«التنسيقي» يتطلّع إلى «غالبية وطنية»: تجربة الصدر لا تغري السوداني

تكشف نتائج انتخابات العراق 2025 رسوخ نفوذ القوى التقليدية وتقدّم السوداني، مقابل غياب تشريني كامل، وترسم ملامح صراع على تشكيل السلطة وسط رهانات على الاستقرار.

من المتوقّع تبلور «التنسيقي» بنسخة موسّعة منفتحة على السنّة والكرد..

منذ أن أُغلقت صناديق الاقتراع في العراق قبل أيام، يكاد لا ينقطع الحديث عن دلالات النتائج، التي أبقت أكثر من 100 وجه قديم من الزعماء والوزراء والنواب في المشهد السياسي، وعلى رأسهم رئيس الوزراء، محمد شياع السوداني، و 9 وزراء في الحكومة الحالية، إلى جانب 86 نائباً في الدورة الحالية و 7 من الدورات السابقة، في حين فوّت 243 نائباً فرصة تجديد الثقة بهم. وتُظهر مراجعة جداول الفائزين، أن القوائم الشيعية حصلت على 187 مقعداً، بما فيها بعض المقاعد التي اخترقت القوائم السنية وحقّقت فوزاً صعباً؛ كما تُبيّن أن القوائم السنّية نالت 77 مقعداً، في حين حصلت نظيرتها الكردية على 56. وفي حين سجّل «ائتلاف الإعمار والتنمية» بزعامة محمد شياع السوداني، تقدماً كبيراً، عبر نيله 1,317,346 صوتاً في 12 محافظة من أصل 18، من بينها أكثر من 92 ألف صوت للسوداني في بغداد، حلّ رئيس الوزراء الحالي ثانياً بالنسبة إلى الأصوات الشخصية، حيث تقدّم عليه محافظ كركوك ومرشح «الاتحاد الوطني الكردستاني»، ريبوار طه، بأكثر من 96 ألف صوت، وجاء ثالثاً رئيس مجلس النواب السابق، محمد الحلبوسي، ورابعاً رئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي.

وفي ما يخص مقاعد قوى «الإطار التنسيقي»، حصد «الإعمار والتنمية» 45 مقعداً، تلاه «ائتلاف دولة القانون» بزعامة المالكي بـ30 مقعداً، وكتلة «صادقون» بزعامة قيس الخزعلي بـ26 مقعداً، فيما نالت «منظمة بدر» بزعامة هادي العامري 19 مقعداً، و«قوى الدولة» بزعامة عمار الحكيم 18 مقعداً. ورغم تقارب عدد المصوّتين لـ«الإعمار والتنمية» و«الحزب الديموقراطي الكردستاني» بزعامة مسعود بارزاني، إلا أن الأول حاز عن طريق 1.317.446 صوتاً على 45 مقعداً، في حين لم يحصد الثاني، وعبر 1.109.934 صوتاً، إلا 27 مقعداً (26 لقائمة الحزب في ثلاث محافظات، وواحد ضمن تكتل «عزم» في ديالى). والأمر نفسه يتكرّر لدى مقارنة «دولة القانون» بـ«حزب تقدّم» الذي يتزّعمه الحلبوسي؛ إذ نال الأول عبر 808.199 صوتاً 30 مقعداً، فيما لم يحصل الثاني عبر 945.154 صوتاً سوى على 27 مقعداً. كذلك، فازت حركة «الصادقون» عبر 685.941 صوتاً بـ26 مقعداً، بينما لم ينَل «الاتحاد الوطني الكردستاني» بزعامة بافل طالباني عبر 624.187 صوتاً سوى 18 مقعداً (مقعدان في قائمة «اتحاد أهالي نينوى»، وواحد في بغداد ضمن قائمة السوداني، و15 مقعداً لقائمة الحزب في كردستان). أمّا منظمة «بدر»، فحازت عبر 556.122 صوتاً 19 مقعداً، وهي نتيجة قريبة مما جمعته «قوى الدولة» عبر 513.233 صوتاً حينما فازت بـ18 مقعداً، وأيضاً مما أنجزه «عزم» بزعامة مثنى السامرائي من حصده 16 مقعداً عبر 483.087 صوتاً. ويعود هذا التباين الكبير بين عدد الأصوات وما تأتي به من مقاعد، إلى ارتفاع عدد المرشّحين وحجم المشاركة في مناطق بعينها – دون أخرى شهدت ترشيحات قليلة ومشاركة أقلّ -، والذي جعل كلفة المقعد النيابي مرتفعة. بتعبير آخر، كلّما زاد عدد المرشحين والناخبين، بات الفوز بالمقعد النيابي يتطلّب أصواتاً أكثر، والعكس بالعكس.

في المقابل، بات من المؤكد خلوّ البرلمان من أيّ تمثيل للأحزاب التي أفرزتها احتجاجات تشرين (2019 – 2021)، إذ ذابت حركة «امتداد»، الممثّل الأبرز لتلك الأحزاب في انتخابات 2021، ولم تشارك لا في انتخابات مجالس المحافظات 2023، ولا في انتخابات مجلس النواب 2025. وفي حين ذهب عدد من نواب الحركة إلى الالتحاق بأحزاب تقليدية، إلا أن النجاح لم يحالف أحداً منهم. أما القوائم التشرينية الجديدة من مثل «البديل» و«مدنيون»، فلم تحقّق هي الأخرى شيئاً، في هزيمة تعكس فشلاً مزدوجاً لهذه القوى على مستويَي الخطاب السياسي والتحشيد. مع ذلك، يمكن أن تدفع هذه النتائج القاسية بـ«التيار الوطني الشيعي» بزعامة السيد مقتدى الصدر، إلى تقارب جديد مع أحزاب تشرين في سياق إحياء الاحتجاجات، الأمر الذي يتحسّب له الفائزون.

نتائج 2025 تحدّد الآتي

رغم أن إجراءات تنفيذ الاستحقاقات الدستورية في العراق، تمتدّ بعد كلّ انتخابات إلى أكثر من 3 أشهر عادة، فقد بات من الملموس رغبة القوى الفاعلة جميعاً في تسريع وتيرة الاتفاقات، وسعيها إلى تثبيت الاستقرار السياسي ومنع تقويض نتائج الانتخابات. وفي حين بدأت القوى الشيعية تجسّ نبض بعضها البعض، فإن حالة من البرود ما تزال تسود العلاقة بين «الإطار التنسيقي» والسوداني، خصوصاً أن رئيس الحكومة لم يحضر آخر اجتماعين لـ«الإطار». ومع ذلك، تشير مصادر مطّلعة إلى أن «التنسيقي» لن يعمل – كأولوية – على شقّ وحدة صفّ «الإعمار والتنمية»، بل من المتوقّع خلال شهر من الآن (بالتزامن مع إصدار النتائج وتصديقها من قبل المحكمة الاتحادية العليا) تبلور «الإطار» بنسخة موسّعة منفتحة على السنة والكرد. ويدعم هذا التوقّع ما يرشح من اعتبارات يتبنّاها السوداني، تقوم على عدم قناعته بإمكانية نجاح تحالف طولي يشترك فيه لوحده مع بارزاني والحلبوسي، كما فعل الصدر في عام 2021.

على أيّ حال، صار واضحاً الآن أن نتائج الانتخابات أفرزت ثقة كبيرة بشرعيتها، مع مشاركة 5 ملايين شيعي فيها بدلاً من مليونين عام 2021، ومثلهم الكثير من السنة والكرد، الذين لم يصوّتوا بهذا الاهتمام سابقاً. ويُضاف إلى ما تقدّم، نجاح مفوضية الانتخابات في أداء مهماتها، وعدم وجود اعتراضات كبيرة ومدوية على عملها. وفي حال جرى تمرير تعيينات الرئاسات الثلاث في وقت قصير خلافاً للتجارب الانتخابية السابقة، فإن هذا سيكون مصدر قوة للنظام السياسي العراقي، في حين سيبقى انعزال قوى سياسية مؤثّرة من مثل تيّار الصدر و«التشرينيين» خطراً يهدّد بزعزعة الاستقرار مجدّداً، وإن كان ذلك صار خياراً أقلّ شعبية.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

متري: الشرع لم يناقش ولم يطلب مني تسليم افراد من “حزب الله” حاربوا الى جانب نظام الاسد في سوريا

أشار نائب رئيس مجلس الوزراء ​طارق متري​، في حديث تلفزيوني، الى أن “الرئيس السوري احمد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *