق، مئير داغان، بجورج بوش، ليبلّغه عن مفاعل «الكبر» النووي السوري في دير الزور، وذلك قبل قصفه لاحقاً.
ويثير ما تقدّم التساؤلات حول نوع المعلومات التي يحملها «ديدي»، والتي دفعته إلى التوجه إلى الولايات المتحدة لإطلاع المسؤولين الأميركيين عليها. ويأتي هذا بينما تعمل إسرائيل على بناء «بنك أهداف» مخصّص للضربة الأميركية المحتملة، وذلك بهدف جعلها «قصيرة» و«محدودة المخاطر الجوية»، وسط الترويج الإسرائيلي لـ«ضعف» منظومات الرصد والدفاع وشبكة الإنذار المبكر الإيرانية. وفي الوقت نفسه، ورغم الحديث الإعلامي عن تأجيل الضربة، لا تزال إسرائيل تعيش حال استنفار، تشي بانتظار الضربة الأميركية، ثم الردّ الإيراني المتوقع. إذ تواصل تل أبيب رفع مستوى الجاهزية الداخلية، وتكثّف التدريبات على سيناريوات وابل صاروخي وهجمات بالمسيّرات، وتعزّز منظومات الاعتراض والإنذار المبكر، في ما ينبئ في مجمله بأنها «مطمئنة» إلى أن الضربة آتية حتماً.
مرتبط