بين تجربتَي اليمن وإيران: حاملات الطائرات الأميركية ليست محصّنة
موقع ميادين المقاومة
ساعتين مضت
أخبار هامّة, الرئيسية, النشرة الدولية, مقالات مختارة, منوّعات
مع وصول «جيرالد فورد» إلى المتوسط، تحاول واشنطن استعادة صورة الردع البحري، لكن تجربة البحر الأحمر تطرح أسئلة عميقة حول جدوى حاملات الطائرات في حروب الصواريخ والمسيّرات، واحتمالات اختبارها الأصعب أمام إيران.

الحرس الثوري الإيراني اختبر قارب الدفاع الجوي «سيد 3 ج»
بوصول حاملة الطائرات «جيرالد فورد» إلى البحر المتوسط، تكمل القوات الأميركية انتشارها العسكري استعداداً إلى مواجهة محتملة مع إيران. ويأتي ذلك فيما لا تزال تداعيات تجربة البحر الأحمر ماثلة في الحسابات العسكرية الأميركية. فالمواجهة مع حركة «أنصار الله» كشفت حدود فعالية القوة البحرية التقليدية في بيئة قتالية تعتمد على الصواريخ الدقيقة والمسيّرات، وأظهرت أن حاملات الطائرات، رغم تفوقها التكنولوجي، لم تعُد أداة حسم في الحروب غير المتكافئة. ومن هنا، فإن الزخم الدعائي الذي رافق نشر «فورد» يعكس محاولة أميركية لإعادة تثبيت صورة الردع، أكثر مما ينمّ عن تحوّل جذري في معادلات القوة على الأرض.
وتَرافق نشر «فورد» إلى جانب حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»، مع حملة دعائية وإعلامية مكثّفة هدفت إلى إبراز تلك الحاملة بوصفها «أقوى منصة بحرية في العالم»، قادرة على ترجيح ميزان القوى لصالح واشنطن. على أن هذه الحملة لم تمنع انفتاح نقاش واسع داخل الدوائر الاستراتيجية حول مستقبل الأسلحة المشار إليها ودورها في الحروب الحديثة، ومنها الحرب المفترضة المعقّدة مع إيران، ولا سيما بعد تصريح المرشد الإيراني، آية الله علي الخامنئي، الذي قال فيه إن «السفينة الحربية شيء خطير بلا شك، لكن الأخطر هو السلاح القادر على إغراقها».
وفي هذا الإطار، حضر الفشل الذي لازم أداء حاملات الطائرات خلال الضربات على اليمن، علماً أن أيّ صراع مع إيران لن يكون مجرّد نسخة موسّعة من تلك الحرب، بل نقلة نوعية في طبيعة الاشتباك نفسه. ففي اليمن، واجهت الولايات المتحدة خصماً غير دولتي يمتلك قدرات متطوّرة نسبياً في مجال الصواريخ والمسيّرات، لكنه محدود الموارد والعمق الاستراتيجي. أمّا في إيران، فالأمر يتعلّق بدولة تمتلك بنية عسكرية صناعية مكتملة، وقدرات ردع متعدّدة الطبقات، وعقيدة قتال مبنيّة على توزيع القوة بدل تركيزها، وهو ما يجعل استهدافها أو تحييدها أكثر تعقيداً من عمليات الردع الموضعية في البحر الأحمر.
كما أن اقتصاد الحرب يختلف جذرياً بين الحالتين؛ ففي اليمن، استطاعت حركة «أنصار الله» فرض معادلة كلفة منخفضة عبر استخدام صواريخ ومسيّرات زهيدة الثمن، وذلك مقابل كلفة عسكرية أميركية مرتفعة. أما في مواجهة إيران، فإن هذه المعادلة قد تتضاعف؛ إذ إن طهران تمتلك قدرات إنتاج وتسليح محلية واسعة تسمح لها بإطالة أمد الحرب واستنزاف خصومها، في حين تعتمد واشنطن على خطوط إمداد بعيدة ومكلفة.
ويرى الخبراء أنه إذا كانت حرب اليمن مثّلت إنذاراً مبكراً لتآكل هيبة القوة البحرية التقليدية، فإن أيّ مواجهة مع إيران قد تتحول إلى اختبار شامل لنموذج الردع الأميركي نفسه، خصوصاً أن مواجهة من هذا النوع ستمتدّ على مسارح إقليمية متعدّدة، وأن الطرف الإيراني فيها يمتلك ترسانة صاروخية ضخمة ومتنوّعة، وقدرات بحرية وجوية متطورة.
والجدير ذكره، هنا، أن الهجمات اليمنية كشفت للعالم نقاط ضعف خطيرة لدى الأميركيين، وتحديداً في ما يتعلّق بالتعامل مع المسيّرات والصواريخ الباليستية المضادة للسفن. ولعلّ من أبرز العوامل التي أسهمت في وقف الضربات الجوية على اليمن، كان التطور النوعي في طبيعة التهديدات الصاروخية؛ إذ تشير التقديرات إلى أن حركة «أنصار الله» نجحت في تطوير قدرة استخبارية دقيقة تمكّنها من تحديد لحظات الضعف العملياتي لحاملات الطائرات، ولا سيما خلال فترات التوقّف الاضطراري – أثناء إقلاع الطائرات أو هبوطها -. كذلك، أدّت كثافة الهجمات اليمنية وتكرارها إلى إرباك جدول العمليات الجوية على متن الحاملات، وتأخير عمليات الإقلاع والهبوط، وهو ما دفع وزير الدفاع الأميركي إلى تعزيز الانتشار البحري، والتوجيه بإرسال حاملة طائرات ثانية هي «كارل فينسون»، المزوّدة بجناح جوي مختلط يضمّ مقاتلات «إف 35 سي» من الجيل الخامس.
وعلى ضوء هذا التقدير العملياتي، وارتفاع منسوب المخاطر، وُضع الملف أمام الرئيس دونالد ترامب، الذي انتهى إلى خيار خفض التصعيد، ووافق على اتفاق مع حركة «أنصار الله». ولم يَطُل الوقت حتى اتهمت الخارجية الأميركية شركة «تشانغ كوانغ» الصينية للأقمار الصناعية بتزويد «أنصار الله» بصور أقمار صناعية لاستهداف السفن الحربية الأميركية والسفن الدولية في البحر الأحمر؛ علماً أن حاملة الطائرات «ترومان» تعرّضت إلى هجمات متعدّدة من قبل «أنصار الله» أثناء انتشارها في البحر الأحمر، وسقطت من طائراتها الـ«إف إي 18 سوبر هورنت»، في أثناء الاشتباك مع المسيّرات اليمنية، وفق البيانات الأميركية.
هذا الواقع أجبر القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين، على إعادة النظر في استراتيجياتها العسكرية؛ إذ اكتشفت واشنطن أن حاملات الطائرات والقطع البحرية الثقيلة لم تعد كافية لردع خصم غير متماثل مثل حركة «أنصار الله»، بينما رأت بكين في التجربة اليمنية دليلاً إضافياً على أن الاستثمار في المسيّرات والروبوتات البحرية هو الطريق الأمثل لمواجهة التفوّق الأميركي التقليدي. وفي هذا الإطار، تقول مجلّة «ديفانس وان» إن وزارة الدفاع الأميركية قامت بتشكيل وحدة هجومية جديدة مكوَّنة من 12 عضواً، متخصّصة في استخدام الطائرات المسيّرة الهجومية، وذلك في قاعدة في ولاية فرجينيا.
وبعد الحرب على اليمن، عمل المجمع الصناعي الأميركي على تحليل طبيعة الصواريخ والمسيّرات والتكتيكات المستخدَمة، والتي يظهر أنها وفّرت مادة يمكن الركون إليها، وفق ما أشارت إليه مجلة «ناشيونال إنترست» الأميركية. كما أن واشنطن أرسلت، أثناء الحرب، أكثر من بعثة فنية إلى البحر الأحمر لتقييم الثغرات ونقاط الضعف، وتحديد الاحتياجات الدفاعية، وتطوير استراتيجيات للتعامل مع التهديدات المتزايدة من جانب «أنصار الله».
مرتبط