المقاومة لن تقبل إلا العودة إلى ما قبل 8 تشرين الأول 2023: ليس من دليل على فهم العقل الجديد لحزب الله؟
موقع ميادين المقاومة
4 ساعات مضت
أخبار هامّة, الرئيسية, النشرة اللبنانية, مقالات مختارة, منوّعات
منذ توقف الحرب بشكلها الواسع في نهاية تشرين الثاني 2024، دخل حزب الله مرحلة جديدة. غير أن الانتقال لم يكن سلساً. فقد طاولت الاغتيالات جزءاً أساسياً من القيادة الفاعلة، على المستويين السياسي والجهادي.

منذ توقف الحرب بشكلها الواسع في نهاية تشرين الثاني 2024، دخل حزب الله مرحلة جديدة. غير أن الانتقال لم يكن سلساً. فقد طاولت الاغتيالات جزءاً أساسياً من القيادة الفاعلة، على المستويين السياسي والجهادي. ومع ذلك، أتاحت البنية التنظيمية للحزب، والقاعدة الفكرية التي تحكم علاقة أفراده به وبالمرجعية في إيران، إعادة تنظيم الامور بطريقة مرنة نسبياً.
وبعد الاتفاق خلال الحرب على تولّي الشيخ نعيم قاسم مهام الأمين العام، كانت المؤسسات الحزبية تستعد، عقب إعلان وقف إطلاق النار، للعمل وفق آليات جديدة. والسمة الأبرز لهذه المرحلة كانت عمل الحزب، بكل فروعه، تحت ضغط متواصل: هواجس أمنية دائمة، وتهديد مستمر باستهداف القيادة، وتصاعد في الاعتداءات الإسرائيلية. غير أن هذا الواقع لم يحل دون وضع قواعد تسمح للحزب باعادة ترتيب أموره، وإن بدرجات متفاوتة.
ما لاحظه الجمهور أساساً، خلال الأشهر الخمسة عشر الماضية، كان يتعلّق بالجسم المدني في الحزب، لجهة إعادة تنشيط عمل المؤسسات التربوية والصحية والخدماتية، وإعادة إطلاق جزء مهم من العمل التنظيمي والدعوي. في المقابل، اختفى جسم كامل تقريباً عن المشهد العلني، وانتقل إلى العمل تحت الأرض، واحتاج الأمر إلى وقت قبل أن يتراجع الحديث العلني عن الجسم الجهادي، أو ما يُعرف بالمقاومة.
لندع الجسم المدني جانباً، ليس لأنه أقل أهمية كما يفترض البعض، بل لأن ترتيباته لا تعكس جوهر ما يجري داخل الحزب. فالقرار الأهم الذي اتخذته القيادة بعد أسابيع من وقف إطلاق النار كان واضحاً: حزب الله لا يزال حركة جهادية تمتلك أذرعاً سياسية ومدنية. وهذا يعني أن التمسك بالمقاومة أساس في كل ما يتبعه من خطوات.
ومن هنا تركّز الجهد غير المرئي على ما سمّاه الحزب والعدو معاً مرحلة «التعافي»، وإن كان مفهوم الحزب للتعافي يختلف جذرياً عن المفهوم الذي يتبناه العدو.
في ما يتعلّق بهذا الجهد، قرّرت قيادة الحزب اعتماد سياسة الغموض. واحتاجت إلى وقت غير قصير لفرض ثقافة جديدة داخل الجسم الجهادي وبقية دوائر الحزب، تقوم على نسف كثير من القواعد التي كانت سائدة قبل «حرب الإسناد». ونتيجة ذلك، صدرت سلسلة قرارات شعرنا بها نحن الصحافيين أولاً، أبرزها استحالة معرفة ما يجري داخل الجسم الجهادي: لا عناوين واضحة، ولا أسماء مؤكدة، ولا إمكان للقاءات أو تواصل كان متاحاً في السابق. فقد اقتضت سياسة الغموض وقف كل أشكال التواصل الذي أتاح خلال العقدين الماضيين توسيع دائرة اطلاع الجمهور على ما تقوم به المقاومة.
خلاصات كثيرة خرجت بها لجان التقييم أو التحقيق التي عملت بعد توقف الحرب، لا يعتبر الحزب أنه معنيّ بالكشف عنها. غير أن الممارسة تشير إلى أن أبرز الإجراءات التنفيذية تمثّل في تكريس هذا الغموض، الذي تطوّر مع الوقت إلى حدّ بات معه من الصعب على أيّ كان الادعاء بمعرفة ما يجري أو امتلاك معلومات دقيقة. وقد أساء بعض أنصار الحزب فهم هذا الصمت، معتبرين أنه دليل عجز أو افتقاد للسردية. ومع ذلك، لم تخضع قيادة الحزب لهذا الضغط، بل أصرّت على المنهجية نفسها، إلى درجة معاقبة بعض أعضاء الحزب لخرقهم قواعد العمل الجديدة، حتى في مخالفات بسيطة، كالجلسات العادية في المقاهي أو التحدّث أمام آخرين عن أمور تتعلّق بالحزب.
المهم في هذا الجانب أن إسرائيل، التي تعرف الكثير عن عقل الحزب، وكشفت الحرب الأخيرة مدى اطّلاعها على تركيبته، وقدرتها على الوصول إلى مواقع وبُنى حسّاسة داخله، بدأت تعبّر عن قلق متزايد يوماً بعد يوم. لكن ذلك لم يدفع الحزب إلى تعديل خطته. بل إن عملية اغتيال القائد الجهادي السيد هيثم الطبطبائي (أبو علي) دفعت إلى صرامة أكبر في فرض الغموض، ونقلت الحزب إلى مستوى أعلى من الحذر على أكثر من صعيد، إلى حدّ بات معه على المؤيدين والأنصار تقبّل حقيقة أنه لا ضرورة لأن يعرف أحد ما الذي يفعله الجسم الجهادي. بل إن قيادات سياسية بارزة في الحزب كانت تقول، بصراحة وصدق، إنها ليست على اطلاع على ما يقوم به هذا الجسم. ومع الوقت، جرى تداول قاعدة يقول بعض قادة الحزب إن لها أساساً شرعياً بالمعنى الديني، ومفادها: «لا يجوز لك أن تعرف ما لا يجب أن تعرفه».
لا أفق لأي مفاوضات تقودها السلطة المستسلمة، والتحدي أمام قيادة الجيش اللبنان السماح للسلطة بخلق ظروف حرب أهلية تلاقي جنون العدو ضد اللبنانيين
بناءً على ما تقدّم، سيكون من العبث انتظار أن يقدّم أحد صورة واضحة أو معطى عمّا قام به الجسم الجهادي في الحزب منذ توقّف الحرب الواسعة. غير أنّ ما يمكن استنتاجه من الوقائع الجارية هو أنّ العدو، الذي كان يمتلك في السابق معرفة واسعة ببنية الحزب وقواته العسكرية، لم يعد يملك اليوم الإحاطة نفسها. وهذا التحوّل يرتبط مباشرة بمسار المواجهة الدائرة حالياً، ما يجعل من الصعب على أي طرف، سواء في لبنان أو في جانب العدو، تقدير كيفية تدحرجها في الأيام والأسابيع المقبلة.
ولا سيما أنّ حزب الله يتصرّف انطلاقاً من كونه في «معركة تصحيح الخطأ»، أي إن هذه الجولة لا تستهدف فقط إظهار التضامن مع إيران، على رغم حضور هذ العامل، بقدر ما تعكس استثماراً للظرف الإقليمي لإطلاق ما حذّر منه أمينه العام مراراً، بأن للصبر على العدوان حدوداً.
أما في ما يتعلّق بالتفاوض أو أي مسار سياسي قد يُفتح في أي لحظة، فإن التقديرات لا تشير إلى وجود فرصة لتسوية عادية. فإسرائيل، التي تتصرّف باعتبار نفسها رابحة في الحرب على إيران، تتبنّى المنطق ذاته الذي اعتمدته في فلسطين: ما لا يتحقّق بالقوة يمكن تحقيقه بمزيدٍ منها. وهذا يعني أن العدو يتّجه إلى رفع مستوى عدوانه على لبنان، معتمداً أساساً على تفوّقه الناري الهائل، على قاعدة أن استخدام هذه القوة ضد المناطق التي تشكّل بيئة المقاومة سيحوّلها إلى عنصر ضغط يدفع المقاومة إلى التنازل.
غير أنّ هذا التقدير يبدو بعيداً عن الواقعية. فالمقاومة التي اتخذت قرار المواجهة ليست حديثة العهد بقراءة عقل العدو، فقد خبرته منذ عقود، وتعرّفت أكثر إلى مستوى وحشيته خلال حرب الإسناد ثم حرب الـ66 يوماً، فضلاً عمّا تختزنه ذاكرتها من مشاهد الدمار التي أنزلها الاحتلال بقطاع غزّة. لذلك، فإن منطق الامور يقول إن المقاومة تخوض هذه الحرب على أساس وجودي، وهي إما تفرض شروطها بالعودة اقله الى ما كان عليه الوضع قبل 8 تشرين الاول 2023، مع ضمانات أكيدة بوقف اي نوع من التحرش او العدوان من قبل اسرائيل، او ستستمر في القتال حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا!
مع الأسف، لا تمثّل السلطة في لبنان واقعاً سليماً يتيح لها القيام بدور فعلي. وحتى محاولات استرضاء الأميركيين والإسرائيليين وحلفائهم لن تُحوّلها إلى أداة لقمع المقاومة. لذلك، فإن السؤال المطروح أمامها اليوم لا يتعلّق بما تستطيع فعله، بل بما يجب ألّا تفعله، وهو السؤال نفسه الذي يواجه الجيش اللبناني وقيادته.
عندما ناقش قائد الجيش العماد رودولف هيكل مع المسؤولين الاميركيين الوضع في لبنان، خلال زيارته الاخيرة للولايات المتحدة، قال لهم صراحة: «أنتم تعرضون علينا، إما ان نقاتل حزب الله وندخل في حرب أهلية، أو أن تقوم اسرائيل بحرب على لبنان. بينما نحن نقترح عليكم خياراً ثالثاً يقوم على وقف العدوان الاسرائيلي تماماً، مقابل ان نضمن نحن اللبنانيين التزام المقاومة عدم القيام بأي عمل ضد اسرائيل، وأن نجد آلية لمعالجة مسألة حصرية السلاح».
اليوم، جاء الجواب واضحاً بأن الحرب تخوضها إسرائيل. وبالتالي، يفترض بالجيش اللبناني الذي قبل الانسحاب وعدم التصدي للعدوان – وهو أمر مفهوم من الناحية المهنية – أن يبلغ من يعنيهم الأمر، في سلطة الحكم في بيروت أو في الخارج، أنه لا يمكن مجاراة العدو عبر تركه يشنّ حربه المفتوحة على لبنان، وان ندخل نحن في حربٍ أهلية خدمةً لأهدافه… وغير ذلك، يبقى كلاماً بكلام!
مرتبط