رغم المعاناة.. أطفال غزة يتمسّكون بالدراسة!

في الحروب، لا يُقاس الفقد فقط بعدد الأبنية المهدّمة، ولا بعدد الشهداء والمفقودين والأحبّة، ولا حتى بمساحات الأرض التي تحوّلت إلى ركام، بل يُقاس بعدد الطفولات التي سُرقت.

أبو عون: طلبة غزة بحاجة ماسّة إلى دعم نفسي وتربوي بعد الإنقطاع الطويل عن الدراسة وفقدان الأهل.

في الحروب، لا يُقاس الفقد فقط بعدد الأبنية المهدّمة، ولا بعدد الشهداء والمفقودين والأحبّة، ولا حتى بمساحات الأرض التي تحوّلت إلى ركام، بل يُقاس بعدد الطفولات التي سُرقت، الطفولة التي أُجبرت على النضوج قبل أوانها بعشرين عاماً. هنا، في مدينة غزة وشمالها، لم يعد الفقد حدثاً عابراً، بل حالة مستمرة تتجدّد مع كل قصف غائر، وكل نزوح، وكل ليلٍ طويل بلا أمان. داخل مدرسة ياسر النمروطي التعليمية الواقعة في مدينة خانيونس، التي تحوّلت إلى مساحة تعليمية مؤقتة للطلبة النازحين، التقينا بعدد من طلبة العلم القادمين من شمال قطاع غزة. طلبة فقدوا منازلهم ومدارسهم الأصلية وأصدقاء طفولتهم ، لكنهم تمسّكوا بالتعليم باعتباره خط الدفاع الأخير عن مستقبلهم، وفريضة صمود في حربٍ استهدفت الإنسان أولاً في وجوده وذاكرته ومعرفته وثقافته.

سمر: حين يتوقف العمر عند الخامسة عشرة لتصبح أم وأب في آن واحد

في أحد الصفوف البسيطة، تجلس سمر أبوحبل، فتاة هادئة الملامح، ترتدي جلباباً كحليّ اللون، وحجاباً أبيض ينسدل على كتفها، وحقيبة مدرسية متواضعة قربها. تجلس على سجادة صلاتها داخل الفصل، تشارك معلّم اللغة الإنجليزية بتفاعلٍ لافت، وتحاول أن تكون طالبة عادية، رغم أن حياتها لم تعد كذلك منذ زمن. تقول سمر بصوتٍ منخفض وهي تكفكف دموعها: «توقّف عمري عند الخامسة عشرة… حيث ولدت بذلك العمر ليس في السنوات، بل في المسؤولية».

لم تكن سمر، البالغة من العمر اليوم 17 عاماً، تتخيّل أن حياتها ستنقسم إلى «ما قبل» و«ما بعد» بهذه القسوة. منذ أن فقدت والدها عام 2021، بدأت تشعر بثقل الدور الجديد الذي فُرض عليها، لكنها لم تكن تعلم أن الحرب ستسرّع كل شيء، وستجعلها عمود العائلة الوحيد في لحظة واحدة بعد أن كانت المدللة سمر نازحة من بيت لاهيا شمالي غزة.

صمدت مع عائلتها في الشمال طوال الأشهر الأولى من الحرب 2023 ، رغم الخطر المتصاعد، قبل أن تتجدّد العمليات العسكرية بشكل عنيف في كانون الأول 2023. في الرابع عشر من ذلك الشهر، كانت العائلة تقيم في منطقة «بير النعجة» داخل شقة سكنية استأجرتها والدتها. تروي سمر تفاصيل تلك الليلة، وتقول إن الحي كان يعجّ بالحياة، ولم يتلقَّ سكان الحي أي تحذير بشأن تقدّم قوات الجيش الإسرائيلي. تقول وهي تحبس دموعها «في تلك اللحظة فقط، أدركت معنى وجود الأب… الأب الذي يرى الخطر قبل وقوعه، وينقذ عائلته كبطل خارق».

خلال القصف، احتُجز شقيقاها داخل مدرسة فلسطين، في بيت لاهيا شمال القطاع، فيما تعرّضت الشقة المستأجرة لأربع قذائف مدفعية مباشرة. سقطت الأم من الطابق الثالث، وأصيبت بإصابات بالغة في رأسها ومنطقة الحوض. تصف سمر المشهد بكلمات مثقلة بالوجع: «رأيت أمي غارقة بالدماء… ومنذ تلك اللحظة، لا نعلم مصيرها. لا نعرف إن كانت دُفنت أم لا. هي مفقودة من مفقودين الحرب».

أصيبت سمر بشظايا في أنحاء متفرقة من جسدها، فيما تعرّض شقيقاها الأصغر سعيد وميس لحروق من الدرجة الثالثة. وحدها الأخت الصغرى، سما، استطاعت النهوض من تحت الردم والغبار والنار، والبحث عن إخوتها وسط الفوضى والدخان والنيران. لم يكن هناك علاج، ولا دواء، ولا إسعاف فوري. تقول سمر «كنت الكبرى… كان عليّ أن أكون لهم كل شيء. كان عليّ أن أنهض، وأكفكف دموعي». تولّت سمر رعاية شقيقيها بنفسها، تنظف الجروح، وتضمّدها بما توفر، وتهدّئهما رغم انهيارها الداخلي.

رغم الفقد والنزوح والمجاعة، عادت سمر إلى مقاعد الدراسة. اليوم، هي طالبة ثانوية عامة – الفرع العلمي – في مدرسة ياسر النمروطي التابعة لمنظمة اليونيسف. خسرت عامين دراسيين بسبب جائحة كورونا عامي 2020-2021، ثم الحرب التي شنت على مدينة غزة، وفقدت مدرستها وصديقاتها، لكنها ما زالت تحلم بأن تصبح مترجمة. تختم حديثها وهي واقفة بثبات «أريد أن يسمع العالم قصتي… لأنني لست الأولى، ولا الأخيرة».

نبيل: الجسد الرياضي في ساحة الابادة الجماعية

بقسم الطلاب التقينا بنبيل شقورة، الطالب الرياضي، يحاول جاهداً الإمساك بالكرة. نبيل، من مواليد 2008، من أبراج الندى – بيت حانون، كان قبل الحرب نموذجاً للطالب المتفوق والنشيط. يروي نبيل تفاصيل حياته قبل الحرب: «كنت أستيقظ فجراً، أذهب للمدرسة، أعود لأدرس، ألعب كرة القدم، ثم أذهب مساءً لتسميع القرآن». ويضيف بابتسامة واثقة وهو يضع يده على قلبه: «خير جليس في الزمان هو القرآن». نزح نبيل مع والدته وإخوته إلى منزل جدته في بيت لاهيا، بينما كان والده يعمل في الأراضي المحتلة.

كانت الجدة تروي لهم قصص الأنبياء والصحابة، وتزرع فيهم حب فلسطين. لكن المشهد تبدّل فجأة، حين قُصف المنزل فوق رؤوس ساكنيه. وجد نبيل نفسه عالقاً تحت الأنقاض، محاطاً بالحجارة الإسمنتية الثقيلة وأسياخ الحديد، ومغطّى بالدماء. تأخر وصول الإسعاف 12 ساعة بسبب منع الاحتلال لاسعاف المصابين، ذلك بتاريخ 12 تشرين 2023، حيث كان نبيل مصاباً بشظية فولاذية كبيرة اخترقت منطقة القلب.

يقول «التفيت بنظري فوجدت أختي بين النيران وأنا حاولت إزالة الشظية بيدي… ثم نزفت بشدة، كأن مسورة ماء انفتحت». نُقل إلى مستشفى كمال عدوان، ثم إلى المستشفى الإندونيسي، حيث رافقه طبيب جراح حتى نهاية العلاج. يقول نبيل «عوضني الله بهذا الطبيب عن غياب والدي، لقد شعرت بالخوف والقلق عندما علمت بأن يدي يجب أن تبتر». اليوم، يعاني نبيل من شلل جزئي، ولا يستطيع الجلوس على الأرض لفترات طويلة، كما أنه يحتاج إلى كرسي داخل الصف لمتابعة تعليمه. ورغم ذلك، لا يزال يحلم. كان يحب الشعر، ويحفظ قصائد محمود درويش، حيث فاز بمسابقات مدرسية على مستوى وزراة التربية والتعليم ، وكان يحلم بأن يصبح عالم ذرة بسبب شغفه بالفيزياء والكيمياء.

بلال: حين يصبح الصوت ملجأً من الموت والفقد

داخل المدرسة نفسها، التقينا ببلال حمّاد، منشداً وقارئ قرآن لم يتجاوز الخامسة عشرة. في بداية الحرب، فقد بلال والده، ليجد نفسه فجأة مسؤولاً، مع أخيه الأكبر، عن رعاية الأم والإخوة. يقول بلال بصوتٍ حزين باكِ: «بعد استشهاد أبي، تمسّكت بالقرآن أكثر… كنا نجلس جلسات سمر، نقرأ الآيات ونتعلّم منها الصبر». لم يكن القرآن بالنسبة له نصاً دينياً فقط، بل وسيلة للبقاء. ومع نهاية اللقاء، أنشد بلال نشيداً دينياً بصوتٍ جهوري، خرج أكبر من عمره، عكس كياناً صغيراً محمّلاً بالفقد، لكنه متشبث بالأمل. بلال طالب في الصف العاشر، نازح يعيش مع عائلته داخل خيمة مهترئة على شاطئ بحر خانيونس، لكنه ما زال يرى في صوته رسالة، وفي التعليم طريقاً للنجاة.

التعليم جبهة صمود و تحدّي

أوضح المرشد التربوي والأخصائي النفسي، د. ضياء أبو عون، داخل مكتبه الخاص بالمدرسة وحوله عدد من الطلاب ذو الحالات الخاصة «أن طلبة غزة بحاجة ماسّة إلى دعم نفسي وتربوي، بعد الانقطاع الطويل عن الدراسة، وفقدان الأهل، وتغيّر البيئة التعليمية»، مؤكداً أن السلوكيات العدوانية التي ظهرت لدى بعض الطلبة كانت متوقعة، ويتم التعامل معها عبر تدخلات فردية وجماعية. «نحاول أن نكون بديلاً عن أولياء الأمور، ونوفّر الحد الأدنى من الأمان النفسي»، يقول أبو عون، مشيراً إلى أن من أهداف الاحتلال كسر علاقة الطالب بالعلم والمدرسة.

ختاماً، بين سمر التي حملت دور الأب والأم، ونبيل الذي حوّل جسده الجريح إلى مساحة انتظار للحلم، وبلال الذي جعل صوته والقرآن ملجأَ من الفقد، تتقاطع الحكايات عند نقطة واحدة: الإصرار على التعليم رغم كل شيء. في غزة، يصبح الجلوس على مقعد دراسي انتصاراً صغيراً في معركة طويلة، ويغدو الكتاب فعل مقاومة، والصوت واللون والكلمة أدوات نجاة.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

متري: الشرع لم يناقش ولم يطلب مني تسليم افراد من “حزب الله” حاربوا الى جانب نظام الاسد في سوريا

أشار نائب رئيس مجلس الوزراء ​طارق متري​، في حديث تلفزيوني، الى أن “الرئيس السوري احمد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *