حلبوسي ثانٍ على رأس البرلمان: حظوظ العبادي تعاود الارتفاع

بدت جلسة البرلمان العراقي الأولى، عرضاً للتوافق السياسي؛ أُنجز خلالها انتخاب هيئة الرئاسة بسلاسة، في محاولة مبكرة لتجنّب سيناريوهات الانسداد السابقة.

في جلسة بدت أقرب إلى «عرض قوة سياسي» منها إلى استحقاق إجرائي، أنهى مجلس النواب العراقي، مساء أمس، أول جلسة له بعد انتخابات 11 تشرين الثاني الماضي، بانتخاب هيئة رئاسته كاملة. انتخاباتٌ عكست حجم التفاهمات المسبقة بين المكونات الرئيسة، ومحاولة واضحة لتفادي سيناريوات الانسداد التي طبعت دورات سابقة.

وانتخب المجلس النائب هيبت حمد عباس الحلبوسي، القيادي في حزب «تقدّم»، رئيساً لمجلس النواب في دورته التشريعية السادسة، بعد حصول الحلبوسي على 208 أصوات من أصل 309 شاركوا في التصويت، وتقدّمه بفارق كبير على منافسيْه سالم العيساوي (66 صوتاً) وعامر عبد الجبار (9 أصوات)، مع تسجيل 26 ورقة باطلة. وجاءت الجلسة التي عُقدت برئاسة أكبر الأعضاء سنّاً، وبحضور 292 نائباً، سلسة وحاسمة، في مشهد نادر قياساً بما اعتاده العراقيون من تجاذبات حادّة في البدايات البرلمانية.

والحلبوسي (45 عاماً)، هو نائب الأنبار منذ 2018، ووجه بارز في حزب «تقدّم» الذي يقوده رئيس البرلمان السابق، محمد ريكان الحلبوسي، ويُنظر إليه كامتداد سياسي لتجربة سنّية تسعى إلى تثبيت موقعها داخل المعادلة البرلمانية. الرجل، الحاصل على شهادة في العلوم السياسية من الجامعة المستنصرية، راكم خبرة تشريعية عبر رئاسته لجنة النفط والطاقة في الدورتين السابقتين، وارتبط اسمه بملفات الطاقة والاقتصاد، ما يمنحه وزناً إضافياً في مرحلة تشهد نقاشات حاسمة حول الموازنة والنفط والغاز.

وخلف الكواليس، لم يكن انتخاب الحلبوسي مفاجئاً؛ فقبيل الجلسة، أعلن رئيس تحالف «السيادة»، خميس الخنجر، أنّ القوى السنّية الرئيسة («تقدّم»، «السيادة»، «الحسم الوطني»، و «الجماهير الوطنية») اتفقت بالإجماع على ترشيحه، وذلك رغم أنّ اجتماع «الإطار السنّي» في منزل الخنجر انتهى من دون بيان رسمي، ورافقه حديث عن خلافات تمّ احتواؤها في اللحظات الأخيرة. كما شكّل انسحاب مثنى السامرائي، رئيس تحالف «العزم»، من سباق الرئاسة داخل الجلسة، مؤشراً إضافياً على أنّ التوافق كان قد أُنجز خارج القاعة.

ولم تكتمل صورة التفاهمات إلا بانتخاب عدنان فيحان، نائباً أولاً لرئيس البرلمان بـ177 صوتاً، بعدما تقدّم على محسن المندلاوي (107 أصوات)، فيما فاز شاخوان عبد الله بمنصب النائب الثاني، ليكتمل «التوازن الثلاثي» بين المكونات السنية والشيعية والكردية. وفي الوقت نفسه، قدّم «الإطار التنسيقي»، عبر أمينه العام، عباس العامري، تواقيع تؤكّد أنه يمثّل الكتلة النيابية الأكبر، في خطوة تُمهّد دستورياً لمرحلة تكليف رئيس الوزراء.

وفي تعليق على مشهد التوافق، قال فيحان، لـ«الأخبار»، إنّ «الشعب العراقي يتأمّل كثيراً في أن تكون هذه الدورة لمجلس النواب بارقة خير له، وسنعمل في هذه الدورة النيابية على إقرار القوانين المعطّلة منذ سنوات».

ومن جهته، أكّد مصدر سياسي رفيع في «الإطار التنسيقي»، لـ«الأخبار»، أنّ «هناك توافقاً تاماً بين المكونات الثلاثة على تسمية رئيس البرلمان ونائبيه»، مبيّناً أنّ «الاتفاق لا يقتصر على هذا الاستحقاق، بل يمتدّ إلى تمرير رئيس الوزراء والكابينة الوزارية بشكل سلس ومن دون مشكلات». وبحسب المصدر، فإنّ المرشحين المطروحين لرئاسة الوزراء هم رئيس الوزراء المنتهية ولايته، محمد شياع السوداني ونوري المالكي وحيدر العبادي، مع ترجيح أن يقع الاختيار في النهاية على العبادي، في ظلّ «التزام واضح» بتوجيهات القضاء والمحكمة الاتحادية و«احترام للمدد الدستورية للابتعاد عن كابوس الانسداد السياسي».

هذا المشهد التوافقي، يراه الباحث في الشأن السياسي، محمد الرياض، بمثابة «نقطة تحوّل» قياساً بالدورات السابقة. ويقول إنّ «إنهاء عقدة اختيار رئيس البرلمان ونائبيه بالتوافق ومن دون جدل أو تعطيل، يعكس إدراكاً جماعياً لخطورة المرحلة، ورغبة حقيقية في عدم تكرار أخطاء الماضي».

وفي الاتجاه نفسه، كان تحدّث نواب من كتل مختلفة عن أولوية الاستقرار. واعتبر النائب أحمد سالم، الصاعد في الدورة السادسة عن «تيار الحكمة»، أنّ «ما جرى يمثّل ممارسة ديموقراطية ناضجة بعيداً عن المشكلات والخلافات»، مؤكّداً وجود اتفاق سياسي واسع «لتحقيق مصلحة الوطن وتمثيل كل المكونات»، فيما دعا النائب فراس المسلماوي، عن كتلة «الإعمار والتنمية»، إلى الإسراع في استكمال بقية الاستحقاقات الدستورية، والتركيز على تلبية احتياجات المواطنين تشريعياً، ووضع مصلحة البلاد «على عتبة الأولويات».

لكنّ التفاؤل لا يخفي حجم التحدّيات؛ فالدورة البرلمانية الجديدة ترث «تركة ثقيلة» من القوانين المؤجّلة، وفي مقدّمها الموازنة التكميلية، وقانون النفط والغاز، وقانون «الحشد الشعبي»، وتعديل سلّم الرواتب، فضلاً عن قوانين «من أين لك هذا؟» والأحزاب والانتخابات. وفي المقابل، رفعت بعض الكتل سقف المطالب الشعبية؛ إذ دعت كتلة «إشراقة كانون» إلى خفض رواتب الرئاسات الثلاث وأعضاء البرلمان «لإيصال رسالة اطمئنان إلى الشعب»، علماً أنّ السوداني كان وجّه بمراجعة عاجلة لملف الرواتب والمخصّصات.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

موجة غارات إسرائيلية تستهدف تجمعاً للآليات في الجنوب

شنّ الاحتلال الإسرائيلي، اليوم، موجة غارات على عدة بلدات في جنوبي لبنان، في خرق متواصل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *