الدولة تسطو على أملاك بلدية بيروت: تجدد معركة الـ«Park Meter»!

تجدّد الصراع حول مشروع عدّادات الوقوف في بيروت بين البلدية وهيئة إدارة السير والمركبات والآليات، رغم عدم وجود نص قانوني يُلغي صلاحية السلطة المحلية على أملاكها.

من جديد، تحاول الدولة الاستيلاء على أملاك بلدية بيروت، بما يؤدي إلى حرمان صندوقها من المداخيل الضرورية لتنفيذ المشاريع الإنمائية في العاصمة. السيناريو نفسه الذي حصل عام 2002 يتكرر اليوم، عبر محاولة نقل صلاحية إدارة مشروع عدّادات الوقوف (Park Meter) المُثبتة في الأملاك العامة مقابل بدل مادي، من بلدية بيروت إلى هيئة إدارة السير والمركبات والآليات.

ولم يكن لدى أعضاء المجلس أي معلومات مُسبقة عن القرار الذي اطّلعوا عليه خلال الجلسة التي عُقدت أول من أمس، على لسان أحد ممثلي الهيئة، رغم أنّ البند لم يكن مُدرجاً على جدول الأعمال. وقد أثار ذلك غضب المجلس، فاعترض أعضاؤه بداية على أسلوب ممثل الهيئة، ثم استندوا إلى النصوص القانونية التي تؤكد صلاحيتهم على الأملاك العامة في بيروت. وقاد عضو المجلس رامي الغاوي، كونه عضواً سابقاً ومطّلعاً على الملف، الاعتراض مؤكداً أن إدارة المشروع من دون موافقة المجلس «أمر غير قانوني»، مقترحاً تشكيل لجنة مشتركة من أعضاء المجلس والهيئة لدراسة التفاصيل، وهو ما تمّ بالفعل.

«دجاجة تبيض ذهباً»

قبل التوصل إلى توافق حول تشكيل اللجنة، حاول ممثل الهيئة فرض رأيه المعاكس، مستنداً عملياً إلى… «لا شيء». فالهيئة تسعى مجدّداً للاستيلاء على «الدجاجة التي تبيض لها ذهباً»، عبر إعادة إحياء العقد الموقّع مع بلدية بيروت نهاية عام 2004، والذي منحها الحق بتنظيم وتشغيل مواقف السيارات على جانب الطرق مقابل بدل مالي، علماً أن صلاحية هذا العقد انتهت عام 2010. ومع ذلك، جدّدته الهيئة تلقائياً من دون الرجوع إلى البلدية، لمدة تجاوزت تسع سنوات، وفق ما ورد في كتاب محافظ بيروت السابق، زياد شبيب، المُرسل إلى وزارة الداخلية والبلديات في آب 2017.

كما حاول ممثل الهيئة الاستناد إلى ذرائع سبق أن حاولت الدولة قوننتها قبل أكثر من 20 عاماً. فالحجة التي ترفعها الهيئة ترتكز على الانتفاع من قرض قدّمته اليابان عام 1998 عبر البنك الدولي بقيمة 115 مليون دولار، لتمويل مشروع النقل الحضري في مدينة بيروت الكبرى، مع تسديد قيمة القرض لاحقاً من مردود المشروع. ولتحقيق ذلك، أصدرت الحكومة عام 2003 القانون الرقم 505، الذي أتاح لها إبرام اتفاقية القرض، وقرّرت نقل صلاحية إدارة المشروع من بلدية بيروت إلى مجلس الإنماء والإعمار وهيئة إدارة السير.

ولأنّ القانون الرقم 505 لم ينص صراحة على ذلك، اعتمدت الحكومة في قرارها أيضاً على المرسوم الرقم 4982 الذي أنشأ هيئة إدارة السير الصادر في تشرين الأول 2000، والذي نص على تكليفها بـ«التنسيق مع البلديات والأجهزة المختصة لوضع سياسة لتنظيم الوقوف على جوانب الطرقات، ووضع نظام خاص لإدارتها باستخدام العدّادات الخاصة، وتركيبها وصيانتها وإزالة المخالفات». كما منحها المرسوم الحق في «التعاقد مع البلديات المعنية لاستثمار هذه العدّادات، مع توزيع الحصص العائدة للمؤسسة ولكل بلدية من العوائد».

