سيرة السيد علي خامنئي: القائد الذي تحدّى «الاستكبار»

من معارض لحكم الشاه، إلى المرجعية الأعلى في إيران، تدرج السيد خامنئي في حياته السياسية، وخلال كل محطاته حافظ على نهج ثابت لم يتغير يوماً تحت تأثير التهديدات الأميركية والإسرائيلية أو الإغراءات الغربية.

طرح السيد علي خامنئي في خطابه الفكري والسياسي مفهوم «نصرة المستضعفين»

في 28 شباط 2026، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنّ آية الله السيد علي خامنئي استهدف وقتل في الضربة الافتتاحية للعدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران. واضعاً منطقة غرب آسيا والعالم بأسره أمام لحظة حرجة ستكون تداعياتها هائلة.

وعند الساعة الرابعة من فجر الأحد 1 آذار 2026، بثّ التلفزيون الإيراني نعي «السيد القائد» الذي استهدف في العدوان الأوسع على إيران منذ انتصار الثورة عام 1979. إذاً استشهد المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران السيّد علي خامنئي، والشهادة في حالته هي الختام الذي يليق برجل قضى من شبابه وصولاً إلى مشيبه في محاربة الهيمنة الأميركية والتصدي لقوى الاستكبار العالمي.

من فتى فقير يعيش في أزقة مدينة مشهد، ويشهد عندما كان في الخامسة عشر من عمره الانقلاب المدبّر من وكالة الاستخبارات الأميركية المركزية «CIA» على رئيس وزراء إيران محمد مصدق، إلى معارض لحكم الشاه، ومعجب بالرئيس المصري جمال عبد الناصر ومحبّ لغريمه سيد قطب، إلى المرشد الأعلى في إيران. تدرج السيد خامنئي في حياته السياسية، وفي كل محطاته حافظ على نهج ثابت لم يتغير يوماً تحت تأثير التهديدات الأميركية والإسرائيلية أو الإغراءات الغربية.

طرح السيد علي خامنئي في خطابه الفكري والسياسي مفهوم «نصرة المستضعفين» بوصفه مبدأً دينياً وأخلاقياً متجذراً في الرؤية الإسلامية للعدالة، ومستمداً من التراث القرآني الذي يدعو إلى الوقوف إلى جانب المظلومين في مواجهة الاستكبار والهيمنة. وقد قدّم هذا المبدأ باعتباره مسؤولية تتجاوز الحدود الجغرافية، بحيث يشمل دعم الشعوب التي يرى أنها تعاني من الاحتلال أو الضغوط السياسية والاقتصادية، مع التأكيد على استقلال القرار الوطني ورفض التبعية للقوى الكبرى.

من معارض لحكم الشاه إلى المرجعية الأعلى في إيران

وفي شخصيته، يبرز حضور رجل دين وسياسة جمع بين التكوين الحوزوي العميق والخبرة الطويلة في إدارة الدولة، فكان حريصاً في خطاباته على الربط بين البعد الروحي والعمل العام، وبين الهوية الدينية وبناء مؤسسات قوية للدولة.

وكان القائد صاحب رؤية استراتيجية بعيدة المدى، اتسم بالثبات في المواقف، والإيمان بدور إيران في الدفاع عن قضايا يعتبرها عادلة، مع تركيز واضح على مفاهيم الصمود، والاعتماد على الذات، وتعزيز القوة العلمية والثقافية باعتبارها أدوات لحماية الكرامة الوطنية، وعزّز دور إيران في محاربة قوى الاستكبار العالمي.

مولده ونشأته

وُلد السيد علي خامنئي في 19 نيسان عام 1939 في مدينة مشهد شمال شرق إيران، في أسرة دينية عُرفت باهتمامها بالعلوم الشرعية. تلقّى تعليمه الديني في سن مبكرة، ثم واصل دراسته في الحوزات العلمية، ولا سيّما في مدينة قم، حيث تتلمذ على عدد من كبار العلماء، وكان من بينهم الإمام روح الله الخميني الذي تأثّر بأفكاره في ما يتعلق بدور العلماء في قيادة المجتمع.

انخرط خامنئي في النشاط الديني والاجتماعي خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، ومع انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، تولّى مسؤوليات مهمة في مؤسسات الدولة الناشئة، فكان عضواً في مجلس الثورة، ثم شغل مناصب تنفيذية متعددة. وفي عام 1981 انتُخب رئيساً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وبقي في هذا المنصب حتى عام 1989، حيث شهدت البلاد خلال تلك الفترة مرحلة إعادة بناء مؤسسات الدولة وترسيخ هياكلها الدستورية.

انخرط خامنئي في النشاط الديني والاجتماعي خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين

بعد رحيل الإمام الخميني في حزيران 1989، اختاره مجلس خبراء القيادة مرشداً أعلى للجمهورية الإسلامية، ليكون ثاني من يتولى هذا المنصب في تاريخها. وبصفته المرشد الأعلى، اضطلع بمسؤوليات الإشراف العام على السياسات الكبرى للدولة، بما في ذلك القوات المسلحة والسياسات الخارجية، وفق ما ينص عليه الدستور الإيراني. وقد عُرف بدعوته المستمرة إلى الحفاظ على استقلال القرار الوطني وتعزيز القدرات الدفاعية والعلمية للبلاد.

خلال قيادته، أولى اهتماماً خاصاً بتطوير البنية العلمية والتقنية، ودعم برامج البحث والتعليم العالي، كما شدد على أهمية الاكتفاء الذاتي وتعزيز الاقتصاد الوطني. وعلى الصعيد الخارجي، أكد في خطاباته على مبادئ السيادة الوطنية ورفض التدخل في الشؤون الداخلية، مع الدعوة إلى إقامة علاقات متوازنة قائمة على الاحترام المتبادل.

ويُنظر إلى خامنئي بوصفه أحد أبرز الشخصيات المؤثرة في تاريخ الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إذ ارتبط اسمه بمراحل مفصلية من تطور الدولة ومؤسساتها، واستمر حضوره في المشهد السياسي والديني لعقود طويلة، مؤثِّراً في توجهاتها العامة ومسارها الإقليمي والدولي.

السيد خامنئي «رعب» أميركا

من عبارة «الموت لأميركا» يمكن فهم الرعب الذي شكله السيد خامنئي على مدى عقود بالنسبة للأميركيين. هذه العبارة التي كان ينطلق منها ويختتم بها أي كلمة أو خطاب له، في تركيز من شخصه على خطورة السرطان الأميركي في العالم والمنطقة على وجه الخصوص.

لا يعتبر السيد علي خامنئي مجرد شخصية سياسية ودينية بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية، بل يعتبر بمثابة «إيران في شخص»، وانطلاقاً من مواقفه الحازمة ضد قوى الاستكبار العالمي المتمثلة في أميركا وإسرائيل والغرب، تلخص الموقف الإيراني الرافض لكل سياسات الهيمنة والخضوع للإملاءات، فشكل حالة نادرة بين مجموعة من الأنظمة في المنطقة اختارت السير على النهج الأميركي حفاظاً على قوامها وسلطتها.

السيد خامنئي رعب أميركا وإسرائيل

تنظر الولايات المتحدة إلى علي خامنئي بوصفه الشخصية الأكثر تأثيراً في صنع القرار الإيراني، وصاحب الكلمة الفصل في السياسات الدفاعية والإقليمية والنووية لبلاده. وعلى مدى عقود، شكّل اسمه محوراً رئيسياً في الخطاب السياسي الأميركي المتعلق بإيران، سواء في سياق العقوبات أو المفاوضات أو التوترات الإقليمية.

خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب، اتسمت التصريحات الأميركية بلهجة شديدة تجاهه، حيث اعتُبر المسؤول الأول عن سياسات إيران الإقليمية وبرنامجها النووي. وفي عام 2019 فرضت الإدارة الأميركية عقوبات مباشرة عليه، وأعلنت أنه يتحمل مسؤولية ما وصفته واشنطن بـ«السلوك المزعزع للاستقرار» في المنطقة. كما وصفه مسؤولون في تلك الفترة بأنه صاحب القرار النهائي في دعم الحلفاء الإقليميين لإيران وتطوير قدراتها العسكرية.

في المقابل، اعتمدت إدارة الرئيس جو بايدن خطاباً أكثر تركيزاً على المسار الدبلوماسي، خصوصاً في ما يتعلق بالملف النووي. ومع ذلك، استمرت في تحميله مسؤولية التوجهات الاستراتيجية الكبرى لإيران، باعتباره المرشد الأعلى وصاحب الصلاحيات الدستورية الواسعة.

أما خلال إدارة الرئيس باراك أوباما، فقد ارتبط اسمه بمفاوضات الاتفاق النووي لعام 2015. ورغم الانتقادات المتبادلة في الخطابات الرسمية، كانت واشنطن تعتبر أن موقفه هو العامل الحاسم في إنجاح أو تعطيل أي تفاهم. وقد أشار مسؤولون أميركيون آنذاك إلى أن موافقته الضمنية كانت ضرورية لإتمام الاتفاق.

وفي بيانات وزارة الخزانة الأميركية ووزارة الخارجية الأميركية، غالباً ما يُوصَف بأنه القائد الأعلى الذي يشرف على المؤسسات العسكرية والأمنية، وأنه المسؤول عن التوجهات الاستراتيجية لإيران في المنطقة. وتؤكد التصريحات الأميركية عادة أن سياسات إيران الخارجية والأمنية تعكس رؤيته العامة للدور الإقليمي لبلاده.

بصورة عامة، يجمع الخطاب الأميركي عبر الإدارات المختلفة على اعتباره الشخصية المركزية في النظام الإيراني، وصاحب التأثير الأكبر في رسم مسار العلاقة المتوترة بين واشنطن وطهران، سواء في سياق التصعيد أو محاولات التهدئة الدبلوماسية.

استشهاده

أعلنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية استشهاد السيد علي خامنئي في صباح يوم 28 شباط 2026 أثناء تأديته مهامه اليومية في مقر قيادته، واصفةً وفاته بأنها حدث جلل في حياة الأمة الإيرانية وأبرز محطات تاريخية في مشوارها الوطني والديني، وقد صاحب الإعلان الرسمي إعلان الحداد الوطني لمدة 40 يوماً وإجازة رسمية لمدة أسبوع إحياءً لذكراه وتكريماً لمسيرته القيادية الطويلة في خدمة البلاد.

أعلنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية استشهاد السيد علي خامنئي

قبل الاستشهاد بأشهر لوّحت الولايات المتحدة، ومن خلفها إسرائيل، بأن اغتيال السيد أحد السيناريوهات المطروحة لتغيير وجه النظام في إيران واستبداله بنظام آخر، يتناسب مع المشاريع الأميركية-الإسرائيلية في المنطقة وييسر تنفيذها، لذا حاول الطرفان تنفيذ المخطط مراراً ظناً منهما أنّ استشهاد السيد خامنئي يعني سقوط إيران كنظام ودولة إسلامية معادية لواشنطن وتل أبيب.

اليوم يوكل إلى الرئيس ورئيس السلطة القضائية وأحد فقهاء مجلس صيانة الدستور إدارة المرحلة الانتقالية بعد استشهاد المرشد، وفي الدستور تنص المادة 111 على الإجراءات الواجب اتباعها في حال وفاة القائد أو عجزه أو استقالته أو عزله. ووفق النص الدستوري، فإن الجهة الوحيدة المخولة بتشخيص الشغور واختيار البديل هي مجلس خبراء القيادة.

ويضم المجلس 88 عضواً من رجال الدين الشيعة، إضافة إلى 5 من رجال الدين السنّة الإيرانيين، ويتم انتخاب أعضائه مباشرة من الشعب، بعد خضوعهم لفحص من قبل مجلس صيانة الدستور. وفي حال شغور المنصب، يُلزم الدستور المجلس بالتحرك «في أسرع وقت ممكن» لاختيار قائد جديد، منعاً لأي فراغ في هرم السلطة. ولتفادي أي خلل إداري أو أمني، ينص الدستور على تشكيل مجلس قيادي مؤقت يتولى مهام القائد لحين انتخاب خلفه.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

حزب الله: العدو الأميركي والإسرائيلي سيتلقى صفعة كبيرة

أدان حزب الله العدوان الأميركي ـ الإسرائيلي الذي استهدف الجمهورية الإسلامية في إيران، مؤكدأ أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *