الحلفاء يترقّبون الانتخابات: وحدة «حماس» أولوية إيران
موقع ميادين المقاومة
ديسمبر 31, 2025
أخبار هامّة, الرئيسية, النشرة الدولية, مقالات مختارة, منوّعات
تُجرى انتخابات قيادة حركة «حماس» في ظلّ ظروف خاصة تعصف بالمنطقة، واستحقاقات متواصلة تداهم الشعب الفلسطيني، ما ينعكس بوضوح على طبيعة التباينات داخل الحركة.

يراهن قادة «حماس» على الدور الإنساني للجمعيات الأهلية التركية في قطاع غزة ومرحلة إعادة الإعمار.
تُجرى انتخابات قيادة حركة «حماس» في ظلّ ظروف خاصة تعصف بالمنطقة، واستحقاقات متواصلة تداهم الشعب الفلسطيني، ما ينعكس بوضوح على طبيعة التباينات داخل الحركة، وفي مواقف الأطراف الإقليمية الفاعلة ذات التأثير المباشر أو غير المباشر على قراراتها. وتُجمِع التقديرات على أن ثلاث جهات مركزية في الإقليم تبدي اهتماماً استثنائياً بمجريات الانتخابات، وهي: مصر، وإيران، والتحالف التركي – القطري، إضافة إلى تأثير غير ظاهر للعموم، يمارسه قادة كبار في تيار «الإخوان المسلمين» العالمي، رغم أن «حماس» كانت اختارت لنفسها موقعاً تنظيمياً متفاعلاً مع التنظيم الدولي للإخوان، دون أن تتبع له، أو تتقيّد به، حزبياً وتنظيمياً.
مصر والعين على غزّة
بالنسبة إلى القاهرة، التي تحتفظ بعلاقة تاريخية مع «حماس» تعود إلى نشأة الحركة في ثمانينيات القرن الماضي، فإن المؤسسة الأمنية المصرية لا تزال تسعى إلى ضمان حضور فعّال في المشهد السياسي والتنظيمي الداخلي للحركة، مع ميلٍ واضحٍ إلى أن تبقى قيادة «حماس» من داخل قطاع غزة، لما لذلك من تأثير مباشر على العلاقة الثنائية، بين الحركة وجارتها الوحيدة. ويرى جهاز «المخابرات العامة»، المعنيّ الأول بإدارة هذا الملف، أن صعود قيادات ترتبط بعلاقات وثيقة بمراكز إقليمية منافِسة قد يُفضي إلى إضعاف الدور المصري، علماً أن القيادة المصرية، تتصرّف اليوم على أساس أنها طوت صفحة الخلافات العميقة مع الحركة، إثْر الأحداث التي رافقت صعود الرئيس الراحل محمد مرسي ثم إسقاطه.
وفي هذا السياق، تحظى شخصية خليل الحية بقبول خاص لدى المسؤولين المصريين، الذين يصفونه بـ«الرجل الشجاعي» نسبة إلى مسكنه، حي الشجاعية في غزة. وقد أظهرت التطورات خلال الحرب، علاقة مميّزة وخاصة تجمع الحية بقيادة «المخابرات العامة». وفي المقابل، تُبدي القاهرة حماسة أقل لعودة خالد مشعل إلى القيادة، استناداً إلى قناعة مفادها أنه بات جزءاً من قيادة «الإخوان المسلمين» العالمية، ويخضع لتأثير واضح من كل من تركيا وقطر.
تركيا وقطر… التحوّل السياسي
من جهة أنقرة، أظهرت تركيا قدرة على «التكيّف» مع التبدّلات التي طرأت على هرم القيادة في «حماس»، وحرصت على إبقاء مسافة متوازنة وواضحة من الخلافات داخل الحركة. وقد حافظت العلاقة بين المسؤولين الأتراك والحركة على طابعها الإيجابي، رغم الروابط الشخصية المتينة التي تجمع خالد مشعل بمعظم قادة «حزب العدالة والتنمية» الحاكم، وعلى رأسهم الرئيس رجب طيب إردوغان. وإلى جانب ذلك، استمرّت أنقرة في توفير مظلة حماية لقيادات أقاليم أخرى في «حماس» خارج «إقليم الخارج»، من خلال مكاتب تمثيلية في تركيا لقيادات من غزة والضفة الغربية، ما يعكس حرصها على عدم حصر العلاقة بشخص مشعل، علماً أن الحكومة التركية شدّدت مراراً على ضرورة التزام الحركة بعدم استغلال الأراضي التركية في أنشطة تهدّد «الأمن القومي» التركي، وهو ما التزمت به «حماس» بصرامة، حيث لم يحصل أن ضُبط أي عمل لها يخالف هذه التوجّهات، مع قدرتها على إدارة نشاط وتنقّل كوادرها السرّيين بين العواصم المختلفة.
في المقابل، يحرص جميع قادة «حماس» على رفع مستوى التنسيق مع الحكومة التركية، خصوصاً في ظل الدور المتوقّع والمأمول لأنقرة في أي «قوة دولية» قد تُنشر في غزة مستقبلاً، إلى جانب الرهان على الدور الإنساني للجمعيات الأهلية التركية في إعادة الإعمار. لكنّ قادة «حماس» يتجنّبون عادة الحديث عن النقاش السياسي بينهم وبين الأتراك، وإن كانوا لا يخفون أن أنقرة مارست عليهم الضغط أكثر من مرة خلال المفاوضات مع إسرائيل. كما لم يخفِ بعض القادة البارزين في «حماس» شعورهم بـ«الإحباط» من السياسة التركية، خصوصاً بعد الحرب الأخيرة، إذ وصلت أنقرة إلى حدّ التفكير بإبعاد قيادة الحركة عن أراضيها، وفرضت حظراً على انطلاق أسطول حرية جديد أو مشاركة متضامنين أتراك في رحلات كسر الحصار، كما تكشف مصادر في الحركة لـ«الأخبار».
“لا تملك أي من الأطراف الخارجية القرار الحاسم في «حماس»، بل تأثيراً متفاوتاً”
لكنّ الأمر يبدو مختلفاً أكثر مع قطر. الدولة التي أبلغت قيادة «حماس» بوضوح أنها حصلت على تغطية أميركية – أوروبية لاحتضان الحركة سياسياً في الدوحة. لكنّ الحكم القطري، كان يُظهِر في معظم الأوقات، دعمه لمواقف الحركة، وتجلّى ذلك في تسهيل ورعاية الاتصالات بين الحركة وجهات دولية، وفي تبنّي الإعلام الخاضع للإدارة القطرية، وتحديداً «قناة الجزيرة»، لرواية المقاومة خلال الحرب الأخيرة، ما لاقى صدى واسعاً إقليمياً ودولياً.
لكن، في الوقت نفسه، لم تُخفِ الدوحة ميلها الواضح لصالح مشعل والنهج الذي يُمثّله، إذ عملت وساطات قطرية على ترتيب لقاءات رفيعة لمشعل مع جهات غربية. ومع ذلك، تُدرِك قطر محدودية نفوذها داخل «حماس»، وتسعى إلى مقاربة متوازنة خشية حصول تطورات تؤدّي إلى إضعاف دورها. وعليه، لم تتخذ الدوحة موقفاً سلبياً من خليل الحية، فهي خبرته في المفاوضات، وخبرت كيفية تعامله مع الملفات، وتبنّيه لمقاربات أكثر واقعية في المسائل المتعلقة بغزة، علماً أن الدوحة التي تعرّضت لضغوط خارجية بسبب العلاقة مع «حماس»، كانت تشير دوماً لقيادة الحركة، بضرورة عدم استقبال كوادر من جهازها العسكري والأمني في الدوحة.
