إيران توحّد سعر الصرف: رهانٌ على تهدئة الحَراك
موقع ميادين المقاومة
3 أسابيع مضت
أخبار هامّة, الرئيسية, النشرة الدولية, مقالات مختارة, منوّعات
تراهن الحكومة الإيرانية على أن قرارها توحيد سعر الصرف قد يسهم في خفض الاحتقان الداخلي، وتخفيف الضغوط المعيشية التي ما فتئت تحفّز الحراك الاحتجاجي.

أعلنت الحكومة الإيرانية تفعيل البطاقة التموينية (كالا برگ) لتشمل 86 مليون إيراني..
دخلت سوق الصرف الإيرانية، اعتباراً من الخامس من كانون الثاني الجاري، مرحلةً جديدة من الإصلاحات الهيكلية التي تصفها السلطات النقدية بأنها «نقطة عبور حاسمة نحو تحقيق وعد توحيد سعر صرف العملة والقضاء على بؤر الريع والاختلالات المزمنة في الاقتصاد الإيراني». وجاءت هذه الخطوة في سياق تحوّلات أوسع تشهدها السياسة الاقتصادية للحكومة الرابعة عشرة، وسط ضغوط معيشية متراكمة وتحدّيات داخلية وخارجية.
وتُظهر بيانات لوحات التداول في مركز مبادلة العملة والذهب، تقلُّصاً ملحوظاً في الفجوة السعرية بين القاعات الرسمية، وهو تطوّر اعتبره مراقبون «إحدى أهمّ الإشارات العملية إلى بدء تطبيق سياسة نقدية أكثر واقعية، تهدف إلى تقليص المسافة بين السعر الرسمي وسعر السوق الحرّة، والحدّ من فرص المضاربة والانتفاع الريعي». وكانت قرّرت السلطات النقدية تقليص نطاق تخصيص سعر الصرف المدعوم البالغ 28,500 تومان، بحيث يقتصر استخدامه حصريّاً على تأمين الدواء والقمح، باعتبارهما سلعتين أساسيتين مرتبطتين بالأمن الصحي والغذائي. وفي المقابل، خرجت بقية السلع والمدخلات الإنتاجية من دائرة هذا السعر، ليُصار إلى تأمين عملتها عبر آليات أقرب إلى سعر الصرف الحرّ؛ علماً أن السعر الرسمي الجديد بلغ نحو 131 ألف تومان، مقارنةً بحوالى 137 ألف تومان في السوق الحرة، ما يعكس تقارباً غير مسبوق بين السعرَين، ظهرت آثاره بشكل فوري في الأسعار الرسمية، وأعاد رسم خريطة التسعير في قطاعات الاستيراد والتجارة والخدمات.
في هذا السياق، ترى غالبية الخبراء الاقتصاديين أن القرار الأخير، على رغم كلفته الاجتماعية القصيرة الأمد، كان «ضرورياً ولا مفرّ منه». ويصف هؤلاء ما تقوم به الحكومة والسلطات المالية بأنه «جراحة اقتصادية ضرورية»، قد تكون لها آثار جانبية على بعض القطاعات والفئات، لكنها في المُحصّلة تستهدف إعادة التوازن إلى منظومة الأسعار، ووقف النزيف المستمرّ في موارد الدولة. أيضاً، يُجمِع المتابعون على أن سعر الصرف المدعوم في صيغته السابقة، كان في كثير من الأحيان يذهب إلى جيوب فئات خاصة وشبكات وسيطة، بدل أن ينعكس تحسُّناً حقيقيّاً في معاش المواطنين. أمّا اليوم، فإن الفارق السعري الناتج من تقليص هذا الدعم، يمكن أن يتحوّل إلى إيرادات مباشرة لخزينة الدولة، تُستخدم في دعم أوسع وأكثر عدالة.
يُنظر إلى قرار حكومة بزشكيان توحيد سعر الصرف باعتباره «صعباً وشجاعاً»
وحظي قرار حكومة الرئيس مسعود بزشكيان، الذي وُصف بأنه «صعب وشجاع»، بدعم تشريعي من مجلس الشورى الإسلامي الذي أقرّ وعدّل عدّة بنود في الموازنة العامة لتتوافق مع الواقع الاقتصادي الجديد. وتشير التقديرات إلى أن القرار الأخير سيؤدّي إلى تعزيز حوافز المصدّرين لإعادة عوائد صادراتهم إلى البلاد، وهو عامل بالغ الأهمية في ظلّ شحّ العملات الأجنبية والحاجة إلى استقرار سوق الصرف. وعلى رغم أن هذه الخطوة لا تخلو من تبعات تضخّمية، لكنّ الحكومة ترى أن كلفتها أقلّ من استمرار التشوّهات القائمة. ولطالما شكّلت مسألة عودة العملات الصعبة الناتجة من الصادرات واحدة من أبرز العقبات أمام استقرار سوق الصرف في إيران؛ فقد احتجّ عدد من المصدّرين، على مدى سنوات، على الفارق الكبير بين أسعار الصرف الرسمية وسعر السوق، واعتبروا أن السياسات السابقة تجبرهم على بيع عملاتهم بأقلّ من قيمتها الفعلية. ويرى محلّلون أن تحرير سعر الصرف والسعي إلى توحيده قد يسهمان في إسقاط تلك الحجج، ويغلقان الباب أمام تبريرات الامتناع عن إعادة العملات الأجنبية إلى الدورة الاقتصادية الرسمية، ما يعزّز قدرة الدولة على إدارة مواردها النقدية بفعالية أكبر.
وبحسب بعض التقديرات غير الرسمية، فإن ما بين 60 و96 مليار دولار من عوائد الصادرات، لم تَعُد إلى الدورة الاقتصادية الرسمية في إيران. ويؤكد منتقدو هذا الوضع أن هذه الأموال ليست ملكية شخصية للمصدّرين، بل هي نتاج مباشر لتحويل دعم ضخم تقدّمه الدولة في مجالات الطاقة والمياه والعمالة الرخيصة، إلى عملات أجنبية. إلا أن احتجاز تلك العوائد في الخارج أو بيعها في السوق الحرة يعني عمليّاً «تصدير دعم الشعب الإيراني» لصالح أقليّة محدودة، وهو ما يُعدّ أحد أبرز مظاهر الخلل البنيوي في الاقتصاد، والذي تأتي الخطة الجديدة لمعالجته.
في المقابل، واستجابةً للمخاوف المعيشية الناتجة من تحرير سعر الصرف واحتمالات ارتفاع أسعار بعض السلع، أعلنت الحكومة الإيرانية تفعيل البطاقة التموينية (كالا برگ) لتشمل 86 مليون إيراني، مشدّدةً على أن هذا الدعم يُقدَّم بوصفه «حقاً للمواطنة» وليس صدقةً أو منّة، وذلك في محاولة لإمتصاص الصدمة الاجتماعية المصاحبة للإصلاحات الاقتصادية. وتُظهِر تحوّلات سوق الصرف أن حكومة بزشكيان دخلت فعلياً في مسار واقعية أسعار الصرف، والحدّ من الريع، والتقارب التدريجي بين الأسعار. وعلى رغم ما يكتنف هذا المسار من مخاوف تضخّمية وتحدّيات تنفيذية، إلّا أنه قد يشكّل نقطة تحوّل حقيقية في إصلاح الهيكل النقدي والتجاري للبلاد، خصوصاً إذا ما ترافق مع سياسات تعويضية فعّالة، ورقابة صارمة، وإدارة دقيقة للتوقّعات الاقتصادية.
وفي حال نجاح تلك المقاربة، فهي قد تسهم في خفض الاحتقان الداخلي، وتهدئة الحَراك الاحتجاجي في الأسواق، وتخفيف الضغوط المعيشية، إذ سيكون من شأنها تحويل أموال الدعم من جيوب الوسطاء والتجار إلى موائد المواطنين، وهو ما تضع الحكومة رهاناً كبيراً عليه لتجاوز هذه المرحلة الانتقالية الحسّاسة.
مرتبط