مودي في كيان الاحتلال: تغطية الإبادة (لا) تصنع حلفاً استراتيجياً

أنهى ناريندرا مودي زيارة إلى كيان العدو وُصِفت إسرائيلياً بتحوُّل استراتيجي عميق في العلاقات. ويأتي هذا التقارب في سياق سعي تل أبيب لكسر عزلتها، مقابل مقاربة هندية براغماتية تحكمها المصالح.

قد يكون من دوافع الزيارة، قراءة استراتيجية هندية تفيد بأن كفّة التأثير الإقليمي باتت تميل لصالح الكيان

أنهى رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، زيارة استمرّت يومين إلى الكيان، تخلّلها توقيع اتفاقيات ومذكّرات تفاهم، وإصدار مواقف سياسية لافتة. وحرصت تل أبيب على تظهير الزيارة على أنها «مكسب» غير مسبوق، و«تحوّل استراتيجي عميق» في موقع إسرائيل الإقليمي والدولي، وكذلك في مقاربة الهند نفسها لعلاقاتها في المنطقة عبر اصطفافها الكامل إلى جانب الكيان العبري. وعكس تلك القراءة بوضوح الخطاب السياسي والإعلامي الذي حمل قدراً كبيراً من الحماسة تجاه خطوة مودي.

وإلى أبعد من ذلك، ذهبت بعض القراءات بتصوير التقارب مع الهند كـ«رافعة بديلة» من رهانات إقليمية أخرى، لم تتحقّق بالقدر المأمول، من مثل «اتفاقات آبراهام»، وما سُمّي في الإعلام العبري بـ«الكتلة السنية الإقليمية». كما رأت تعليقات أخرى في هذا «التحول» الهندي رسالة إلى أوروبا والولايات المتحدة بأن لدى إسرائيل، في الشرق أيضاً، شركاء ذوي «ثقل استراتيجي».

غير أن نيودلهي، في المقابل، تعاملت مع الزيارة ضمن الإطار الاعتيادي لمصالحها «القومية»؛ إذ ركّزت على الجوانب الاقتصادية والتجارية، ولا سيما فرص العمل ونقل التكنولوجيا وتوسيع الاستثمارات، فيما بقي التعاون الأمني ضمن سياقه المعتاد من دون تضخيم سياسي. وتنسجم هذه المقاربة مع تقليد هندي راسخ يقوم على تنويع الشراكات الدولية، وتجنّب الاصطفاف الحادّ ضمن محاور دولية أو إقليمية مغلقة. فالدولة الهندية تحتفظ بعلاقات دفاعية تاريخية عميقة مع روسيا، وتحافظ على صلات استراتيجية مع إيران، ولا سيما في مجالَي الطاقة والموانئ، وتتعاون، في الوقت عينه، عسكرياً مع فرنسا وألمانيا، فيما تربطها شراكات واسعة مع الولايات المتحدة.

ومع ذلك، يمكن فهم حماسة إسرائيل للزيارة في ضوء تحوّلات مكانة تل أبيب، وتزايد الانتقادات الدولية لسلوكها في أعقاب حرب الإبادة المتواصلة على الفلسطينيين، والذي يدفعها، بالضرورة، إلى تلقّف أي فرصة لتعزيز «شرعيتها» الدولية، وتوسيع شبكة شركائها الدوليين. غير أن هذا التقارب، على أهميته، لا يعني تحوّلاً جذرياً في تموضع الهند – على النحو الذي تحدّثت عنه وسائل الإعلام العبرية -؛ إذ من غير المُرجّح أن تحلّ نيودلهي محل أي قوة كبرى في الحسابات الاستراتيجية الإسرائيلية، أو أن تعيد صياغة سياستها الإقليمية على أساس اصطفاف كامل مع أي طرف.

لم تبرز خلال الزيارة معطيات جديدة تشي بـ«انزياح» بنشوء «حلف» بين الطرفين في مواجهة «الأعداء المشتركين»

وعلى الرغم من ما تقدّم، جاءت زيارة مودي لتعيد تعويم السردية الإسرائيلية؛ إذ تجنّب رئيس الوزراء الهندي، الذي يقود حزباً هندوسياً متطرّفاً يتفاخر بسياساته القمعية ضدّ المسلمين، التطرّق إلى معاناة الفلسطينيين، معلناً دعم بلاده لإسرائيل في مواجهة ما وصفه بـ«الإرهاب». وقال مودي، أمام «الكنيست»، إن الهند «تقف إلى جانب إسرائيل»، في ترسيخ لسياسة بدأت منذ سنوات، عنوانها الانحياز إلى تل أبيب، بعيداً من الخطاب التقليدي للهند الذي كان يحرص على إظهار قدر أكبر من التوازن تجاه الفلسطينيين.

وفي الصورة الأعمّ، يصعب فصل مواقف مودي عن حسابات الهند الجيوسياسية، والتي تتجاوز الإطار الثنائي مع إسرائيل، إذ تبدو زيارته وتصريحاته «الرنانة» محكومة بأجندة تهدف إلى تحقيق مكاسب مباشرة وملموسة في أكثر من اتجاه، ومن بينها كسب الرضى الأميركي، خصوصاً في وقت تبدي فيه واشنطن امتعاضاً من نزعة نيودلهي الحيادية في ملفات دولية أخرى، من بينها ملفّ الحرب الروسية – الأوكرانية. كما قد يكون من دوافع الزيارة، قراءة استراتيجية هندية تفيد بأن كفّة التأثير الإقليمي باتت تميل لصالح إسرائيل على حساب شركاء تقليديين للهند، بمن فيهم إيران، ما يدفع الأولى إلى تعميق التعاون مع الكيان الإسرائيلي كأداة لإعادة التوازن الإقليمي.

وعلى أيّ حال، لم تبرز خلال الزيارة معطيات جديدة تشي بـ«انزياح» هندي حاسم نحو إسرائيل، أو بنشوء «حلف» بين الطرفين في مواجهة «الأعداء المشتركين»، فيما تبدو المقارنات التي عقدها الإعلام العبري بين العلاقة مع الهند وتلك القائمة مع أوروبا أو الولايات المتحدة أقرب إلى «التمنّي». وفي المحصّلة، تمثّل الزيارة خطوة متقدّمة في مسار علاقة آخذة في الاتساع، لكنها لا ترقى إلى مستوى التحوّل الجيوسياسي الجذري. وفي الوقت نفسه، لا يمكن التقليل من أهميتها؛ فالتعاون في التكنولوجيا والابتكار والأمن السيبراني والزراعة والأمن البحري ليس شيئاً عابراً، خصوصاً في وقت تمثّل فيه الهند، بثقلها السكاني والاقتصادي المتنامي، سوقاً واعدة وشريكاً استراتيجياً يصعب تجاهله. والثقل هذا، هو ما يدفع إسرائيل إلى السعي لتعميق صلاتها مع قوة آسيوية صاعدة، ما أمكنها ذلك، ولا سيما في ظلّ رغبتها في تعويض بعض الخسائر الدبلوماسية التي تكبّدتها نتيجة سياسات القوة والهيمنة التي تنتهجها إقليمياً.

مشروع «IMEC» لا يزال على الورق

اختُتمت زيارة رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، إلى إسرائيل، بإعلان رفع مستوى العلاقات بين الجانبَين إلى «شراكة استراتيجية خاصة»، وتوقيع نحو 17 اتفاقية ومذكّرة تفاهم شملت مجالات متعددة، من بينها التكنولوجيا، والأمن السيبراني، والزراعة، والتجارة الرقمية، والبحث العلمي. وتضمّنت التفاهمات تعزيز التعاون الأمني والتطوير المشترك في مجال نقل التكنولوجيا العسكرية، إضافة إلى فتح مسارات جديدة للتعاون الاقتصادي والمالي، فيما أُعلن عن نية العمل على اتفاقية تجارة حرة في الفترة المقبلة.

وخلال الزيارة، طُرحت مبادرات أوسع، من بينها مشروع ممر الهند – الشرق الأوسط – أوروبا «IMEC»، الذي يُنظر إليه باعتباره مقدّمة لتعزيز الربط اللوجستي والاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط ثمّ أوروبا، مع إشارات إلى دور ميناء حيفا ضمن شبكة النقل المستقبلية. غير أن مشروع «IMEC» يمثّل رؤية طويلة الأمد للتعاون الإقليمي، أكثر من كونه اتفاقاً تنفيذياً جاهزاً للتفعيل بين الطرفين؛ إذ يتطلّب مراحل إضافية من التنسيق والتمويل، إلى جانب اتفاقات تفصيلية بين الدول المعنية، من الهند مروراً بدول الخليج وصولاً إلى الدول الأوروبية، قبل أن يتحوّل إلى واقع عملي. ويعيد هذا المشروع إلى الأذهان ما أُثير عام 2018 بشأن مشروع خط أنابيب الغاز «إيست ميد» لنقل الغاز من شرق المتوسط إلى أوروبا عبر إسرائيل، والذي حظي آنذاك بزخم سياسي وإعلامي واسع، قبل أن يتراجع حضوره تدريجياً من دون أن يتحوّل إلى واقع.

ورغم أهمية ما أُعلن خلال الزيارة، فإن الاتفاقيات الموقّعة تمثّل خطوة أولى نحو توسيع الشراكة بين الهند وإسرائيل، وهي في جوهرها تفاهمات وإعلانات نيات طويلة المدى. ويبقى تنفيذها مرهوناً بإجراءات تقنية وتنظيمية ومفاوضات لاحقة، ما يجعل نتائج الزيارة قابلة لإعادة التقييم مع تقدّم مراحل التنفيذ، بعيداً من البروباغندا الإعلامية.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

اللحوم زائر موسمي على موائد الفقراء في رمضان

ارتفعت أسعار اللحوم الحمراء في لبنان بنسبة تراوح بين 9% و50% قبيل شهر رمضان، بفعل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *