العنف الطائفي لا يأخذ استراحة: «عملية جبلة» تنكأ جراح الساحل

أوقعت «عملية جبلة» قتلى وجرحى مدنيين في ريف الساحل السوري، وسط نفي أهلي لوقوع اشتباكات خلافاً لما روّجت له السلطات الانتقالية. ويأتي ذلك في ظلّ تصاعد العنف الطائفي وتجدّد المخاوف من تكرار مجازر آذار الماضي.

قُتِل ثلاثة مدنيين بينهم سيدة مسنّة في «عملية جبلة»

أعادت العملية الأمنية التي نفّذتها فصائل تابعة للسلطات الانتقالية في قرية كنكارو في ريف جبلة، أمس، نكء جراح الساحل السوري، الذي استذكر أبناؤه المجازر التي شهدها في آذار الماضي، وأودت بحياة نحو 1500 شخص. إذ أكّدت مصادر أهلية وقوع قتلى بين المدنيين خلال العملية، بالإضافة إلى اعتقال عدد من الأشخاص، بينهم رجل فقد زوجته وابنه، ووثّق قصته في تسجيل مصوّر. وكانت وزارة الداخلية أعلنت أن الهجوم استهدف قائد «سرايا الجواد»، التابعة للعقيد السابق في الجيش السوري، سهيل الحسن.

الهجوم الذي تمّ على محور القطيلبية، حيث أُغلقت الطرقات بشكل كامل وصولاً إلى بلدة بيت ياشوط، قبل أن تستهدف قوة أمنية منزلاً يعود إلى أحد أبناء قرية كنكارو في مزرعة الشزريقة، أودى بحياة 5 أشخاص، بينهم ضابط في الجيش السابق، وعنصر في الأمن العام، وثلاثة مدنيين بينهم سيدة مسنّة، في وقت سُمعت فيه أصوات القصف بشكل واسع في المنطقة. وفيما أعلنت وزارة الداخلية نجاح عمليتها، متحدّثة عن وقوع اشتباكات، نفت مصادر أهلية، في حديثها إلى «الأخبار»، اندلاع اشتباكات، مؤكدة أن فصائل السلطات الانتقالية قامت بقصف أحد المنازل بشكل مكثف، إضافة إلى بعض المنازل المجاورة، والتي تعرّضت لأضرار متفاوتة.

وفي قرية بيت العلوني، اقتحمت قوات الأمن المنازل عقب بلاغ من أحد وجهاء المنطقة إلى الأمن العام عن وجود ضابط برتبة نقيب عاد مؤخراً من لبنان. وخلال الاقتحام، قُتل الضابط، فيما اعتُقل شاب جريح برتبة ملازم أول سابق في جيش النظام، وأعقبت ذلك حملة اعتقالات طاولت ما لا يقلّ عن أربعة شبان جرحى، وفق «المرصد السوري لحقوق الإنسان».

وتزامنت هذه العملية، وما شهدته من تصعيد طاول المدنيين، مع ارتفاع ملحوظ في عدد الجرائم المرتكبة على خلفية طائفية في المنطقتين الوسطى والساحلية، وتسعير لما سمّاه مواطنون «حملة تشويه للضحايا». وفي هذا السياق، دانت «الكتلة الوطنية السورية» (تجمّع من القوى السورية المعارضة للسلطات الانتقالية) «جريمة اغتيال المعلمة إيمان مطانيوس جرجس في مدينة حمص»، واعتبرتها «انتهاكاً جسيماً لحق الحياة، ودليلاً على فشل سلطة الأمر الواقع في حماية المدنيين وضمان أمنهم»، مستنكرةً أيضاً «ما رافق هذه الجريمة من ترويجٍ متعمّد لشائعات من قبل سلطة الأمر الواقع في محاولة لتشويه سمعة الشهيدة وتبرير اغتيالها». كما دانت الهجمات التي تستهدف قرى ريف جبلة، حيث جرى استهداف منازل المدنيين بإطلاق النار من أسلحة ثقيلة، في قرى بيت شاح وكنكارو وبيت العلوني والشزريقة والدالية وبيت عانا وغرب حمام القراحلة. وأشارت إلى أن ذلك يشكّل «جريمة خطيرة وانتهاكاً واضحاً للقانون وتهديداً مباشراً لحياة السكان»، محمّلة «سلطة الأمر الواقع»، وفق تعبيرها، المسؤولية عنه.

جرى استهداف منازل المدنيين في جبلة بإطلاق النار من أسلحة ثقيلة

بدورها، أعلنت منظمة «سين للسلم الأهلي»، في بيان، أنها وثقت، منذ مطلع العام، مقتل «30 مدنياً ومدنية وإصابة 38 آخرين/ات بينهم أربع سيدات، وطفلان، وشخص من ذوي الإعاقة البصرية» في حمص. وأكدت أن استمرار سقوط هذا العدد من الضحايا في محافظة «تخضع لسيطرة أمنية كاملة ومعلنة»، لا يمكن اعتباره «وقائع عرضية»؛ إذ يرتقي من «مستوى التقصير إلى مستوى المسؤولية القانونية والسياسية». وفي وقت طالبت فيه المنظمة باستقالة محافظ حمص والمسؤولين الأمنيين في المحافظة، فهي نبّهت إلى أن ما يجري ليس حوادث متفرقة، بل «نمط خطير» من الانفلات الأمني والاستهداف الطائفي، مؤكدةً أنه توجد «مؤشرات جدية» على تورّط عناصر من وزارتَي الداخلية أو الدفاع عبر المشاركة المباشرة، أو التسهيل، أو الامتناع عن التدخل. وإذ طالبت بإجراء تحقيق «مستقلّ وشفاف»، فهي أشارت إلى أن بعض المحرّضين «معروفون» ويحرّضون «علناً عبر مكبرات الصوت في بعض المساجد».

وبدورها، أصدرت منظمة «سوريون لأجل الحقيقة والعدالة» تقريراً يوثق وقائع التهجير القسري الجماعي الذي تعرض إليه سكان قرى ذات غالبية علوية في ريف حماة الشمالي، من مثل قرى الزغبة، مريود، والطليسية، ومعان، والفان، وأبو منسف، وعمليات الاستيلاء الواسعة على أراضيهم ومنازلهم ومنعهم من العودة إليها. وكشف التقرير، استناداً إلى أدلة ميدانية وشهادات حية، عن هروب السكان تحت وطأة هجوم عسكري مباغت استُخدمت فيه طائرات مسيرة انتحارية من طراز «شاهين»، مما خلق حالاً من الذعر الشديد بين السكان، أجبرتهم على ترك منازلهم وممتلكاتهم والنجاة بأرواحهم فقط. وبحسب الشهادات، تمّ منع الأهالي من العودة عبر التهديدات المباشرة وغياب الحماية، في حين تعرّضت ممتلكاتهم لعمليات نهب واسعة، وذلك عقب انهيار المنظومة الدفاعية لقوات النظام السوري السابق وسيطرة الفصائل المشاركة في عملية «ردع العدوان» في 8 كانون الأول 2024 على مناطقهم. وتطورت تلك العمليات من «التعفيش» الفردي إلى الاستيلاء المنظم عبر كيانات مستحدثة من مثل «شركة اكتفاء»، وهي جهة استثمارية زراعية مقرّها إدلب.

«الإسلامي العلوي» يدين القتل بذريعة ملاحقة الفلول

في تعليقه على التصعيد الذي يطاول المنطقتين الوسطى والساحلية في سوريا، وآخر فصوله العملية الأمنية التي نفّذتها فصائل تابعة للسلطات الانتقالية في قرية كنكارو في ريف جبلة، دان «المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر»، أمس، «بأشدّ العبارات سياسة الترهيب الجماعي والقتل الممنهج التي تنفّذها سلطة الأمر الواقع والفصائل التابعة لها في الساحل السوري ومحافظة حمص تجاه المدنيين العلويين السوريين». وأكّد المجلس، في بيان أصدره مكتب «التنسيق السياسي» التابع له، رفضه استخدام هذه السلطة لتوصيف «الفلول» كذريعة لتبرير قتل العلويين وترهيبهم، مشيراً إلى أن الوقائع «أثبتت خلال العام الفائت عدم وجود أي دليل على ما يُسمّى بالفلول في كل المناطق التي يقطنها العلويون، كما لم يصدر عن أبناء الطائفة العلوية أي نشاط عنفي مضادّ تجاه الانتهاكات التي تُمارس ضدهم، بل على العكس لقد التزم العلويون بالنضال المدني السلمي في مطالبتهم بحقوقهم المشروعة سواء من خلال الخروج في تظاهرات سلمية أو اعتصامات مدنية».

وطالب المجلس المجتمع الدولي والدول المعنيّة بالشأن السوري باستمرار «الضغط على هذه السلطة للالتزام بتعهداتها تجاه الشعب السوري والإسراع في إيجاد حلّ سياسي وفق القرار 2254 والقرار 2799، بتشكيل دستور حكم فيدرالي لا مركزي سياسي»، داعياً أيضاً إلى «تشكيل حكومة اتحادية وطنية حقيقية وإجراء انتخابات حرّة بإشراف دولي يضمن تمثيل جميع مكوّنات الشعب السوري وصون حقوقهم وكرامتهم»، وفق البيان.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

مقترحُ العملة الرقمية الغزّية: أميركا تستكمل الإبادة… اقتصادياً

طرح «مجلس السلام» إنشاء عملة رقمية مشفّرة خاصة بقطاع غزة بإشراف جهات إسرائيلية – أميركية. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *