الأسعار تأكل التصحيح النسبي في الأجور

في الوقت الذي يجاهر فيه المسؤولون عن الوضع الاقتصادي في لبنان، بالاستقرار الاقتصادي الذي تحقّق أخيراً، بقي وضع الأجور في الاقتصاد اللبناني سيئاً مقارنة مع 2019، علماً أنها تُعدّ مؤشراً أساسياً للتعافي.

في الوقت الذي يجاهر فيه المسؤولون عن الوضع الاقتصادي في لبنان، بالاستقرار الاقتصادي الذي تحقّق أخيراً، بقي وضع الأجور في الاقتصاد اللبناني سيئاً مقارنة مع 2019، علماً أنها تُعدّ مؤشراً أساسياً للتعافي. وفي مقابل ارتفاع الأسعار، لم تسجّل الأجور تعافياً يُعيدها إلى مستويات ما قبل الأزمة.

انهيار الأجور كان سببه الأساسي انهيار العملة اللبنانية. صحيح أن الاقتصاد اللبناني كان مدولراً قبل الأزمة، لكنها كانت دولرة محصورة داخل القطاع المصرفي والمالي. كانت معظم الودائع مقوّمة بالدولار، وكان الجزء الأكبر من القروض مقوماً بالدولار أيضاً، فيما جزء أساسي من اقتراض الدولة كان بالدولار. لكن التبادلات اليومية في الأسواق، من أجور وتسعير وسلع، كانت بغالبيتها تُدار بالليرة اللبنانية. بمعنى آخر، كان الدولار موجوداً في الميزانيات والدفاتر، لكنه لم يكن يعيش في جيب المواطن العادي. لذلك، انعكس انهيار العملة اللبنانية بشكل مباشر على الأجور.

أمّا بعد الأزمة، ومع انهيار قيمة الليرة وفقدان الثقة بالمصارف وبالسياسة النقدية، انتقلت الدولرة من كونها ظاهرة مصرفية لتصبح ظاهرة مجتمعية تطال كل شيء؛ التسعير بالدولار، الإيجارات بالدولار، الأجور بالدولار أو بما يعادلها، وحتى الخدمات الأساسية. وأصبح الاقتصاد مدولراً فعلياً تحت الأمر الواقع، حيث تُستخدم الليرة فقط في جزء صغير من التعاملات، بينما القوة الشرائية الفعلية للمواطن باتت مرتبطة بسعر الدولار وبالدخل المتوافر بهذه العملة. هذا ما أسهم نسبياً في تحسّن الأجور بعد انهيارها في بداية الأزمة، لكن ليس إلى المستويات السابقة للأزمة.

أحد المؤشرات على وضع الأجور هو الحدّ الأدنى للأجور الذي بقي في وضع سيّئ حتى عام 2022. ورغم أن الحكومة رفعت الحدّ الأدنى للأجور مرات عدّة بعد الأزمة، من 675 ألف ليرة إلى مليوني ليرة عام 2022، ثم إلى 9 ملايين (2023)، ثم 18 مليوناً (2024)، وأخيراً 27 مليون ليرة (2025)، إلا أن هذه الزيادات لم تُعِد الأجر إلى مستوى 2019. فقبل الأزمة كان الحدّ الأدنى يساوي نحو 450 دولاراً، بينما يساوي اليوم فقط 300 دولار، أي ما يقارب ثلث قيمته مفقود.

وعند النظر إلى الأجور من ناحية القدرة الشرائية الحقيقية وليس الأرقام الاسمية فقط، تصبح الصورة أوضح. فالمقصود بـ«إلغاء آثار التضخّم» هو للمقارنة بين ما يستطيع العامل شراءه اليوم مع ما كان يستطيع شراءه في سنوات سابقة، لأن الأجر قد يرتفع رقمياً، ولكن قيمته تتراجع إذا ارتفعت الأسعار أكثر. وبالتالي، إذا نظرنا إلى ما يسمى بالقيمة الحقيقية للأجر، أي الأجر بعد إلغاء آثار التضخّم، تصبح الصورة أوضح. وهنا نستخدم 2008 كسنة أساس للمقارنة، أي إننا نعيد كل الأجور إلى ما تساويه بأسعار 2008 لكي نقيس قدرتها الشرائية الفعلية. فالأجر قد يرتفع بالأرقام، لكن إذا ارتفعت الأسعار أسرع منه، يفقد قيمته الحقيقية.

قبل الأزمة كان الحدّ الأدنى يساوي نحو 450 دولاراً، بينما يساوي اليوم فقط حوالى 300 دولار، أي ما يقارب ثلث قيمته مفقود

وباعتماد هذه المقارنة، نرى أن الحدّ الأدنى للأجور الذي كانت قيمته الحقيقية تعادل نحو 620 ألف ليرة في 2019 (بأسعار 2008)، وأصبح يساوي اليوم فقط 387 ألف ليرة. وهذا يعني أن الحدّ الأدنى تراجع إلى نحو 62% من قوته الشرائية قبل الأزمة رغم الزيادات الكبيرة على الورق. بمعنى آخر، الزيادات الاسمية بقيت عاجزة عن تعويض الانهيار الفعلي في دخل العمال.

في المقابل كانت الأسعار ترتفع بشكل كبير، ليس فقط بفعل انهيار سعر الصرف، وهو الأمر الذي لعب دوراً أساسياً في تضخّم الأسعار في السنوات الأولى من الأزمة. ففي المرحلة اللاحقة، أصبح ارتفاع الأسعار بالدولار أيضاً، خصوصاً بعد دولرة الأسعار في منتصف 2023، إذ إن ثبات سعر الصرف منذ ذلك الوقت لم يمنع تضخّم الأسعار، بل ارتفع مؤشّر الأسعار الاستهلاكية بين آب 2023 وأيلول 2025 نحو 60%، ومع استقرار سعر الصرف يمكن الاستدلال بأن هذا الارتفاع كان ارتفاعاً خالصاً بالدولار.

صحيح أنّ جزءاً من هذا التضخّم بالدولار كان مستورداً، إذ شهدت الأسواق العالمية موجات تضخّم في الأسعار، إلا أن هذه الموجات انحسرت منذ مدّة في حين بقيت الأسعار في لبنان في مسار ارتفاع، وهو ما يشير إلى أن جزء كبير من التضخّم داخلي.

خلال الأزمة، كسب الدولار قوّة شرائية، إذ أسهمت سياسات الدعم في ارتفاع القدرة الشرائية للدولار. إلا أن هذه القدرة بدأت تتلاشى مع التخلّي عن سياسات الدعم التي أسهمت في ارتفاع الأسعار بالدولار في السنوات الأولى بعد الأزمة، ثم مع دولرة الأسعار وارتفاعها. وعبر مقارنة التغيّر في مؤشّر الأسعار الاستهلاكية مع التغيّر في سعر الصرف، يمكن ملاحظة هذه الحركة بشكل واضح، إذ انخفضت الأسعار بالدولار في السنوات الأولى من الأزمة، لتبلغ مستوياتها في حزيران 2021 نحو 29% من الأسعار بالدولار في بداية 2019، إلا أنها بدأت تتصاعد منذ ذلك الوقت.

وفي تموز 2024 أصبح مستوى الأسعار بالدولار موازياً لمستوى بداية 2019. اليوم أصبحت الأسعار بالدولار توازي نحو 120% من الأسعار بالدولار في بداية 2019، ما يعني أن الأسعار بالدولار الآن أصبحت أعلى من مستوى الأسعار في 2019 بنحو 20%، وهذا الأمر أسهم في إلغاء الزيادات في الأجور خلال الأزمة.

بشكل عام، تزامن تراجع الأجور مع غلاء معيشي كبير، وانعكس ذلك على الحياة اليومية للعمّال والموظفين. في المقابل لا يظهر أنّ أيّاً من أصحاب القرار لديه خطّة لمواجهة هذا الواقع المرير، رغم أنهم يصرّحون بتحسّن الوضع الاقتصادي مستندين إلى أرقام، مثل ثبات سعر الصرف والفرصة الضائعة للنمو الاقتصادي قبل الحرب الأخيرة، وهي مؤشرات لا معنى لها واقعياً خصوصاً مع الوضع المتردي للقدرة الشرائية للأسر اللبنانية.

عن موقع ميادين المقاومة

من الداخل إلى الإقليم و العالم، لتكون الأقرب للمشهد السياسي.. بمنظورٍ مُقاوِم! هدفنا أن تكون بيئتنا الكريمة شريكةً في الوعي.. لا مجرّد متلقّية للخبر!

شاهد أيضاً

تجمع العلماء المسلمين: الحكومة راضخة للإملاءات الأميركية ولم تنفذ أيًا من وعودها

رأى “تجمع العلماء المسلمين” أنه “بات واضحًا لدى الجميع العناوين الأساسية للوضع السياسي في لبنان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *