العقيدة النووية في عهد مجتبى: إيران تفضّل «العتبة» على السلاح؟
موقع ميادين المقاومة
17 ساعة مضت
أخبار هامّة, الرئيسية, النشرة الدولية, مقالات مختارة, منوّعات
بين الفتوى الدينية التي تحرّم السلاح النووي واستراتيجية «العتبة النووية»، تحاول إيران بناء معادلة ردع معقّدة: تطوير القدرات التقنية إلى أقصى حدّ من دون تجاوز الخط السياسي والديني بإنتاج القنبلة.

تتجه التوقّعات إلى استمرار العقيدة النووية من دون تغيير جذري
منذ الكشف عن تفعيل البرنامج النووي الإيراني بداية عام 2002، ظهر الاتهام الغربي والأميركي المباشر لإيران بتبييت نوايا عسكرية، من دون وجود أدلّة حسية تؤكّد هذه المزاعم، فيما حافظ الخطاب الرسمي الإيراني بصورة ثابتة على التأكيد أن هذا البرنامج إنما هو لأغراض سلمية بحتة، وأن امتلاك السلاح النووي يتعارض مع العقيدة السياسية والدينية التي تتبنّاها الجمهورية الإسلامية. وشكّل ذلك الموقف أحد الأعمدة الأساسية في السياسة النووية الإيرانية، خاصة في ظلّ وجود فتوى دينية تحرّم إنتاج السلاح النووي أو استخدامه.
وخلال السنوات التي سبقت التوصّل إلى الاتفاق النووي عام 2015، تمحورت المفاوضات بين إيران والدول الكبرى، بشكل رئيس، حول معالجة ما عُرف بـ«الأبعاد العسكرية المحتملة» للبرنامج النووي الإيراني (PMD)، والتي مثّلت المنطلق الرئيس للشكوك الغربية. وقد سعت القوى الدولية، خلالَ تلك المفاوضات، إلى التحقّق مما إذا كانت الأنشطة النووية الإيرانية حملت، في أيّ مرحلة، أبعاداً مرتبطة بتطوير سلاح نووي. غير أن التحقيقات التقنية التي أجرتها «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» خلصت إلى عدم وجود أدلة على أن إيران أجرت تجارب عسكرية مرتبطة بصناعة القنبلة النووية. ومن بين النقاط التي أثيرت آنذاك مسألة وجود آثار تلوّث إشعاعي في بعض أجهزة الطرد المركزي القديمة. لكنّ التحقيقات بيّنت أن هذه الآثار تعود إلى أجهزة طرد مركزي من طراز «P1» حصلت عليها إيران في المراحل الأولى من برنامج تخصيب اليورانيوم، من باكستان. وبحسب تقييمات «الوكالة الدولية»، فإن مصدر التلوّث يعود إلى تلك الأجهزة نفسها، وليس إلى أنشطة تخصيب ذات طبيعة عسكرية داخل إيران.
على أن إغلاق ملف الأبعاد العسكرية المحتملة عام 2015، لم يكن مسألة تقنية بحتة، بل جاء في سياق سياسي أوسع، إذ تزامن مع الإعلان الإيراني المتكرّر عن التمسّك بالفتوى الدينية ذات الصلة، التي أصدرها مرشد الجمهورية الراحل، الشهيد آية الله السيد علي خامنئي، وتحوّلت إلى مرتكز لسردية «المصداقية الإسلامية» في مقاربة قضايا الأمن والتسلّح. ووفقاً لهذه الرؤية، تميّز إيران بين امتلاك قوة ردع مشروعة لحماية أمنها القومي، وأسلحة الدمار الشامل التي ترى أنها تتنافى مع القيم الأخلاقية والدينية.
ومع انتقال القيادة إلى المرشد الجديد، آية الله مجتبى خامنئي، تتجه التوقّعات إلى استمرار هذه العقيدة من دون تغيير جذري. فالقائد الجديد المرتبط روحياً وعقائدياً ومؤسّسياً ومنهجياً بسلفه، يدرك أن كسر فتوى والده لن يكون مجرّد تعديل في السياسة النووية، بل سيعني ضرب «المصداقية» السياسية والشعبية للنظام الإيراني في الصميم. كما أن التراجع عن التحريم سيمنح الولايات المتحدة وإسرائيل حجة قوية للترويج لكون إيران مارست نوعاً من «الخداع الاستراتيجي» لعقود، وهو ما قد يقوّض أي إمكانية مستقبلية لبناء الثقة حول التزاماتها الدولية.
حالة «الغموض الهادف» تمنح طهران هامشاً واسعاً للمناورة السياسية
لكنّ الحفاظ على هذه الفتوى لا يعني بقاء إيران بعيدة عن تطوير قدراتها النووية إلى أقصى حدودها التقنية. فالعقيدة النووية الإيرانية تطوّرت تدريجياً نحو مقاربة أكثر تعقيداً تقوم على ما يُعرف في الأدبيات الاستراتيجية بمفهوم «العتبة النووية». وتقوم هذه المقاربة على تطوير القدرات العلمية والتقنية اللازمة للوصول إلى ما يُسمى «العتبة النووية»، أي امتلاك القدرة الكامنة على تصنيع سلاح نووي خلال فترة زمنية قصيرة، من دون اتخاذ قرار بإنتاجه فعلياً.
وهذا يعني أنه يمكن لإيران أن تحتفظ بكميات كبيرة من اليورانيوم المُخصّب، وأن تطوّر أجيالاً متقدّمة من أجهزة الطرد المركزي، بما يمنحها ما يمكن وصفه بـ«القوة الكامنة». والقوة هذه، لا تعني امتلاك القنبلة النووية، بل حيازة المعرفة والبنية التحتية التي تجعل إنتاج القنبلة ممكناً إذا تغيّرت الظروف الاستراتيجية. وهنا، تكمن أهمية الغموض الاستراتيجي، حيث تبقى مسألة حجم المخزون الحقيقي من المواد النووية واستخداماته المستقبلية ضمن دائرة من الضبابية المقصودة، التي تتيح لطهران هامشاً واسعاً للمناورة السياسية والدبلوماسية، وتوفّر لها قوة ردع غير مباشرة.
ذلك أن نهج «الغموض» من شأنه تثبيت قناعة لدى القوى الإقليمية والدولية بأن إيران تمتلك الإمكانات التقنية التي تمكّنها من التحوّل بسرعة إلى دولة نووية، إذا ما تعرّضت لتهديد وجودي؛ وفي الوقت نفسه، يسمح بالحفاظ على الالتزام المُعلن بالفتوى الدينية التي تحرّم إنتاج السلاح النووي. وبصورة أعمّ، فإن التجربة الإيرانية في السنوات الأخيرة تُظهِر أن مفهوم الردع لدى طهران لا يعتمد حصراً على القدرة النووية، بل يشمل عوامل أخرى، من بينها القدرات العسكرية التقليدية وشبكة النفوذ الإقليمي، إضافة إلى تماسك الجبهة الداخلية. كما أظهرت تجارب العقوبات والضغوط الدولية أن المجتمع الإيراني يمتلك درجة عالية من الصلابة في مواجهة الضغوط الخارجية، وهو ما تعتبره قيادة الجمهورية أحد أهم عناصر الردع الاستراتيجي أيضاً.
ومن هذا المنطلق يبدو أن الاستراتيجية الإيرانية ستستمرّ في الاعتماد على الجمع بين تطوير القدرات النووية إلى حدود «العتبة»، وتعزيز عناصر القوة التقليدية وغير التقليدية في الوقت نفسه. فالقنبلة النووية، في نظر العديد من صنّاع القرار الإيرانيين، ليست بالضرورة الأداة الأكثر فاعلية لتحقيق الأمن القومي، خاصة أنها سلاح لا يمكن استخدامه عملياً من دون التسبّب بكارثة إنسانية واستراتيجية واسعة النطاق. ولذلك، قد تفضّل إيران البقاء في منطقة «العتبة النووية»، في إطار استراتيجية ردع متعدّدة الأبعاد، هدفها حماية النظام وتعزيز موقع إيران الإقليمي من دون الانزلاق إلى سباق تسلّح نووي مفتوح.
مرتبط