نتنياهو يزاحم الصهيونية الدينية: النقب «محمية إسرائيلية»

تبعث جولة نتنياهو رفقةَ عدد من المسؤولين الإسرائيليين، في النقب، رسائل في غير اتجاه، من بينها نحو اليمين المتطرّف، الذي يستهدف كسب أصواته عبر إغرائه بالعمل على إعادة هذه المنطقة بالكامل إلى «السيادة الإسرائيلية».

في خطوة تحمل أبعاداً سياسية واستراتيجية خطيرة، أقدم رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، وغيره من المسؤولين، على اقتحام النقب المحتلّ، في ما يَظهر أنه يمثّل عنواناً لمرحلة جديدة من الاستيطان المكثّف، والسيطرة الأمنية الصارمة على هذه المنطقة، التي لطالما كانت على رأس أهداف المشروع الصهيوني في فلسطين المحتلة.

ومع انتشار حمّى الانتخابات المرتقبة في إسرائيل، ومعها سعار اليمين المتطرّف في أوساط الأحزاب الإسرائيلية، أعلن نتنياهو بوضوح أنّ حكومته ستُعيد النقب بالكامل إلى «السيادة الإسرائيلية»، كما أنها ستكثّف الاستيطان على نطاق غير مسبوق، بما يضمن تغيير المشهد الديموغرافي لمصلحة المستوطنين.

والظاهر أنّ هدف الجولة التي رافق رئيسَ الحكومة فيها، وزيرا الأمن يسرائيل كاتس، و«الأمن القومي» إيتمار بن غفير، إلى جانب قادة الجيش والشرطة وجهاز «الشاباك»، مزاحمة قادة اليمين المتطرّف الذين لا يفتأون يكسبون المزيد من أصوات الناخبين عبر التحريض على النقب وقراها وسكّانها. ويبرز في قلب هذه استراتيجية التحريض تلك، بن غفير الذي قاد بنفسه سلسلة اقتحامات للقرى البدوية، برز من بينها اقتحامه قرية ترابين الصانع. ويأتي ذلك في وقت تشتدّ فيه سياسة الترهيب عبر استخدام القوّة المميتة، وهو ما أظهرته، مثلاً، حادثة إطلاق الشرطة الإسرائيلية النار على شاب بدوي، وقتله. وفي تبريره لحوادث القتل تلك، يقول بن غفير إنّ «كل مَن يثير المشاكل سنسحقه.. هذا وطننا».

ويشكّل ملفّ القرى غير المُعتَرف بها، جوهر الصراع في النقب؛ إذ يعيش نحو 100 ألف فلسطيني في أكثر من 30 قرية – من مثل: العراقيب، رأس جرابة، الزرنوق، أم بطين، عرعرة النقب وترابين الصانع -، غير معترف بها رسمياً، رغم تاريخها الطويل قبل قيام كيان الاحتلال. ويُستخدم هذا الرفض الإداري، كأداة سياسية لمنع السكان من الحصول على المياه والكهرباء والتعليم والخدمات الصحية، تمهيداً لدفعهم نحو الرحيل القسري، في وقت يُعمل فيه على توسيع المستوطنات والبنية التحتية المرتبطة بها بلا أيّ قيود. وفي السنوات الأخيرة، تصاعدت عمليات هدم المنازل والمنشآت في النقب لتصبح أداة ضغط نفسي وجسدي، مع هدم الاحتلال نحو 10 آلاف منزل ومنشأة في أثناء عقدَين.

“القرى الفلسطينية في النقب غرفة تحقيق مفتوحة يعيش أهلها تحت رقابة مستمرّة”

وعلى امتداد العقود الماضية، كانت النقب عرضة لعشرات المخطّطات الاستيطانية الكبرى التي استهدفت الأرض والديمغرافيا، لعلّ أبرزها مخطّط «برافر – بيغن» الذي جرى تجميده شكليّاً عام 2013 تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية، علماً أنه يهدف إلى مصادرة نحو 850 ألف دونم من أراضي البدو وتهجير نحو 100 ألف فلسطيني. ويعود هذا المخطّط اليوم بروح جديدة، وذلك عبر أدوات تشمل قرارات قضائية، ومشاريع تطوير، وإنشاء بنى تحتية مجهّزة بمرافق أمنية مشدّدة، وتُسوَّق باعتبارها «تنمية للنقب»، وإنْ كانت في الحقيقة لا تعدو كونها جزءاً من مشروع اقتلاع ممنهج يربط بين الاستيطان والأمن والقانون لتحقيق السيطرة الكاملة، في حين تستفيد المستوطنات اليهودية من مشاريع بنية تحتية ضخمة تشمل شبكات طرق ومياه وكهرباء، ويُحرم الفلسطينيون من أبسط مقوّمات الحياة.

هذا التساوق بين الاستيطان والسيطرة الأمنية، يَظهر جليّاً في دور جهاز «الشاباك»، الذي توسّعت تدخّلاته في حياة السكان، عبر تحقيقات واستدعاءات أمنية تستهدف شبّاناً ونساء وأطفالاً، بسبب نشاطهم على وسائل التواصل الاجتماعي أو مجرّد متابعة قناة إخبارية. كذلك، يجري استغلال ظروف الأهالي الاقتصادية والاجتماعية للضغط عليهم وابتزازهم، أو محاولة تجنيدهم كأدوات في أيدي الأجهزة الأمنية، وهو ما يجعل القرى الفلسطينية في النقب بمثابة غرفة تحقيق مفتوحة يعيش أهلها تحت رقابة مستمرّة.

ومنذ احتلال فلسطين عام 1948، دأبت إسرائيل على استهداف النقب من دون توقّف؛ فقد هُجّر أكثر من 100 ألف بدوي من المنطقة، ولم يبقَ سوى نحو 11 ألفاً ضمن منطقة «السياج» يعيشون في ظلّ حكم عسكري، في حين صاغت الدولة قوانين «أملاك الغائبين» (1950)، و«أملاك الدولة» (1951)، واستيلاء الأراضي (1953)، لتكرّس مصادرة الأراضي وتحويلها إلى «أملاك دولة»، وهو الأساس القانوني الذي ارتكزت عليه كل مخطّطات الاستيطان لاحقاً. ومذّاك، تعاقبت المخطّطات الإسرائيلية لتوطين البدو في بلدات فقيرة مكتظّة ومنعهم من البناء في الكثير من القرى، وذلك في مقابل مستوطنات زراعية مزدهرة ومشاريع استراتيجية كبرى – من مفاعل ديمونا النووي، إلى القواعد العسكرية والمطارات والسجون -، جعلت هذه المنطقة مفصلاً محورياً في دولة الاحتلال يجمع بين الأمن والاستيطان والزراعة والبحث العلمي.

أيضاً، استبطنت المشاريع الزراعية والمائية استراتيجية تهويد طويلة الأمد للنقب، وذلك عبر شبكات ريّ ضخمة، من مثل خطّ اليركون – النقب، وخطوط الريّ الممتدّة من بحيرة طبريا، إضافة إلى مشاريع التحريج وإقامة المزارع الفردية، والهادفة تحويل النقب إلى منطقة زراعية واستيطانية. ولم يقتصر الأمر على البنية التحتية والزراعة، بل شمل الهوية الثقافية والرمزية، مع استبدال الأسماء العربية بأسماء عبرية أو توراتية في أكثر من 500 موقع – ضمن ما يُعرف بـ«إعادة تسمية النقب» -، والذي رمى إلى إزالة الوجود التاريخي والثقافي الفلسطيني وخلق أرض جديدة تُسجّل كأرض يهودية خالصة.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

موجة غارات إسرائيلية تستهدف تجمعاً للآليات في الجنوب

شنّ الاحتلال الإسرائيلي، اليوم، موجة غارات على عدة بلدات في جنوبي لبنان، في خرق متواصل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *