إلى «أبو عبيدة»… سنظلّ نحفظ هذا الصوت
موقع ميادين المقاومة
ديسمبر 31, 2025
أخبار هامّة, الرئيسية, النشرة الدولية, النشرة اللبنانية, مقالات مختارة, منوّعات
رحلة طويلة تنتهي بإعلان إستشهاد الناطق بإسم «كتائب القسام» أبو عبيدة، الذي تحوّل من ناشط إعلامي ظلّ مجهول الملامح إلى أحد أبرز الوجوه المؤثرة في حروب غزة المتعاقبة.

أبو عبيدة الذي لم يعرف الناس وجهه إلا شهيداً
اختتم الناطق العسكري باسم “كتائب القسام”، أبو عبيدة، رحلة استمرّت عقدين من الزمان، باستحالة أيقونة المقاومين وطالبي الحرية في العالم، شهيداً، كما هي النهاية التي يتمنّاها من يسلكون هذا الطريق. اسمه حذيفة سمير الكحلوت. يعرفه أبناء مخيم جباليا جيداً؛ هم الذين عايشوه عن قرب وحفظوا ملامحه التي ظلّت منذ ظهوره مُلثّماً في أول مؤتمر صحافي عقده في “مسجد النور” إبان معركة “أيام الغضب”، خفيةً عن العالم كله. حينها، ظهر “أبو إبراهيم” مُلثّماً بعصبة “كتائب القسام” الخضراء، معلناً عن سلسلة مهمّات قتالية نفّذها المقاومون خلال التصدّي لمحاولة العدو اجتياح المخيم. منذ ذلك الحين، بدأ الشاب الذي ولد في السعودية عام 1984 يتحوّل من المقاتل الذي يتقدّم صفوف المرابطين على ثغور المخيم، إلى مؤسّس اللبنة الأولى لدائرة “الإعلام العسكري” في “كتائب القسام”، وفي القلب منها شخصيته التي استحوذت على القلوب من مشرق الأرض إلى مغربها.
“ذكي ونقي وصادق ومتديّن ورزين وهادئ وطموح وبسيط ومتواضع، مهما بلغ من المكانة”؛ هكذا وصفه أحد رفاقه في دائرة “الإعلام العسكري”، قائلاً: “لقد ظل ابن والده، صاحب الدكّان البسيط في سوق جباليا، ولم تتجاوز نفسيته هذا الحيّز الاجتماعي، رغم المنزلة التي حظي بها”. ويشير رفيق الشهيد، في حديث إلى “الأخبار”، إلى أن “أبا إبراهيم شخصية محورية. لم يكن ناطقاً عسكرياً فحسب، بل صاحب رؤية وطموح وقدرة عالية على التطوير المستمر. لقد نقل المكتب الإعلامي للقسام، من وحدة مونتاج وحيدة مع هاندي كام متواضعة، إلى مؤسسة إعلامية ضخمة، تضم نخباً نادرة في مجال التأثير النفسي والغرافيك والتصوير، وتمتلك أرشيفاً ضخماً وأقساماً للترجمة ورصد الإعلام العبري والدولي. كان يدرس كلّ كلمة وصورة يمكن أن تُنشر قبل نشرها، ويناقش طويلاً الأثر النفسي الذي ستتركه في نفوس الأصدقاء والأعداء”.
على مدار عشرين عاماً، ظلّ أبو عبيدة حلقة الوصل بين المقاومة الفلسطينية عموماً، وجماهير المنطقة العربية والإسلامية، حيث يترقّب الملايين خطاباته وبياناته. والحديث هنا يدور عن أجيال كاملة، واكبت الفعل المقاوم، على مدار حروب غزة الخمس، عبر خطابات الرجل الذي كان حضوره يضفي دفئاً وطمأنينة، خصوصاً في حرب عام 2014 التي مثّلت نقطة الفصل. في تلك الحرب، حفظ الناس صورة “أبو عبيدة” وصوته الأيقوني، وهو يعلن مراراً عن عمليات المقاومة النوعية، من قصف تل أبيب لأول مرة، إلى اختطاف جنود الاحتلال. هزئ أبو عبيدة، وقتذاك، بما أبداه من ثبات، بجنود العدو، وتحوّل إلى مِعول هدم لمعنوياتهم، تجلّت فاعليته خصوصاً حين أعلن اختطاف الجندي هدار غولدن.
“رحل أبو عبيدة تاركاً في آذان الأمة كلها رسائل الفداء والعتب الشديد على الخذلان”
في معركة “سيف القدس” عام 2021، مثّلت خطابات الرجل “التيرمومتر” الذي يحدّد مستوى الروح المعنوية محلياً ودولياً. فقد تحوّل منذ ذلك الحين إلى هدف أول لجيش الاحتلال، ونجا من عشرات محاولات الاغتيال. غير أن ما لا يعرفه أحد، هو أن رجل الإعلام العسكري الأول، تقدّم خلال معركة “طوفان الأقصى” صفوف المقاومين، في معارك مخيم جباليا. يقول شقيقه إبراهيم في منشور كتبه عبر صفحته في “فيسبوك”، إن “الأيام ستكشف صنيع أخي أبي إبراهيم في اشتباكه مع العدو من مسافة صفر في إحدى المعارك في الأشهر الأولى من الحرب. وفي أحد الاجتياحات في معركة طوفان الأقصى، كان يتواجد في الطابق العلوي من أحد المنازل، وجيش العدو في الطابق السفلي. وكان ممسكاً بسلاحه ويرتدي حزاماً ناسفاً متهيّئاً للاشتباك، ولكن قدر الله حال بينه وبينهم”.
وبالعودة إلى تفاصيل شخصيته، يقول شقيقه أسيد، إن “أبو عبيدة كان إنساناً هادئاً، متديّناً، شديد الارتباط بالقرآن الكريم. حفظ القرآن منذ صغره، وجعل من بيته مدرسة قرآنية، حيث أتمّ ابنه الأكبر حفظ القرآن كاملاً، فيما حفظت ابنتاه ليان ومنة الله القرآن خلال الحرب الأخيرة، رغم ظروف القصف والحصار”. ويصفه بأنه “كان بارّاً بوالديه، محباً لأسرته، ويستشهد بالقرآن في نصحه وتوجيهه، حتى في أدقّ تفاصيل الحياة اليومية”. ويضيف أسيد أن “أبو عبيدة كان يدرك منذ البداية أن الطريق الذي اختاره لا ينتهي إلا بأحد خيارين: نصر أو استشهاد، وهي العبارة التي اعتاد ترديدها في ختام خطاباته”، مبيّناً أن “هذا الوعي لم يكن مصدر خوف، بل مثّل دافعاً لمواصلة ما كان يعتبره واجباً، على خطى قادة سبقوه وواجهوا المصير ذاته”. وحول خطابات “أبو عبيدة” المؤثّرة، يوضح أسيد أن رسائل شقيقه “لم تكن موجّهة إلى غزة أو فلسطين فقط، بل إلى الأمتين العربية والإسلامية، انطلاقاً مما كان يراه معركة تمسّ العقيدة والقدس والمسجد الأقصى”. ويتابع أن “أبو عبيدة كان يعتبر أن الدماء التي سالت في غزة مرتبطة بالدفاع عن مسرى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وكان يتمنى أن يكون التفاعل الشعبي والرسمي أوسع، خاصة في خطاباته الأخيرة”.
مضى أبو عبيدة شهيداً على الطريق الذي تمنّاه وإليه انتمى، ومعه زوجته وابنتاه وابنه، بعدما قضوا نحبهم في قصف استهدفهم قبل 3 أشهر في مدينة غزة. ومِن بَعده، ترك المُلثّم في آذان الأمة كلّها، رسائل الفداء… والعتب الشديد على الخذلان أيضاً.
مرتبط