وقد رفضت البلدية حينها الاتفاق، قبل أن تقبل به في حزيران 2002 تحت الضغوط والتهويل بإلغاء القرض. فأصدرت القرار 446، ووقّعت بعد عامين عقداً مع هيئة إدارة السير لمدة ستة أعوام، ينصّ صراحةً على أن تُغطّي عائدات الـ«باركميتر» تسديد القرض وكلفة التشغيل والإدارة، على أن يذهب ما يفيض عنهما إلى الصندوق البلدي، من دون تعيين مدقّق حسابات من الطرفين.

البلدية تُشغِّل أملاكها مجاناً!

لكن تبيّن بعد ذلك أن البلدية التي وافقت على تنفيذ المشروع ضمن أملاكها «خرجت من المولد بلا حمّص»؛ فمنذ ذلك الحين، لم تعد على علمٍ بما يجري في المشروع، ولم تصلها جداول وتفاصيل المبالغ المالية المُحصّلة، والتي تُفيد بحقيقة الإيرادات وتكاليف الصيانة.

ورغم المراسلات العديدة التي رُفعت إليها، اكتفت الهيئة بإرسال تقارير موجزة غير مُسنَدة بفواتير أو إيصالات أو مستندات. وبالتالي، لم تتقاضَ البلدية فلساً واحداً مقابل عائدات بالملايين. ففي عام 2009 مثلاً، بلغت عائدات المشروع نحو أربعة مليارات ليرة لم تعرف البلدية بها، قبل أن تُصرّح الهيئة في كتاب في 11 آذار 2017 بأن «لا دخل محقّقٌ من هذا المشروع، وأن لا علم لها بأي حساب عائد للبلدية ومرتبط بمشروع العدّادات»!

في المقابل، عمدت الهيئة، ومن دون العودة إلى البلدية وخلافاً للاتفاقيّة، إلى توسيع «بيكار» المصاريف من صيانة الماكينات إلى تغطية تكاليف التشغيل والصيانة للمهام التي تتولاها الهيئة أصلاً، كتشغيل وصيانة غرفة التحكم المروري، وتشغيل وصيانة اللوحات الإرشادية الممتدّة من نهر الكلب حتى طريق المطار، وتشغيل برمجة وصيانة اللوحات الإرشادية ضمن نطاق بيروت الكبرى (أكثر من 220 تقاطعاً)!

حينها، كلّفت البلدية محاميها، عصام إسماعيل، بتقديم طلبات إلى مجلس شورى الدولة بهدف تعيين خبير لإعداد تقرير حول المشروع والتقدّم بمراجعة، مطالبة بحصة البلدية والتعويض عن الضرر اللاحق جراء سوء إدارة المشروع. ولكن لم تصل هذه المراجعات إلى نتيجة، بعد أن تمنّعت البلدية في عهد رئيسها السابق، جمال عيتاني، عن الموافقة على سلفة لدفع تكاليف خبير من قبل البلدية للتدقيق في الحسابات.

التخلّي عن الصلاحيات

وهكذا نام الملف لأكثر من 7 سنوات، قبل أن تُقرِّر الدولة إعادة «فيلم الـ 2002» بحرفيّته، مهوِّلةً على البلدية عبر ممثّل هيئة إدارة السير بـ«القوانين والمراسيم» لانتزاع موافقتها على التخلّي عن صلاحياتها، وعدم السماح لها بالتدقيق في التفاصيل. فممثل الهيئة عرض على البلدية عرضاً أشبه بـ«التنازل» عن أملاكها، باعتبار أن القانون ينيط المواقف في الأماكن العمومية بالهيئة، وبذريعة أن المشروع لن يطاول بيروت فقط، وإنّما ضواحيها ومناطق أخرى.

بدا لافتاً توحّد أعضاء مجلس بلدية بيروت على موقف واحد للمرة الأولى منذ انتخابهم

وقال ممثل الهيئة إن هذا المشروع سيكون لقاء مبالغ مالية للبلدية، من دون تحديدها، فيما تمّت الإشارة إلى أن جزءاً من العائدات سيكون مُخصّصاً لتركيب وصيانة اللوحات الإرشادية والإشارات الضوئية في بيروت الكبرى، من نهر الكلب وحتى طريق المطار، مع إعطاء شرطة البلدية حق تنظيم المحاضر المخالفة. غير أنه لم يُعط للبلدية حقّ التدخل في دفتر الشروط وعملية التلزيم، علماً أن إدارة البلدية كانت قد قطعت شوطاً في إعداد دفاتر الشروط الخاصة بالمشروع، ما أثار استغراب البلدية من تحويل الملف إلى الهيئة بين ليلةٍ وضحاها.

«على قلب رجل واحد»

وعليه، قام أعضاء المجلس في الجلسة بصدّ اندفاعة ممثل الهيئة لحملهم على تجديد العقد «وكأنه الخيار الوحيد المُتاح»، خصوصاً أنه سبق للمحامي إسماعيل أن شرح في دراسة قانونية موجّهة إلى البلدية عام 2019 أنه لا يوجد أي نص قانوني يُلغي صلاحية البلدية على أملاكها. واستند إلى المادة 49 من قانون البلديات، كما المادة 48 من قانون الرسوم والعلاوات البلدية، والتي تنصّ على الآتي: «يُعيِّن المجلس البلدي أماكن وقوف السيارات والآليات على اختلاف فئاتها وأنواعها في الأملاك العمومية البلدية، ويضع نظاماً خاصاً لهذه الغاية يُحدِّد فيه معدلات الرسم تبعاً لمدّة الوقوف مؤقّتاً كان أو عابراً، كما يُعيّن طرق ووسائل تحصيله».

وشدّد إسماعيل في متن دراسته على أن «الأراضي التي يُنفّذ عليها المشروع تدخل ضمن أملاك بلدية بيروت العامة، وأن للبلدية صلاحية إدارة واستثمار هذه الأملاك، ولها بقوّة القانون صلاحية تنظيم الوقوف مقابل بدل في أملاكها العامة البلدية».

وبمعزل عن قانونية عرض هيئة إدارة السير، بدا لافتاً توحّد أعضاء المجلس للمرة الأولى منذ انتخابهم خلف قرار واحد، وهو رفض العرض «كونه مُجحِفاً بحق البلدية ولا ضمانات بأن تدخل العائدات إلى الصندوق البلدي أو خضوع المشروع لأي رقابة مالية، كما حصل سابقاً». وتمسّك هؤلاء بإدارة البلدية للمشروع، قبل أن يتم الاتفاق على تشكيل لجنة من الطرفين.

نصب في الصيفي لـ«شهداء المقاومة»

بدا لافتاً في جلسة مجلس البلدية أول من أمس إصرار الأعضاء المحسوبين على حزب «القوات اللبنانية» على وضع نصب تذكاري يحمل اسم «شهداء المقاومة» داخل إحدى الحدائق في منطقة الصيفي. وفيما قوبل الطرح بصمت الأعضاء المحسوبين على حزب الكتائب، بدا الأعضاء الأرمن أشبه بمعترضين، عبر إشارتهم إلى أن الحديقة يتوسّطها تمثال قديم ولا تتّسع لنصب تذكاري جديد.

وبعد انتهاء الجلسة، تبيّن أن البند مرّ بـ«الإجماع»، علماً أن عدداً من الأعضاء يؤكدون أنهم غادروا الجلسة، ولم يتمّ التصويت عليه في حضورهم.

شروط تعجيزية لمناقصة مواقف سيارات

اعترض أعضاء في مجلس بلدية بيروت، على بند تأجير المواقف العمومية المملوكة للبلدية، واعتبروا أن شروط المناقصة وُضعت «على مقاس» عددٍ ضئيل من الشركات. وقد وصفت بـ«التعجيزية»، ولا يمكن إلا لثلاث أو أربع شركات كبرى أن تُلبّيها، تمهيداً لتقاسم مواقف العاصمة طائفياً. ومن هذه الشروط أن تكون الجهة المشاركة قد أدارت سابقاً موقفاً يتّسع لأكثر من 100 سيارة، وأن تُقدّم شهادة حُسن إدارة، ولائحة بجهازها الإداري والفني.

وطرح أعضاء المجلس أسئلة حول كيفية الحصول على تلك الإفادات مُصدّقة من الجهة المخوّلة بذلك. وأشاروا إلى أن إدارة موقف يتّسع لأقل من 100 سيارة لن يغيّر في الأمر، طالما أن البلدية ستحصل على أموالها مُسبقاً من الجهة التي رست عليها المناقصة. كما اعترضوا على تخفيض الرسوم بعدما كان هؤلاء قد أعدّوا دراسة واقترحوا رسوماً عليا.

وعليه، أرجئ البند إلى جلسة لاحقة، لتخفيض الشروط حتّى يصبح بالإمكان ضمان المنافسة والحصول على أعلى سعر ممكن.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

باكستان تعلنها حرباً مفتوحة: أفغانستان استحالت «مستعمرة هندية»!

تحوّلت الاشتباكات المستمرة منذ أسابيع بين كابول وإسلام أباد إلى ما وصفته الأخيرة بـ«الحرب المفتوحة»، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *