عائق المنافسة التركية والإسرائيلية باقٍ: المرافئ السورية تستعيد نشاطها

استعادت المرافئ السورية جزءاً من نشاطها التجاري خلال العام الماضي، مع ارتفاع ملحوظ في حركة البضائع والسفن ودخول استثمارات جديدة إلى اللاذقية وطرطوس. يأتي هذا في سياق رفع العقوبات وتخفيف قيود الاستيراد، وسط منافسة تركية وإسرائيلية

جدّدت شركة فرنسية عقد استثمار محطة الحاويات في مرفأ اللاذقية

استعادت المرافئ السورية، خلال العام الماضي، بعضاً من نشاطها التجاري، مستفيدةً، من جهة، من إلغاء واشنطن عقوباتها «المزمنة» على البلاد؛ ومن جهة أخرى، من رفع الحكومة الانتقالية معظم القيود التي كانت مفروضة سابقاً على الاستيراد. ومع تجديد شركة فرنسية عقد استثمار محطة الحاويات في مرفأ اللاذقية، ودخول شركة «موانئ دبي» على خطّ استثمار مرفأ طرطوس، تشير التوقعات إلى أن المرفأَين سيشهدان، خلال السنوات المقبلة، عمليات تطوير وتحديث واسعة في البنى التحتية والخدمات اللوجستية، من شأنها أن تزيل عنهما آثار خمسة عشر عاماً من الجمود والترهّل.

غير أن هذه الخطوات قد لا تكون كافية لتحقيق طموح المرفأَين في حجز مرتبة متقدّمة على خريطة التجارة الشرق أوسطية، خصوصاً في ظلّ منافسة من مرافئ إقليمية أخرى حقّقت قفزات نوعية خلال السنوات الماضية.

ويمثّل مرفآ اللاذقية وطرطوس حالياً الواجهة التجارية الرئيسة للبلاد، إذ يتمّ عبرهما الجزء الأكبر من عمليات الاستيراد والتصدير، فيما تبدو الحاجة ملحّة في المقابل إلى إبرام اتفاقيات تجارية مع دول الجوار، وإعادة إحياء تجارة الترانزيت الإقليمية. وعليه، فإن البيانات المتعلّقة بأداء المرفأَين خلال العام الماضي، تشكّل، إلى جانب حركة الشاحنات عبر المعابر البرية الحدودية، مؤشراً أولياً هاماً على واقع التجارة الخارجية للبلاد بعد سقوط النظام السابق، وذلك في انتظار صدور بيانات تفصيلية ذات صلة.

زيادة في البضائع والبواخر

لم يكن ارتفاع معدلات الحركة في مرفأي اللاذقية وطرطوس مستغرباً؛ إذ شكّل التحول السياسي الذي شهدته البلاد نهاية عام 2024، في جزء منه، قطيعة مع السياسات والقيود التجارية السابقة. وجاءت هذه القطيعة مدفوعة بالحاجة إلى تأمين احتياجات الأسواق المحلية من السلع والبضائع، فضلاً عن قرارات حكومية هدفت إلى إبراز «تمايز» المرحلة الجديدة عن سابقتها في ملفات عديدة، على غرار ملف استيراد السيارات مثلاً.

وبحسب بيانات «الهيئة العامة للمعابر والجمارك»، بلغ إجمالي كمية البضائع المتناولة (المحمّلة والمفرغة) في مرفأ اللاذقية خلال العام الماضي نحو 3.255 ملايين طن، مقابل نحو 6.546 ملايين طن في مرفأ طرطوس. وبالمقارنة مع بيانات عام 2022، سجّل المرفآن زيادة ملحوظة في حجم البضائع، بلغت نحو 45.3% في اللاذقية، ونحو 71.9% في طرطوس، وهو ما مثّل نتيجة طبيعية للأسباب المشار إليها.

ومع ذلك، تبقى هذه الأرقام أقلّ بكثير من مستويات ما قبل الحرب. ففي عام 2010، الذي شهد ذروة نشاط المرفأين، وصلت كمية البضائع المحمّلة والمفرغة إلى نحو 8.668 ملايين طن في اللاذقية، ونحو 13.449 مليون طن في طرطوس. وبهذا، لا تمثل أرقام العام الماضي سوى 37.5% من مستوى 2010 في الأولى، و48.6% في الثانية.

لن تتنازل أنقرة، رغم علاقتها المتميزة مع دمشق، عن جبهات عملها لصالح المرافئ السورية

لكن الصورة تبدو مختلفة نسبياً عند مقارنة البيانات المتعلقة بعدد البواخر. إذ تشير بيانات «هيئة المعابر» إلى أن عدد البواخر التي أمّت مرفأ اللاذقية بلغ نحو 512 باخرة، بما فيها البواخر التي دخلت بهدف الصيانة، فيما بلغ العدد في مرفأ طرطوس نحو 924 باخرة. وتمثل هذه الأرقام زيادة واضحة بنسبة 79% في الأولى و83% في الثانية – مقارنة بآخر إحصائية رسمية معتمدة للعام 2022 -، علماً أنها شملت السفن الداخلة فقط. ومع ذلك، فإن هذه الزيادة لا تتجاوز 33% و21% على التوالي من أعداد السفن المسجّلة في عام 2010.

ويعتقد البعض أن هذا الفارق يمكن أن يُرمّم خلال العام الجاري، في ضوء إلغاء إدارة الرئيس دونالد ترامب عقوبات «قيصر» نهائياً، فضلاً عن الآمال الحكومية المعقودة على جذب استثمارات خارجية كبيرة، والمباشرة في تنفيذ تلك الاستثمارات التي تمّ توقيع مذكرات تفاهم حولها العام الماضي. وإذ يبدو هذا التفاؤل، نظرياً، صحيحاً ومنطقياً، غير أنه يصطدم، في الوقت عينه، بواقع التجارة الإقليمية، ولا سيما بالنسبة إلى مرفأ طرطوس، الذي كان يُعرف قبل الحرب بـ«مرفأ العراق». فاستمرار جمود تجارة الترانزيت في اتجاه العراق، ومحدوديتها مع الأردن ودول الخليج عبر المرافئ السورية، من شأنه أن يحدّ من نمو حركة المرفأين ونشاطهما التجاري والاستثماري.

منافسون كثر

ينتظر المرافئَ السورية، عموماً، تحديان رئيسان، يتمثّل أولهما في خفض الكلف التشغيلية، وإطلاق مشاريع توسعة للمرافئ وتحديث مرافقها وخدماتها، بما يمكّنها من استقبال السفن الكبيرة وتلبية احتياجات التصدير المحلية حالياً، والإقليمية مستقبلاً، ولا سيما في قطاعات السلع الأولية والثروات الطبيعية. ويُشار، في هذا السياق، إلى أن جزءاً من تمرير صادرات الفوسفات السوري خلال السنوات الماضية كان يتمّ عبر مرفأ طرابلس اللبناني، نظراً إلى محدودية إمكانات مرفأ طرطوس، وهو ما أدى إلى تحقيق عائدات كبيرة للجانب اللبناني، يقدّرها أحد العاملين في «مؤسسة الجيولوجيا» (السابقة) بأكثر من خمسة ملايين دولار.

أما التحدي الثاني، فيتعلق بالقدرة على فتح قنوات تعاون تجاري مع الدول المجاورة والإقليمية، وذلك لتنشيط مسارات تجارية تمر عبر المرافئ السورية، وخصوصاً «طرطوس»، الذي يملك فرصة استراتيجية للاستفادة من شراكته مع شركة «موانئ دبي» العالمية، والتموضع على خريطة الموانئ الرئيسة في المنطقة. غير أن هذه الفرصة تواجه منافسة متزايدة؛ فمن جهة، يجري تنفيذ مشروع «طريق التنمية» الذي يربط دول الخليج عبر العراق بالمرافئ التركية، وهو ما قد يؤثر في دور المرافئ أو الموانئ السورية واللبنانية والأردنية. وهنا، لا يمكن إغفال المنافسة التركية؛ إذ إن العلاقات السياسية المتميزة بين أنقرة ودمشق بعد سقوط النظام السابق، لا تعني أن الأولى ستتنازل عن جبهات عملها لصالح الثانية، فيما بديل ذلك قد يكون العمل على ضمان نقل جزء من البضائع بالسيارات الشاحنة عبر الأراضي السورية في اتجاه الأردن ودول الخليج، كما كان الحال عليه قبل سنوات الحرب.

ومن جهة أخرى، تسعى المرافئ الإسرائيلية إلى الاستحواذ على التجارة الشرق أوسطية التي تربط أوروبا بالخليج والمنطقة؛ وما مشروع «الممر العظيم» سوى إحدى أدوات ذلك المشروع. ورغم أنه لا توجد إحصائيات رسمية عن حجم التجارة التي تتمّ عبر مرفأ حيفا نحو دول المنطقة، إلا أن غيابها لا ينفي عدم وجود هذه التجارة، خصوصاً في ضوء تعامل الميناء مع حوالي 20 مليون طن من البضائع سنوياً.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

التردّد الأميركي يتمدّد: ماذا بعد «حرب اللاضرورة»؟

مهما حملت جولات التفاوض من وعود أو تهديدات، يبقى الصراع الأميركي – الإيراني أسير فجوة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *