حياة وسط الحداد في جنوب لبنان: أين وقف إطلاق النار؟
موقع ميادين المقاومة
يوم واحد مضت
أخبار هامّة, الرئيسية, النشرة اللبنانية, منوّعات
مع كل قصف إسرائيلي جديد، تتفاقم الاحتياجات الإنسانية، القائمة أساساً، ويزيد العبء النفسي على كاهل الناس الذين يبدون قدرة استثنائية على الصمود في هذه الأوضاع.

منذ إعلان اتفاق وقف إطلاق النار لا تزال الهجمات الإسرائيلية مستمرة
جلس محمد مهدي، البالغ من العمر 12 عاماً، وسط أقرانه وبين الدفاتر وأقلام التلوين، فيما استذكر اليوم الذي تغيّرت فيه حياته وحياة عائلته للأبد: «كنت في المدرسة ورأيت المعلمات يركضن في الممرات، فظننت أن الطائرات الحربية الإسرائيلية ستستهدف المدرسة. لكن بينما كنا نغادر قريتنا كفرتبنيت هرباً، علمت أن منزلنا والحيّ الذي نسكنه قد تعرّضا للقصف».
في الثاني من شباط، خسر محمد مهدي بيته في واحدة من الغارات الإسرائيلية التي استهدفت عدداً من بلدات جنوب لبنان، من بينها كفرتبنيت وعين قانا في محافظة النبطية، متسببةً بدمار واسع في الأحياء السكنية ونزوح ما لا يقل عن 37 عائلة من كفرتبنيت. ورغم أن بعض الهجمات سُبِقت بما يُسمّى أوامر إخلاء، إلا أن ذلك لم يحدث في جميع الهجمات، ما يترك السكان، في مختلف أنحاء الجنوب والبقاع، عالقين في حلقة مفرغة من الخوف وانعدام اليقين.
ومع كل قصف إسرائيلي جديد، تتفاقم الاحتياجات الإنسانية، القائمة أساساً، ويزيد العبء النفسي على كاهل الناس الذين يبدون قدرة استثنائية على الصمود في هذه الأوضاع. ففي أعقاب الغارات الإسرائيلية على كفرتبنيت، تحرّكت فرق منظمة أطباء بلا حدود، فوراً، للاستجابة للاحتياجات العاجلة، ووزّعت طروداً غذائية، إلى جانب البطانيات والفرش والوسادات، على العائلات المتضررة.
وفي الوقت نفسه، واصلت فرق المنظمة الطبية والنفسية المتنقلة تقديم خدمات الرعاية الصحية الأولية، والدعم النفسي، وأنشطة التوعية الصحية في مختلف أنحاء المحافظة، لمساندة الأهالي الذين يعيشون صدمات متكررة ونزوحاً متواصلاً.
يقول منسق برامج «أطباء بلا حدود» في لبنان، جيريمي ريستور: «فرقنا حاضرة على الأرض، تقدم المساعدات العاجلة وتدعم الرعاية الصحية، لكن ما استجبنا له في كفرتبنيت ليس حادثاً منفرداً، بل انعكاس للواقع الذي يعيشه آلاف الأشخاص في جنوب لبنان. تعيش العائلات حالة مستمرة من انعدام اليقين، ولا تعرف متى قد تُستهدف منازلها أو أحباؤها. كثيراً ما نسمع الناس يسألون: أين وقف إطلاق النار؟».
ويضيف ريستور: «لا تدمر الهجمات الإسرائيلية المستمرة المنازل والبنية التحتية فحسب، بل تقوّض ركائز الحياة اليومية وفرص التعافي».
منذ إعلان اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان في تشرين الثاني 2024، لا تزال الهجمات الإسرائيلية مستمرة على عدد من المناطق اللبنانية، ومكثّفة في جنوب لبنان. وقد أفادت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) بارتكاب القوات الإسرائيلية أكثر من 10,000 خرق لاتفاق وقف إطلاق النار، فيما استُشهد أكثر من 370 شخصاً بنيران إسرائيلية منذ تاريخه.
تتسبب هذه الهجمات بموجات متكررة من النزوح، وبأضرار جسيمة في البنية التحتية المدنية، بما في ذلك المنازل والخدمات الأساسية، كما تمنع الآلاف من العودة إلى قراهم وإعادة بناء منازلهم المدمرة.
التقت منظمة أطباء بلا حدود، على ضوء الاستجابة التي أطلقتها في كفرتبنيت، بحوراء مقداد، والدة الطفل محمد مهدي، ومدرّسة التمريض التي خسرت بيتها جراء القصف الإسرائيلي الأخير.
تقول حوراء: «كنت في معهد التمريض عندما أخبرني أحد طلابي أن بيتي أصبح في منطقة مهدَّدة بالقصف. في لحظة واحدة، أدركت أنني سأفقد بيتي وحديقتي وكل ما يحمل ذكرياتي وذكريات أطفالي. كان الأمر موجعاً وصادماً، ولكن في الوقت نفسه، هذا هو الواقع الذي تفرضه الهجمات الإسرائيلية على حياتنا منذ فترة».
زارت حوراء عيادة أطباء بلا حدود الطبية المتنقلة في كفرتبنيت مع طفليها بعدما وجدت نفسها وأسرتها أمام خسارة قاسية تركتهم في حالة صدمة. فلم تقتصر خسارتهم على البيت والمقتنيات فحسب، بل فقدوا أيضاً أوراقهم الثبوتية وملفاتهم الطبية وكل ما يوثّق حياتهم، في لحظة سلبتهم أي إحساس بالاستقرار.
«يواجه ولدي الأكبر صعوبات في الدراسة وتشتتاً في التركيز، فيما ازدادت حركة شقيقه الأصغر بشكل كبير»، توضح حوراء، ثم تغصّ بدموعها وتضيف: «عند صباح كل يوم، يستذكر ولداي ألعابهما وكل اللحظات التي عاشاها في بيتنا قبل أن يُدمّر».
يتقاسم كثر هذا الواقع المؤلم في مختلف أنحاء الجنوب. ففي كانون الثاني، كانت مساعدة الشؤون المالية والموارد البشرية التي تعمل في مشروع «أطباء بلا حدود» في النبطية، أليس رضا، تزور والديها في كفرحتى، قضاء صيدا، عندما استُهدفت بلدتها بشكل فجائي بما يُسمّى بأوامر الإخلاء، ما أعاد إلى الأذهان لحظة هلع باتت مألوفة لدى كثيرين. وتتساءل: «لمَ يستمر هذا بالحدوث؟ وكيف لنا أن نعيش على هذا النحو؟ كيف أصبح تدمير المنازل وتشريد العائلات والعيش في خوف دائم وضعاً طبيعياً؟».
في الجنوب، توفر العيادة الميدانية التابعة لأطباء بلا حدود خدمات أساسية تشمل الرعاية الأولية، وطب الأطفال، والصحة الجنسية والإنجابية، وخدمات الصحة النفسية. ففي عام 2025 وحده، قدّمت فرقها في النبطية أكثر من 28,000 استشارة طبية عامة، ونحو 2,800 استشارة في الصحة النفسية، إضافة إلى أكثر من 10,300 جلسة توعية صحية.
مرتبط