رودريغيز تقود انقلاباً ناعماً: القواعد «الثورية» غير راضية
موقع ميادين المقاومة
3 أسابيع مضت
أخبار هامّة, الرئيسية, النشرة الدولية, مقالات مختارة, منوّعات
مع مضيّ أسبوع على اختطاف مادورو، لا تزال تتكشّف المزيد من خفايا الهجوم الأميركي، الذي يتّضح الآن أنه لم يكن مجرّد تغيير قسري لرأس الهرم. وبالتزامن مع استمرار صعود رودريغيز، كشريك يرضي واشنطن، تتكاثر التحديات التي تنذر بمرحلة انتقالية معقّدة في فنزويلا.

تعجّ فنزويلا بالثوار المسلّحين الذين لا يأتمرون بأمر رودريغز..
بعد مرور أسبوع على اختطاف الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، ونقْلهما إلى نيويورك، بدأت تتكشّف تفاصيل إضافية حول التكتيكات العسكرية التي اتُّبعت في الهجوم الأميركي الخاطف على مقرّ إقامتهما، والاختراقات الاستخبارية العميقة التي أنجحته، كما التحوّلات الدراماتيكية في هيكل السلطة في كاراكاس نتيجةً له. وتناقلت الصحف الغربية ومراقبون، أنباء عن اختراقات في الدائرة الضيّقة للرئيس المُختطف، سهّلت الهجوم الأميركي، فيما تقاطعت تقارير عند تحوّل الرئيسة بالوكالة، ديلسي رودريغيز، إلى شريك بحكم الأمر الواقع للولايات المتحدة، في مواجهة تململ في أوساط قواعد الحركة البوليفارية على الأرض.
وحول عملية الاختطاف، تشير الشهادات الميدانية والتحليلات العسكرية إلى أن العملية لم تكن مجرّد إنزال تقليدي، بل ساحة اختبار لتقنيات حرب جديدة شَلَّت قدرات الجيش الفنزويلي تماماً. وأفادت تقارير متطابقة بأنه سبق الهجوم، تعطُّل كلّي لأنظمة الاتصالات والطاقة؛ إذ لعبت القيادة السيبرانية الأميركية دوراً محوريّاً في اختراق الشبكات الفنزويلية وإطفاء أضواء العاصمة كاراكاس في اللحظة الحاسمة، وذلك لتوفير غطاء من ظلام دامس للقوات المهاجمة. كما ساهمت قيادة الفضاء الأميركية في تأمين مسارات طيران غير مرئية للأقمار الاصطناعية والطائرات. ونقل شهود عيان وناجون من محيط مجمع «فورتي تيونا» (Fuerte Tiuna) العسكري، تفاصيل مرعبة عن تكنولوجيات متطوّرة استُخدمت في الهجوم، فيما تحدّث الجنود والسكان عن سماع صفير حادّ وثاقب لم يتمكّن الجنود من تحمُّله، حتى إن بعضهم أصيب بنزيف، في ما يشير إلى استخدام أسلحة صوتية متطوّرة لتعطيل المُشاة.
وتوازياً مع إطلاقات نارية عالية الكثافة وسقوط قنابل عنقودية صامتة، كانت القوات المهاجمة قادرة على رصد الجنود الفنزويليين بدقّة، فيما هؤلاء عاجزون عن الرؤية أو استخدام أيّ نظام دفاعي بعدما تعطّلت جميع الأجهزة الإلكترونية. وشاركت في العملية الصاعقة حوالى 150 طائرة، حلّقت المروحيات منها على ارتفاعات منخفضة جداً (حوالي 100 قدم) لتفادي الرادارات، مدعومة بطائرات مُسيّرة شبحية. وفي المقابل، فشلت أنظمة الدفاع الجوّي الروسية والصينية الموجودة لدى فنزويلا، بالكامل، في التعامل مع التشويش الإلكتروني الهائل.
على أن التفوّق التكنولوجي لم يكن وحده كافياً لإنجاح عملية بهذا التعقيد في «منطقة محظورة» أمنياً، إذ كشفت التحقيقات التي أجرتها أجهزة أمنية رسمية عن اختراق بشري من أعلى المستويات، مع بروز اسم الجنرال خافيير ماركانو تابات، بوصفه الشخصية المحورية في انهيار منظومة الحماية حول مادورو؛ علماً أن تابات ليس مجرّد مسؤول عسكري رفيع، بل كان صديق طفولة مادورو وأكثر الأشخاص الموثوقين بالنسبة إليه. وبناءً على ما ثبُت عليه، أصدرت الرئيسة بالوكالة أوامر بإنهاء خدماته واعتقاله، موجّهةً إليه تهماً خطيرة، من مثل تلقّي أموال من «وكالة الاستخبارات المركزية» الأميركية، وتزويد القوات الخاصة التي نفّذت الهجوم بالإحداثيات الدقيقة لموقع مادورو وتحرّكاته، مع تعطيل ممنهج لبروتوكولات الدفاع المضاد للطائرات، بما سمح للمروحيات الأميركية بالتحليق بحرية. وكان نتج من هذه الخيانة، مقتل 32 من عناصر الأمن (معظمهم من الكوبيين المكلّفين بحماية مادورو)، في حين تمكّنت القوات الأميركية من الوصول إلى الرئيس الفنزويلي وهو يحاول إغلاق باب غرفة فولاذية آمنة، حيث كانت القوات المهاجمة مُجهّزة بمشاعل تفجير وأدوات لفتح الأبواب المُصفّحة، الأمر الذي يعكس معرفة مُسبقة دقيقة بتصميم المُجمّع.
في غضون ذلك، وفي ما يؤشّر إلى تحوّل جذري في المشهد السياسي في كاراكاس، تُواصل رودريغيز، نائبة الرئيس السابقة والرئيسة الحالية بالوكالة، تصدير نفسها كشخصية «تكنوقراطية» تدير البلاد بعقلية براغماتية بعيدة من الشعارات الأيديولوجية التقليدية للثورة البوليفارية، وتنسّق بشكل مباشر مع واشنطن. وعلى رغم تاريخها كابنة ثوري ماركسي شهيد، وخطابها السابق المناهض للإمبريالية، تشير تقارير متقاطعة – وتصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب -، إلى أن الرئيسة على تواصل دائم مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. وتجلّى هذا التعاون بشكل فجّ في حادثة ناقلة النفط «أولينا»، التي غادرت الموانئ الفنزويلية من دون تصريح، مُحمَّلة بـ500 ألف برميل من النفط، وهو ما حمل رودريغيز على طلب مساعدة عسكرية أميركية لوقفها، لتسارع واشنطن إثر ذلك إلى إرسال فريق مشترك من خفر السواحل والبحرية، اعترض الناقلة وأعادها إلى فنزويلا. وتشير هذه الحادثة إلى اعتراف أميركي ضمني بسلطة رودريغيز، وتوجُّه لدعمها لتثبيت حكمها، وضمان تفرّدها بالسيطرة الكلية على إدارة الموارد النفطية، وتحييد منافسين داخليين محتملين باستخدام العصا الأميركية. وتتّبع رودريغيز، التي درست في باريس ولندن، نهجاً اقتصادياً مغايراً لسلفها، وهي استعانت بمستشارين اقتصاديين من الإكوادور (عملوا سابقاً مع رئيسها الأسبق رافائيل كوريا) لإطلاق عملية «خصخصة خفيّة» للموارد، مانحةً المستثمرين الأجانب سيطرة على مشاريع حيوية في النفط والإسمنت. وإذ تستهدف تلك السياسات كبح التضخّم والوصول إلى مرحلة من الاستقرار الاقتصادي، فإن من شأنها أن تجعل رودريغيز، وفق الخبراء، شريكاً مقبولاً للغرب.
في المقابل، يأتي التهديد المُحتمل لهذا الانقلاب الناعم على التشافيزية، من القواعد الثورية البوليفارية التي يمثّلها في هرم السلطة وزير الداخلية، ديوسدادو كابييو، الذي يسيطر على الشرطة والاستخبارات وميليشيات «الكولكتيفوس» الشعبية، ويتبنّى موقفاً متشدّداً ورافضاً لأيّ تنازلات للولايات المتحدة، ويطالب بعودة مادورو إلى فنزويلا بوصفه الرئيس الشرعي للبلاد. وعلى الرغم من إعلان كابييو «الولاء المطلق» لرودريغيز، إلا أن مراقبين يرون أن هذا التحالف هشّ ومؤقّت؛ إذ إن الوزير مطلوب لواشنطن بتهم مزعومة تتعلّق بتجارة المخدّرات، ما يمنح الرئيسة القدرة على التضحية به ضمن صفقة مع الأميركيين لتعزيز سيطرتها على الحكم. لكن ذلك قد يُشعِل فتيل حرب أهلية في بلد يمتلك فيه الجميع سلاحاً، ولا يمتلك فيه أحد سيطرة كاملة؛ فبينما تُمسِك رودريغيز بالقرار السياسي ظاهريّاً، تعجّ فنزويلا بالثوار المسلحين الذين لا يأتمرون بأمرها، ويشكلّون تهديداً مباشراً لاستقرار تركيبة سياسية جديدة تهتدي بتوجيهات واشنطن، أو لأيّ استثمارات أميركية مُحتملة.
وكانت انتشرت ميليشيات «الكولكتيفوس» التي تخضع لسيطرة كابييو في الشوارع بعيد اختطاف مادورو، حيث أقام عناصرها حواجز تفتيش ودقّقوا – وفق صحف غربية – في هواتف المواطنين. ويَعتبر هؤلاء أنفسهم حماة «الثورة الاشتراكية» في مدن البلاد الكبرى، فيما تسيطر مجموعات عسكرية يسارية فنزويلية وكولومبية على الأرياف (مناطق الحدود مع كولومبيا والمناجم غير القانونية في الجنوب بالقرب من حزام أورينوكو النفطي)، وتوعّدت إحداها بعد ساعات من أسر مادورو بـ«مواجهة الخطط الإمبريالية للولايات المتحدة».
وهكذا، يتكشّف مع تقدّم الأيام أن عملية اعتقال مادورو لم تكن مجرّد تغيير قسري لرأس الهرم، بل بداية ترتيب لمرحلة انتقالية توضع فيها فنزويلا في عهدة إدارة تكنوقراطية تنسّق أمنياً واقتصادياً مع الولايات المتحدة، ليبقى التحدّي الأكبر لهذا الترتيب الجديد احتواء جناح كابييو وضمان هدوء القواعد الشعبية. ولعلّ إشارة واشنطن إلى التوجّه إلى رفع جزئي سريع للعقوبات عن كاراكاس وتسريع عمليات بيع النفط الفنزويلي الخام للشركات الأميركية، يأتي كلّ ذلك في سياق توفير أدوات لنظام رودريغيز تمكّنه من امتصاص الغضب الشعبي من اختطاف الرئيس، وانطفاء الخطاب الثوري لخليفته.
——–
إنسرت:
تعزّزت صورة رودريغيز كشخصية «تكنوقراط» تدير البلاد بعقلية براغماتية بعيدة من الشعارات الأيديولوجية
مرتبط