إيران… الوحدة خلف المقاومة
يبقى الطرف الثالث والأكثر حساسية بالنسبة إلى «حماس»، هو إيران وقوى المقاومة التي تدور في فلكها. حيث بات معلوماً أنه بعد القطيعة التي نتجت من الخلاف في الملف السوري، حافظ «الحرس الثوري»، بدعم من «حزب الله»، على خيوط العلاقة مع الجهاز العسكري للحركة، والتي تعزّزت بعد إطلاق سراح يحيى السنوار، وعودته إلى موقع القيادة. وقد استمرّت إيران، منذ عام 2014، في تقديم الدعم العسكري والأمني والمالي واللوجستي لـ«القسام»، دون اشتراط ربط ذلك بالعلاقة مع قيادة «حماس» السياسية. إلا أن وصول إسماعيل هنية إلى رئاسة المكتب السياسي عام 2017 أعاد تنشيط العلاقة على مستوى الحركة ككل، ما فتح الباب أمام نموّ كبير في التعاون الثنائي، كان له أثر مباشر في رفع مستوى البناء العسكري النوعي لـ«القسام».
ولطالما تمتّع خليل الحية بمكانة خاصة لدى القيادة الإيرانية، إذ تربطه علاقات مباشرة مع مرشد الثورة السيد علي الخامنئي، وقادة «الحرس» المعنيين بالملف الفلسطيني، فضلاً عن علاقة مميزة ومتينة جمعته بالشهيد السيد حسن نصرالله، الأمين العام لـ«حزب الله».
وفي المقابل، شاب العلاقة بين خالد مشعل وطهران توتّر واضح في السنوات الأخيرة، وبلغ ذروته عقب زيارته لبيروت نهاية 2021، التي قوبلت بفتور لبناني رسمي وحزبي، بتوصية غير مُعلنة من دوائر إيرانية، مدفوعة بتوصية من قيادة «حماس» في قطاع غزة، بعدم التفاعل مع مشعل. وقد تركت الزيارة أثراً داخل الحركة عموماً، وكشفت عن قطيعة سياسية بين مشعل وطهران، وهو كان أوضح مراراً ملاحظاته على السياسة الإيرانية تجاه الدول العربية، خصوصاً في ما يتعلق بسوريا. إلا أن الرجل سعى إلى إعادة التواصل مع طهران، لكنّ الأمر بقي في حدوده الدنيا حتى قبل شهور عدة، عندما عادت الاتصالات، واجتمع مشعل أكثر من مرة مع مسؤولين إيرانيين، مع وجود مؤشرات إلى أن الجانبين في طور طي صفحة الخلاف.
واذا كانت طهران تدرك أنها لا تقدر على خلق وقائع خاصة في قلب «حماس»، وأن قرارها الثابت هو دعم الحركة ووحدتها، ومساعدتها على مواجهة الصعوبات الناجمة عن الحرب والحصار، فإن مشعل نفسه، يتعامل مع إيران بوصفها «مركز الثقل» في عموم حركة المقاومة ضد إسرائيل. وهو يعرف جيداً حجم تأثيرها على كل تيار المقاومة في المنطقة وداخل فلسطين، خصوصاً في «كتائب القسام». وانطلاقاً مما يدركه الطرفان، تشكّلت أرضية لحوار من نوع مختلف.
ومع ذلك، فإن هذا التطور لا يدفع إيران لأن تكون طرفاً مباشراً في الانتخابات، وإن كانت تميل بشكل واضح صوب التيّار الذي يمثّل بصورة أكبر «كتائب القسام»، والوجهة التي تقول، إنْ لا مجالَ لأي تسوية سياسية مع الاحتلال. وفيما يسري اعتقاد أن لطهران تأثيرها على كل ما يجري الآن داخل «حماس»، إلا أن مسؤولاً كبيراً في الحركة، نقل عن مسؤولين إيرانيين إلتقاهم في طهران أخيراً، قولهم، إن «إيران تحترم النظام الداخلي للحركة، وأهمية حصول الانتخابات الداخلية، لكنها تأمل أن لا يؤثّر التنافس على وحدة الحركة».
مرتبط