ما بعد خفوت الاحتجاجات… سيناريو الضربة المحدودة يتقدّم
موقع ميادين المقاومة
أسبوعين مضت
أخبار هامّة, الرئيسية, النشرة الدولية, مقالات مختارة, منوّعات
على رغم تعدُّد السيناريوات في ما يتّصل بالوضع في إيران، يبدو أن الأمور تتّجه إلى المفاضلة بين ضربة محدودة يليها ردّ متناسب، يمهّد الطريق أمام العودة إلى المفاوضات، أو تفعيل المسار الديبلوماسي بعد ركن التهديدات جانباً.

يبدو سيناريوا الضربة المحدودة والعودة إلى المفاوضات الأكثر ترجيحاً..
يرفع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، من مستوى تهديداته ضدّ إيران، من دون أن يحدّد طبيعة الإجراء المنويّ تنفيذه أو توقيته. وبين التصعيد العلني والتراجع العملي، يبقى واضحاً أن هذا الغموض لا ينفصل عن سياقات داخلية أميركية وأخرى إقليمية معقّدة، في حين أن السيناريوات المطروحة يصعب الجزم بأيٍّ منها، وإنْ كان يمكن مقاربتها وتحليلها وفق معطيات سياسية وأمنية قائمة، تحصرها في خمسة:
السيناريو الأول: محاولة الولايات المتحدة إعادة إحياء الاحتجاجات الشعبية داخل إيران -بعدما تراجعت حدّتها بشكل كبير -، والاستمرار في الدفع بها نحو صورة أكثر عنفاً وتنظيماً. غير أن فاعلية هذا الاحتمال تبدو ضعيفة، خصوصاً وأن الشارع الإيراني شهد تحوّلاً ملحوظاً تمثّل في خروج مسيرات مليونية مؤيّدة للنظام، وثبوت محدودية قدرة أيّ حَراك معارض على فرض نفسه باعتباره قوّة تغيير. كذلك، تركت التدخّلات الأميركية والإسرائيلية المباشرة في الشأن الداخلي الإيراني، وما رافقها من اتهامات بالتحريض على العنف والتخريب، أثراً سلبياً واسعاً لدى الرأي العام الإيراني، فيما فضح تشديد العقوبات التي تطاول الاقتصاد والدواء والغذاء، وتهديد الدول المتعاملة تجاريّاً مع إيران بفرض رسوم جمركية عقابية عليها تصل نسبتها إلى 25%، مزاعم واشنطن عن أنها حريصة على تحسين الظروف المعيشية للإيرانيين.
السيناريو الثاني: يفترض لجوء الولايات المتحدة إلى شنّ هجمات سيبرانية تستهدف مؤسّسات وبنى تحتية حسّاسة، بالتوازي مع محاولة كسْر السيطرة المعلوماتية عبر توفير الإنترنت داخل إيران بواسطة أقمار «ستارلينك». إلا أنه في ما يتّصل بهذه الأقمار، تشير تقديرات تقنية إلى أن طهران نجحت في تفعيل آليات تشويش متقدّمة عطّلت بموجبها نسبة كبيرة من حركة البيانات، وصلت، بحسب خبراء، إلى 80%، وذلك في تطوّر لافت ضمن الصراع الرقمي المتصاعد بين الطرفين. كما اتّخذت إيران إجراءات استباقية، تمثّلت في تقليص أو قطع الاتصال بالإنترنت العالمي، بما يتيح منع الاختراقات السيبرانية، وحرمان أيٍّ من المجموعات المسلّحة أو التخريبية من استخدام الشبكة كوسيلة للتواصل والتوجيه.
“تسعى طهران إلى تكريس معادلة الردع والاعتراف بدورها الإقليمي”
السيناريو الثالث: يقوم على تنفيذ الولايات المتحدة ضربة عسكرية محدودة، تستهدف مواقع غير حيوية أو خالية، وذلك بهدف توجيه رسالة سياسية إلى النظام، وحفظ ماء وجه الرئيس الأميركي الذي كان مضى بعيداً في رفع سقف تهديداته. ومما يعزّز من حظوظ هذا الخيار، أن دولاً إقليمية، من بينها السعودية وسلطنة عمان وقطر، تسعى إلى منع انزلاق الأمور نحو مواجهة أوسع، لِما لهكذا مواجهة من تداعيات مباشرة على أمن المنطقة واقتصاداتها، لا سيما أسواق الطاقة، بحسب ما أوردته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية. وفي حال تحقَّق السيناريو المذكور، يُرجّح أن يتمّ ضمن ترتيبات ووساطات، بحيث يأتي الردّ الإيراني عليه مضبوطاً ومتناسباً، ويعاد بالتالي فتح نافذة تفاوض جديدة قائمة على توازن المصالح.
السيناريو الرابع: يفترض تنفيذ هجوم أميركي واسع قد يجرّ المنطقة إلى حرب شاملة. ووفق التصريحات الإيرانية، سيكون الرد في هذه الحال سريعاً ومفاجئاً، مع تركيز على نقاط الضعف الأميركية في المنطقة، بما يشمل القواعد العسكرية، والوجود البحري، وحلفاء واشنطن، وعلى رأسهم الكيان الإسرائيلي، إضافة إلى احتمال إغلاق مضيق هرمز تبعاً لمسار التصعيد. والجدير ذكره، هنا، أن المواجهات السابقة أظهرت جانباً من القدرات الإيرانية، سواء الصاروخية أو غير التقليدية، فحسب، وأثبتت فاعلية تلك القدرات رغم أن طهران لم تكشف عن كامل ترسانتها أو تُشرك جميع أذرعها العسكرية فيها. ومن شأن ذلك أن يعزّز حال الردع ويزيد كلفة أيّ مواجهة مفتوحة.
السيناريو الخامس: يَفترض تراجع لغة التهديد لصالح المسار الدبيلوماسي، وهو ما تدعمه مؤشرات إلى ليونة نسبية في خطاب ترامب، الذي انتقل من التلويح بالخيار العسكري إلى ربط تهديداته بـ«إذا ما قتلت إيران المتظاهرين»، ثمّ التحذير من «إجراءات قويّة» غير محدّدة، قبل إشارته الأخيرة إلى ربط تلك الإجراءات بـ«إذا ما أعدمتهم». وإذ يعكس ذلك هامشاً للمناورة السياسية، فهو يجعل من السيناريو المذكور الأكثر واقعية، خصوصاً في ظلّ إدراك الطرفَين كلفة التصعيد، وتشابك المصالح الدولية، وحاجة واشنطن إلى تهدئة جبهات متعدّدة، في مقابل سعي طهران إلى تكريس معادلة الردع والاعتراف بدورها الإقليمي.
ورغم تعدُّد السيناريوات، فإن سيناريوَي الضربة المحدودة والعودة إلى المفاوضات يبدوان الأكثر ترجيحاً، وذلك في ظلّ توازن الردع القائم، وضغوط الإقليم، وحسابات الكلفة والعائد لدى الطرفين. غير أن استمرار الغموض في الموقف الأميركي يُبقي كل الاحتمالات مفتوحة، ويهدّد بتحويل أيّ خطأ في التقدير إلى شرارة قد تشعل مواجهة أوسع يصعب احتواؤها.
مرتبط