مصر تلوّح بالتدخّل: تعاظم خطر تقسيم السودان

ترفع القاهرة سقف دعمها للجيش السوداني وتلوّح بالتدخُّل لمنع تفكّك الدولة السودانية، في مواجهة مسار حرب يهدّد وحدتها، ويغذّيه دعم إماراتي.

تعمل القاهرة على «الحدّ» من أي دعم إقليمي لـ«قوات الدعم السريع»

أثار البيان الرئاسي المصري الذي صدر قبل وقت قصير من الاستقبال الرسمي الذي خصّ به الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس «مجلس السيادة» السوداني عبد الفتاح البرهان، في أثناء زيارة الأخير إلى القاهرة، الخميس الماضي، تساؤلات متعدّدة حول أسباب رفع القاهرة سقف مواقفها الداعمة للجيش السوداني. إذ بعدما التزمت مصر، في أثناء الأشهر الماضية، خطاباً دبلوماسياً حذراً تجاه أزمة جارتها، تجنّبت فيه التصعيد العلني أو الانحياز المباشر إلى جهة دون أخرى، أكّد البيان وجود «خطوط حمر» مصرية إزاء ما يحصل في السودان، «لا يمكن السماح بتجاوزها أو التهاون» بشأنها.

كما أكّد البيان الرفض المصري القاطع لإنشاء أيّ كيانات موازية أو الاعتراف بها، منبّهاً إلى أنّ مثل هذه المحاولات «تمسّ وحدة السودان وسلامة أراضيه». وشدّد، في الوقت نفسه، على أنّ الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية ومنع المساس بها يمثّل «خطّاً أحمر»، وأنّ لمصر الحق الكامل في اتخاذ كافة التدابير والإجراءات اللازمة التي يكفلها القانون الدولي، وتلك التي تنصّ عليها اتفاقية الدفاع المشترك الموقّعة بين البلدين.

وبحسب مسؤولين مصريين مطّلعين، فإنّ هذا التصعيد المصري لم يكُن مفاجئاً؛ إذ سبقه «إعداد وتمهيد على أكثر من مستوى، بدأ باتصالات دبلوماسية مع واشنطن والرياض، مروراً بلقاء استبق وصول البرهان إلى القاهرة وجمَع قائد الجيش الليبي المعترف به من جانب مصر خليفة حفتر بمسؤولين مصريين، وذلك في محاولة لحثّ حفتر على وقف أي مساندة أو دعم لقوات الدعم السريع، وصولاً إلى إشارات واضحة بشأن أطراف غير مرغوب في وجودها داخل السودان»، في إشارة إلى الإمارات.

وتبيّن المصادر، في حديثها إلى «الأخبار»، أنّ خطاب مصر السابق، الذي اتّسم بـ«الحذر»، جاء انطلاقاً من قناعة مفادها بأنّ الأزمة السودانية «شديدة التعقيد»، وأنّ «أي اندفاع غير محسوب فيها قد يفتح الباب أمام تدويل أوسع للصراع»؛ غير أنّ المجازر التي ارتكبتها «الدعم السريع» في الفاشر، وما تبعها من مؤشرات على انتقال الصراع إلى مرحلة تهدّد وحدة الدولة السودانية نفسها، شكّلت، من وجهة النظر المصرية، «نقطة تحوّل واضحة، فرضت الانتقال من إدارة الأزمة عند الحدّ الأدنى من المواقف، إلى إعلان صريح عن خطوط حمر، لاعتبارات عدّة، بينها ما هو مرتبط بالأمن القومي المصري».

“يبرز التنسيق بين القاهرة والرياض حول الملف السوداني”

وبحسب المصادر، فإنّ القاهرة تتحرّك، عملياً، في مسار دعم سلطة «مجلس السيادة» والجيش، باعتبارهما الإطار المؤسّسي القائم، والقادر، من وجهة نظرها، على «منع تفكّك الدولة أو انزلاقها إلى سيناريو التقسيم». وتعوّل مصر، في هذا الإطار، على جهود الولايات المتحدة بصفتها «الطرف الأقدر على دفع الأطراف نحو حسم سياسي أو فرض تهدئة قريبة».

وتكشف المصادر أنّ المسؤولين المصريين وجّهوا رسائل إلى نظرائهم الأميركيين، مفادها أنّ «استمرار الصراع من دون حسم لمصلحة الجيش السوداني، أو من دون التوصّل إلى تهدئة واضحة ضمن أفق زمني قريب، سيؤدّي حتماً إلى فتح المجال أمام دخول أطراف دولية أخرى أكثر تأثيراً في السودان، على غرار الصين وروسيا»، وهو سيناريو «لا يخدم مصالح» الولايات المتحدة على أي حال.

ومن هذا المنطلق، جاء الترحيب المصري بالتحرّكات الأميركية الأخيرة، بما في ذلك تحديد سقف زمني لمحاولة تثبيت هدنة إنسانية، باعتباره «خطوة ضرورية لوقف التدهور واحتواء التداعيات الإنسانية والأمنية، على أن يشكّل البعد الإنساني مدخلاً إلى التهدئة، ريثما تُستكمل التفاهمات السياسية». غير أنّ القاهرة ترفض تحويل الهدنة إلى غطاء لإعادة إنتاج واقع ميداني مختلّ لمصلحة «قوات الدعم السريع»، وهي تشدّد على ضرورة وقف الدعم العسكري الإماراتي، الذي يشكّل، وفق تقديرات مسؤولين مصريين، «حجر الزاوية الأساس في استمرار القتال حتى الآن».

ويلفت، في هذا السياق، التنسيق بين القاهرة والرياض حول الملف السوداني، والذي بات «أكثر كثافة من أي وقت مضى، سواء في ما يتّصل بتطورات الميدان أو بمسارات التفاوض والتهدئة المطروحة»؛ إذ يلتقي الجانبان على أنّ «ما بعد الفاشر لم يعد يشبه ما قبلها»، وأنّ استمرار الحرب «يهدّد بفرض واقع تقسيمي فعلي»، ولا سيّما في دارفور وكردفان. وينعكس ذلك التوافق تنسيقاً سياسياً ودبلوماسياً مكثّفاً، وتعويلاً مشتركاً على البرهان بوصفه الطرف القادر على التفاعل مع المبادرات المطروحة، من دون تقديم تنازلات تمسّ وحدة الدولة أو شرعية مؤسساتها.

ومع ذلك، تدرك مصر «حساسية التوازنات الإقليمية، وخصوصاً في ما يتّصل بالإمارات». ولذا، فهي لا تسعى إلى «مواجهة مفتوحة» معها، لكنها تعمل، عبر قنواتها مع الولايات المتحدة وبالتنسيق بينها وبين السعودية، على «الحدّ» من أي دعم إقليمي لـ«قوات الدعم السريع»، أو على الأقلّ إدراجه ضمن تفاهمات أوسع «تضبط إيقاع الصراع وتمنع انفلاته»، مترقّبةً في الوقت نفسه ردّ فعل أبو ظبي التي ترى القاهرة أنها «باتت تميل إلى تأييد التهدئة الإنسانية».

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

متري: الشرع لم يناقش ولم يطلب مني تسليم افراد من “حزب الله” حاربوا الى جانب نظام الاسد في سوريا

أشار نائب رئيس مجلس الوزراء ​طارق متري​، في حديث تلفزيوني، الى أن “الرئيس السوري احمد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *