سيناريو «الغزو من الداخل»: لماذا لن تولد «إدلب الإيرانية»؟

يتصاعد الجدل حول مستقبل إيران بين ضغط اقتصادي وإعلامي وأمني، وسيناريوهات تُشبّهها بإدلب، فيما تبرز تعقيدات الداخل وتماسك الدولة كعاملٍ حاسم في تحديد مسار المواجهة.

أميركا تراهن على الأكراد لإختراق إيران

شهدت السنوات الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في النقاشات الإقليمية والدولية حول طبيعة التحولات الداخلية في إيران، في ظلّ الضغوط الاقتصادية المتراكمة والعقوبات الغربية وتغيّرات البيئة الجيوسياسية المحيطة بالبلاد. وفي هذا السياق، برز تشبيه السيناريو الموضوع للحال الإيرانية بتجربة إدلب السورية، من حيث محاولة استثمار الداخل لإنتاج تغيير سياسي أو فرض وقائع تفاوضية. غير أن إسقاط ذلك النموذج على إيران يتطلّب قراءة دقيقة تأخذ في الاعتبار الفوارق البنيوية بين السياقَين.

تقوم الفرضية هنا على أن الضغوط المفروضة على طهران تتحرّك عبر مسارَين متوازيَين: الأول يعوّل على تحريك الشارع وتعميق الفجوة بين الدولة والمجتمع، والثاني يراهن على تحوّلات داخل النخب السياسية بما قد يؤدي إلى تعديل السلوك الاستراتيجي من النظام. وبين المسارَين تتشكل معادلة مركّبة تتداخل فيها الأدوات الاقتصادية والإعلامية والأمنية والسياسية.

ومنذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018، وتبنّي سياسة «الضغط الأقصى»، دخل الاقتصاد الإيراني مرحلة من الضغوط المتزايدة تحت تأثير العقوبات، التي انعكست على معدلات التضخم وسعر العملة والقدرة الشرائية للمواطنين، وهو ما جعل العامل المعيشي عنصراً مركزياً في أيّ حراك احتجاجي.

وفي القراءة الإيرانية، مثّلت العقوبات وسيلة لإحداث تململ اجتماعي عبر استهداف معيشة المواطن؛ إذ إن رفع كلفة السلة الغذائية وتآكل الدخول الحقيقية، يُفترض، من وجهة نظر الغرب، أن يولّدا ضغطاً داخلياً متراكماً. ورغم محاولات الدولة احتواء التضخم عبر سياسات مالية ونقدية، بقيت التحدّيات الاقتصادية عاملاً حساساً في المشهد الداخلي. وهنا، أدت مئات المنصات الناطقة بالفارسية التي تبث من الخارج دوراً بارزاً، مستهدفةً شرائح الشباب تحديداً، ومن بين أبرزها «بي بي سي فارسي» و»إيران إنترناشيونال»، اللتان تعدّان جزءاً من فضاء إعلامي مؤثّر داخل إيران، وإن كان تأثيرهما محلّ جدل داخلي، لما تقدّمانه من مواد مغايرة للقيم الإيرانية والموروث الشعبي.

تقوم الفكرة على إنشاء جيب كردي معارض داخل إيران يتحوّل إلى منصة ضغط تفاوضي

ويتناغم هذا الدور الإعلامي مع دعم سياسي أو لوجستي لجماعات معارضة ذات طابع قومي، لا سيما في المناطق الكردية الحدودية، حيث اشتُغل على خلق بؤر توتر دائمة تستنزف الدولة أمنياً، وتُستخدم كورقة ضغط إقليمية. وبعيداً عن تحريك الشارع، ثمة مسار موازٍ يراهن على التحولات داخل النخب السياسية الإيرانية، خصوصاً في العلاقة بين التيار المحافظ والتيارات الإصلاحية أو البراغماتية. وفي هذا الإطار، تقوم الاستراتيجية الأميركية على اعتقاد بأن تقليص تأثير «الحرس الثوري»، الذي يحتلّ موقعاً محورياً في معادلة صنع القرار نظراً إلى دوره العسكري والإقليمي، قد يفتح المجال أمام مرونة أكبر في الملفات الاستراتيجية؛ غير أن طبيعة النظام الإيراني القائم على تداخل مؤسساتي ضمن مرجعية واحدة، تجعل من الصعب الفصل الحادّ بين القرارَين السياسي والأمني.

كذلك، بما أن التعويل كان دائماً على القاعدة الشعبية، يحاول الجانب الأميركي التأثير غير المباشر من طريق صناديق الانتخابات، بوصفها فرصة لإيصال قيادات أقل تشدداً تجاه المطالب الغربية، خاصة في ما يتصل بالملف النووي والدور الإقليمي. إلا أن التجربة الإيرانية أظهرت أن التغيرات الحكومية لا تمسّ عادةً الثوابت الاستراتيجية، بل تؤثّر في أسلوب إدارة التفاوض وتنظيم الاشتباك فقط.

وشكّل العدوان الأميركي ـ الإسرائيلي على إيران، فرصة لطرح سيناريو جديد يقوم على تشبيه الحال الإيرانية بـ»النموذج الإدلبي» – قبل سقوط النظام في سوريا -، حيث يُعمل على إنشاء جيب معارض كردي داخل إيران، يتحوّل إلى منصة ضغط تفاوضي. غير أن إدلب نشأت في سياق حرب أهلية مفتوحة وتدخّل عسكري مباشر، بينما لا تزال إيران تحتفظ بدولة مركزية قوية وبنية أمنية موحّدة. كما أن التعددية القومية الإيرانية، رغم تحدياتها، لم تتحوّل بعد إلى خطر تفكك جغرافي واسع. هذا الخيار يستحضر عملية «مرصاد» لعام 1988، بوصفها مثالاً على إفشال محاولة فرض أمر واقع عسكري من الداخل. إذ شنّت منظمة «مجاهدي خلق» في نهاية الحرب العراقية ـ الإيرانية وقتذاك، هجوماً عبر الحدود الغربية، مستفيدةً من دعم عراقي، ومحاولةً التوغّل نحو العمق الإيراني وخلق واقع تفاوضي جديد. غير أن الجيش الإيراني و»الحرس الثوري» أعادا تنظيم صفوفهما سريعاً، ونفّذا هجوماً مضاداً أدى إلى تطويق المهاجمين خلال أيام قليلة. وأدى القائد العسكري، علي صياد شيرازي، دوراً بارزاً في تنسيق العمليات آنذاك، ما جعل عملية «مرصاد» تُقدَّم لاحقاً كنموذج لإحباط سيناريو «الغزو من الداخل» قبل تحوله إلى واقع جغرافي.

وفي مواجهة هذه الضغوط الداخلية، برز مفهوم «الكتلة الشعبية الصلبة» الداعمة للنظام؛ فخلال موجات احتجاج سابقة، شهدت المدن الإيرانية تحركات مضادّة تؤكد استمرار وجود قاعدة اجتماعية كبرى ترى في استقرار الدولة أولوية. ويُنظر إلى نزول هذه الكتلة إلى الأرض باعتباره وسيلة لمنع أي طرف من احتكار صورة الشارع، وتوجيه رسالة ردع إلى القوى الخارجية بأن الحاضنة الاجتماعية لا تزال قائمة، إضافة إلى إفشال أيّ محاولة لتحويل الاحتجاجات إلى مسار يؤدي إلى تفكك مؤسساتي.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

تدخّل «أنصار الله» مرهون بـ«مسار الأحداث»

أكدت صنعاء ترقّبها لمسار المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، ملوّحةً بإمكان الانخراط المباشر إذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *